المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طلحة جبريل
حكومة جديدة في البلد ..الأوطان لا يبنيها حفنة أشخاص
حكومة جديدة في البلد ..الأوطان لا يبنيها حفنة أشخاص
06-07-2010 10:13 AM

راي 33

حكومة جديدة في البلد ..الأوطان لا يبنيها حفنة أشخاص

طلحة جبريل

وجدت أمامي هذا الأسبوع عدة مواضيع، تستحق التوقف والتأمل وربما التحليل. بعضها حولنا في منطقتنا، ومنها «ارهاب الدولة» الذي وقع قبالة سواحل غزة. وبعضها الآخر بعيد عنا، لكنه شديد الارتباط بقضايانا، ومن ذلك قمة باريس الأفريقية الفرنسية. لكن فضلت أن اتوقف عند هذا الذي أطلق عليه « مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية». هي مشاورات، اعتبرت أن «الانتخابات» التي جرت في ابريل الماضي حققت «الانتقال الديمقرطي».
أقول دون تردد إن الانتخابات التي جرت في بلادنا، أياً كانت شهادات «النزاهة» التي جمعت لها، شوهتها المقاطعة والاتهامات بالفساد واستعمال الأموال والتلاعب في عمليات التسجيل والتصويت. ثم جرت بعد « الانتخابات» حملة نفسية تضغط على الآخرين بأن يبتعدوا عن طريق السلطة ويقعدوا على أرصفته. الآن نتابع فصلاً جديداً من هذا « الانتقال الديمقراطي» السوريالي. وفي اعتقادي أن عملية تشكيل الحكومة واختيار أعضائها هي المناسبة التي عبرت فيها كافة الشكوك بين الشريكين عن نفسها.
الحكمة والعمل المتقن يقضيان عدم تكرار الحل نفسه للمشاكل نفسها. لكن المفارقة ان الجانبين، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، لا يكرران التكتيكات والحلول نفسها، بل يسعيان للعودة الى عام 2005، أي استنساخ الماضي ونقله الى الحاضر، أكثر من ذلك القول إن كل ما حدث، بما في ذلك الانتخابات، يجب ان لا تقوض أسس الشراكة. أي أن كل طرف يفترض ان يحافظ على ما ربحه من خلال مفاوضات نيفاشا. يوم قال الطرفان إن الحرب والسلام يصنعها من حمل السلاح، أما الآخرون ماذا يضيرهم إذا هم انتظروا الفتات، أو حتى لا فتات كما قال أحد اركان النظام «نحن على استعداد ان نتصدق عليهم بحل مشاكلهم المالية».
نحن من جديد، خلال هذه الايام، أمام مفاوضات بين حزبين مصرين على أن يبدوا جديين، لكن لسوء حظهما يدرك الناس أن هذه هي ليست الحقيقة.
دعونا نطرح عليهما سؤالاً مباشراً. إذا كان الأمر يتعلق بتشكيل «حكومة وحدة وطنية» كما يقولون، لماذا لم يصطحب « المؤتمر الوطني» معه الى اللجنة المشتركة، بعض»احزاب التداول»، أو تتشاور، الحركة الشعبية، مجرد تشاور مع « تحالف جوبا». على الأقل للمحافظة على حد أدنى من الصدقية.
إزاء هذا الوضع، أقول مجدداً ليس هناك ما هو أسوأ بالنسبة لبلد من أن يستيقظ ناسه كل صباح ويتساءلون بشيء من القلق والألم عن مصير مجهول. ونحن الآن أمامنا مؤشرات تقول إن ضباباً كثيفاً، يكاد يحجب الرؤية، ضباب ينتظرنا في ما سيأتي من أيام.
كنت اتوقع بعد كل ما جرى وفي انتظار الاستفتاء الذي تفصلنا عنه بضعة اشهر، ان يسلك الحزبان منهجية ترسل ولو رسالة ايجابية واحدة الى الناس في الداخل، أو الى العالم الخارجي. رسالة تتدثر بقليل من الموضوعية.
على سبيل المثال، وضع منهجية تحدد أولاً برنامج حكومة يفترض أن يكون عمرها في جميع الاحوال أقل من سنة. ثم بعد ذلك تقسيم هذه الحكومة الى قطاعات كما يقول بذلك «علم السياسة». تقسيم يراعي متطلبات المرحلة، وبعد ذلك تصنيف هذه القطاعات، وبناء عليه تحديد عدد الحقائب الوزارية. وإذا سار الأمر على هذا المنوال، فإن بلادنا كانت تحتاج الى حكومة تضم ثلاثة قطاعات أساسية وثلاث مفوضيات.
تبعاً لذلك تضم المجموعة الاولى وزارات السيادة، وهي وزارات الخارجية، والداخلية، والدفاع.
المجموعة الثانية، وزارات الخدمات مثل، التعليم، والصحة، والنقل، والاشغال، والاعلام، والثقافة وما الى ذلك.
المجموعة الثالثة، هي الوزارات الفنية، مثل الري، والكهرباء، والاتصالات، والنفط، وما شابه.
أما المفوضيات فهي، مفوضية الاستفتاء والانتخابات والاستشارات الشعبية، ثم مفوضية حقوق الانسان، والمفوضية الثالثة، هي «مفوضية نهر النيل».
ذلك هو الوضع الطبيعي في بلد، يعرف تاريخه واحتياجاته، لكنه يسعى طبقاً لاتفاقية ذات طابع دولي (نيفاشا) أن يحدد جغرافيته.
بيد ان المفاوضات التي جرت، تركت كل ذلك جانباً، واعتمدت منطقاً لا علاقة له بعلم السياسة. منطق يقول «أترك لك النفط، على أن تترك لي الخارجية». وفي مستوى آخر يقول « سنقبل سين وزيراَ إذا قبلت صاد وزيراً». وفي مستوى ثالث تجري المفاوضات على أساس» لابد أن تقبل فلاناً في الوزارة لأنه مقرب من الرئيس، على أن نقبل فلاناً في الحكومة لأنه مقرب من نائب الرئيس «.
وهكذا أصبحت الحكومة في بلادنا وزيعة يتقاسمها، من وصل الى السلطة لانه استعمل السلاح، سواء كان سلاحاً أستعمل ذات يوم في إغلاق الجسور والطرقات، أو سلاحاً أستعمل في الليالي الطوال، في حرب عصابات داخل الغابات والأحراش.
لا احد يتذكر الكفاءات او ابناء الوطن الذين يتوقون الى خدمته بتجرد ونزاهة. هؤلاء كم مهمل، لأن الكفاءات لا تملك أسلحة او دبابات أو راجمات. وبالتالي فإن توسيع دائرة الحكم لتضم كفاءات لا يعدو ان يكون غرغرة مثقفين، لا يفهمون شيئاً، أو حزبيين لاوزن لهم. الحقيقة لا يعرفها إلا من « ناضل» داخل المؤتمر الوطني أو « قاتل» في صفوف الحركة الشعبية. وبناء عليه أصبح المنطق الذي يحكم الأمور مؤداه ، تنازلوا لنا عن السباق الرئاسي، نضمن لكم استفتاءً يحقق لكم مطامحكم في دولتكم المستقلة.
هكذا ستسير الاشياء ، واذا سارت الأمور بهذه الطريقة، فإننا سنجد أنفسنا من جديد أمام حكومة لا تتمتع بقدر كبير من التماسك، وليس لها ما تحققه. حكومة يكون فيها خمسة وزراء خارجية أو داخلية لا يهم، كما كان الشأن مع الحكومة السابقة، أو حكومة يصبح فيها وزراء الدولة هم من بيدهم القرار، والوزراء في اياديهم مفاتيح مكاتبهم وسياراتهم الفارهة.
إذا كان الأمر يتعلق ببناء وطن، على الشريكين ان يدركا أن الأوطان لا يبنيها رجل واحد ولا حفنة أشخاص. وأن الاستقرار السياسي لا يحتاج إلى خيال، بل الى دولة مؤسسات، ومنهجية ديمقراطية تحكم عمل هذه المؤسسات. المؤكد أن الديمقراطية لا تلغي الظلم أو تحقق التنمية، لكنها تساعد على كشف الظلم وتوضح معالم الطريق نحو التنمية المستدامة. وتجعل الناس كل الناس شركاء في صنع القرار، حتى وان قالوا «لا» داخل المؤسسات.
بيد أن الذي يحدث الآن، هو تشويه الحاضر وتعريض المستقبل لمخاطر، وسن الأجيال دفع ثمن ذلك غالياً، كل الاجيال ، جيلاً بعد جيل.
حالياً ماذا يحدث.
ثمة احتجاجات واسعة من طرف فئات مستنيرة، ومثال ذلك ما يحدث في قطاع الصحة. هذه الاحتجاجات تؤكد الهوة الواسعة بين المجتمع في حركيته الطبيعية، وبين السلطة في تعصبها وانغلاقها، حيث لا تجد في كل مرة سوى أن تتعهد بسحق الاحتجاجات. وعلى ضوء ذلك يزداد شعور ناس السودان بالإحباط إزاء النظام، ويظهر شعور متنامٍ بالقلق من طريقة معالجة مشاكلهم وطموحاتهم. خاصة عندما يلاحظون أن السلطة لا تكف عن كيل الانتقادات الظالمة لكل حركة احتجاجية، بل تعمد الى تشويهها وقمعها.
تعيش بلادنا خلال هذه الفترة أزمات كثيرة، وتناقاضات معقدة. لكن علينا ان ندرك أن هذه التناقضات أكبر من أن تحل بالقتال والبنادق. واهمون من يعتقدون أن السلاح يمكن أن يحل مشكل. الحروب لا تحل المشاكل المجتمعية أو المظالم، وانما التطور التاريخي وحده هو الكفيل بذلك. صراعات التاريخ لا يمكن فضها بالحيل السياسية، ولا بأسلوب الصدمات واستعمال الشدة، ولا بالأوهام التي يستمدها فلان أو فلان من أبهة منصبه.
السودان في هذه المرحلة الفاصلة في تاريخه، لا يمكن أن يحكم باسلوب « السلطة لنا لا لغيرنا». السودانيون الحقيقيون هم اولئك الذين يدركون أن كل ابناء الوطن يحبونه، وأن تصوراً رشيداً للمستقبل، يقتضي مشاركة لا تقصي احداً .
أقول للحاكمين جربوا ولو لمرة الانفتاح على جميع القوى السياسية، والكفاءات الوطنية، ولنحتكم بعدها الى النتيجة. الانفتاح من موقع السلطة ليس ضعفاً، بل لعله الوطنية في أعلى مراتبها.
ليس كل من يقول رأياً مخالفاً « متآمراً «أو له «أجندة خفية». السياسة قطعاً ليست هي « فن المناورة».
على هؤلاء الذين بيدهم مقاليد الأمور في بلادنا أن يدركوا، أنه لولا الخوف لما كان أمر، لولا التوهم لما كانت هيبة، لولا الطموح لما كان سلطان. وعليهم أن يدركوا أيضاً مغزى الحكمة التي تقول «كلما تغيرت الأمور أستقرت». عليهم أن يدركوا كذلك أن السياسة بئيسة عندنا لأنها شمولية.
ليتهم يدركون، لعلهم يتبصرون.

الأحداث


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1124

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طلحة جبريل
طلحة جبريل

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة