المقالات
منوعات
ثرثرة صباحية فى أذن البحر
ثرثرة صباحية فى أذن البحر
01-10-2016 07:30 PM




شوارع " جدة " تبدو خالية من المارة هذا الصباح . لا أبواق كالمعتاد . لا أصوات تتبادل الشتم كما يحدث دوما فى لحظات الإزدحام المرورى . الناس هنا أحيانا يكسرون صمت حيواتهم بالصراخ في وجوه بعضهم . الشوارع نظيفة إلا من الوحشة . المبانى ساكنة كما هى عادة هذه المدينة التى تحترف السكون . كل الموانئ ثرثارة إلا مدينة " جدة " . و أنا أقود سيارتى داهمنى خاطر غريب : أن المدن كالبشر تماما ، منها الهمزة اللمزة ، ومنها المهذبة ، و منها الفضولية ، و منها التى " تسل " روحك قبل أن تهمس فى أذنك بحرف . آخر مرة زرت فيها " الخرطوم " أوشكت أن أضيع فى زحمة المبانى التى استطالت فجأة ، متقيئة غرورها على منازل البسطاء و مفارش الباعة الأكثر بساطة . " الخرطوم " المدينة الجرح . أحيانا أسأم منها ، يخيل إلى أحيانا أنها لم ترث من النيل شيئا سوى ثرثرته الصباحية التافهة على أكتاف الجروف الغبية . لكن ما بالى و " الخرطوم " الآن ؟ أنا فى مدينة أخرى الآن . أنا على الجانب الآخر من عالم . ألتفت حولى فى فضول لم تطفئه سنوات الغربة . " جدة " المدينة التى دفنت بين ظهرانيها أكثر من عشرة أعوام . و مع ذلك ، و كلما أغمضت عينى وجدتنى فى سوق العناقريب فى امدرمان !!. تلك هي مدينة الروح الأبدية ، لها عبق لا يضيعه زمان الترحال و لها فجر لا يطفئه السفر المتقادم . بلى فتلك مدينة المهدى !!
تتشبث ابنتى بعنقى و هى تتغنى بلحن ألفته بنفسها . تبتسم زوجتى و تتهمنى بأننى أفسدت وحيدتها ! " منة الله " مثلى : تعشق الغناء جدا ويجذبها هذا الكائن الغامض الشفافية الشفاف الغموض : الموسيقى . يا ليتنى أستطيع أن أجنبها جرثومة الموسيقى و الكتابة و الأسئلة منذ الآن !!
أوقف سيارتى على الرصيف . أسر كثيرة تتبعثر على طول المكان كما بذور نثرها مزارع نشط . عشرات الأطفال يركضون بلا ثياب ثقيلة رغم برودة المكان . هؤلاء قوم يعشقون السهر و يحملون فى دمائهم شيئا من تمرد القبائل القديمة منذ عهد "إبن شداد " . البحر يبدو ثائرا عكس المبانى التى تقف باردة على الجانب الآخر من الشارع . استند على السياج الحديدى بيدى و أركض بنظراتى بعيدا ، بعيدا فى الافق . تلفحنى نسمة باردة فاستنشقها ملء جوعى للنقاء . البحر : هذا الكائن الخرافى العجيب . البحر ذاكرة اليابسة الأبدية . أية حيوات تمور بها أعماقه الغامضة ؟ أية صراعات تحتدم فى ثنايا ظلماته القصية ؟؟ لو قدر لكائناته أن تصرخ يوما لسمعنا حكايات حروب عالمية أولى و ثانية و عاشرة دارت رحاها على مواقع رحم الموج الأعمى الذى يبتلع كل شىء . خيول الأمواج تصهل فى منتصف البحرهناك ، راكضة فى إتجاه الرصيف الحجرى الأخرس ، ثم سرعان ما تبدأ فى فقدان شبابها ، لتدلف إلى شيخوخة سريعة ، لافظة أنفاسها الأخيرة جدا على الشاطئ الذى يطوى تاريخ سفرها القصير بعنفوانه الأخرق . البحر صديقى القديم الجديد . هو أكثر غموضا من النيل . ترى كم من السفن مرت من هنا ؟ كم من المناديل رفعها المودعون على رصيف موانئ القدوم على خاصرة البحر ؟ كم من الدموع ذرفها المسافرون و هم يتأملون السفن تتهادى بهم بعيدا عن اليابسة قبل أن تغوص فى تلافيق بطنه ، و تتحول إلى جزء من اللا مكان ؟ كم من الزفرات أطلقها هاربون من بلادهم و أصابعهم تتشبث بحقائبهم و ذكرياتهم ؟ البحر كما النيل . كلاهما ظل صديقا أثيريا لى ، و ما بين البحر و النيل سقطت أعوام اثنتا عشر و لا أعلم كم ستتساقط بعد فى ليالى السفر الطويل . البحر كما النيل : محطتان شامختان فى العمر ، و ما بين غياب الأول و حضور الثانى ثمة حكاية رجل حلم يوما بالتميز و التفرد فإذا بأقداره تحشره فى مساحة الرغيف و زجاجة الدواء !!
نسمة أخرى تصفعنى فابتسم فى حنين . أنا من بلاد كتب شعراؤها أرق القصائد في نسمة ما ، تأتى من محبوب ما . تفقز سمكة مشاغبة فى الفضاء . ترش وجهى برذاذ ماء خفيف ثم تسقط ثانية فى البحر . أرمقها عبر الموج المتبرج و هى تلهو هازة ذيلها الخشن ، ثم و هى تشق دربها صوب المجهول ....هناك !!أطاردها بنظراتى الفضولية التي سرعان ما تصطدم بجدار اللا رؤية العتى !!
تمسك " منة الله " بساقى فى حب ، تصر أن أرفعها حتى ترى البحر جليا . أفعل ذلك رغم صيحات أمها المحتجة . تضحك و هى تلمح طائرا يغوص فى البحر ثم يخرج حاملا فى منقاره سمكة صغيرة . فجأة يبدأ البرد في إظهار نواجذه فنقرر العودة بعودة . هكذا هي " جدة " ، مدينة مجنونة الأجواء ، قد تصاب الزكام صباحا و تصاب بحمى طاحنة في ظهيرة نفس اليوم !!
أحشر جسدى النحيل خلف عجلة القيادة . أركض بخيالى قليلا صوب مدينة أخرى . ثمة مقاهى تنادينى هناك .، شوراع أريد أن أضيع فى زحمة ناسها ، صيف صارخ الوحشية يمد يديه لانتشالى من برد البحر الأحمر ، قصص لم تنته و لن تنتهى تشدنى إلى خاصرة السفر فى عيون بقيت جزءا من ذاكرتى رغم الغياب الطويل .
انطلق بسيارتى بعيدا و صوت يتردد ملء طيات السحاب " ثمة مواعيد لابد من تلبية نداءاتها الكبار "
...............
مهدى يوسفا ابراهيم عيسى ([email protected])
جدة
السبت
يناير 2016

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1099

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1398249 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2016 10:41 PM
【و ما بين غياب الأول و حضور الثانى ثمة حكاية رجل حلم يوما بالتميز و التفرد فإذا بأقداره تحشره فى مساحة الرغيف و زجاجة الدواء !!】

شكرا مهدى يوسف ابراهيم عيسى علي هذا النص المتميز المتفرد! لاتبأس نفسك حقها يا رجل!

[سوداني]

مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة