زول من الزمن الجميل..!!
04-25-2013 09:28 AM




** في شتاء عام ما - وكانت لغة الضاد عصية على ألسنتنا وذات وقع ثقيل على آذاننا، ولذلك يلزمنا ناظر المتوسطة على تعلمها ويعاقبنا بالجلد أو بالوقوف في وضع الإنتباه ساعة في ساحة الطابور حين نتفوه بمفردة نوبية في فناء المدرسة - بعثرت شنطة شقيقي الأكبر طالب الثانوي حين عاد من الداخلية ذات خميس، وكانت الشنطة محض صفيحتين باعها التاجر للحداد بعد بيع ما فيها من (جبنة أو زيت أو طحنية)، ويقرنهما الحداد - بالبرشام - ثم يصنع لهما من صفيحة أخرى أو قطعة برميل غطاءً، فتصبح (شنطة طلاب الريف)..مساء كل جمعة، الأمهات يفرشن قاع شنط الصفيح بالجرائد، ويضعن في إحداها (الملابس والكتب) وفي الأخرى (التمر والقرقوش)، ثم يودعن الأبناء قبيل آذان فجر السبت بساعة ليلحقوا المعدية أو المراكب ثم (طابور الصباح)..!!

** بعثرت شنطة الشقيق، ووجدت شريط كاسيت أغبش اللون ومتآكل الأطراف..أغلقت الغرفة، ثم تدثرت بالبطانية بعد أن حضنت جهاز التسجيل و أدرته بصوت هامس، فالمساء - بأمر ست الحبايب - للنوم أو للمذاكرة وليس لإستماع الغناء .. لم يصدر الكاسيت الأغبش غناءً، أو كما ظننت ، بل أصدر(كلام غريب)..من شاكلة:(هوي يا وليد : حصل سادرت بالديداب وقدامك مراحك وراكب الخباب؟/ ودربك طولو يملأ العين، سحاب وغبار ومويتو سراب؟، وهوى كرباجك البكاي يبكي على ضهور الضمر الأنجاب؟، وتسري الليل وما تضوق هجدة لو كل النجم ما غاب؟)..يا ساتر، ما هذا الحكي الغريب؟، وهل لهذا النوع من الحكي يقودنا ناظر المدرسة بالجلد والوقوف في وضع الإنتباه عندما نعجز عن ترجمة مفردة نوبية إلى العربية؟..لم أفهم بيتاً في تلك الليلة، ومع ذلك أكملت الكاسيت الأغبش إستماعاً، فالعقل الباطني كان يستمتع بشئ ما مغلف بمفردات( الحكي الغريب )..!!

** لم يعد أخى إلى داخليته بالكاسيت الذي أحببته، بل تركه محذراً ( ما إجي إلقاك سجلت فيه حفلات الحلة ولا ونسة ناس البيت)،أوهكذا كنت أفعل بأشرطته، فيغضب وينصح..لم يعد بالكاسيت الأغبش، ولم تفارقني أشعار ود بادي إلى يومنا هذا.. تجاوزت المتوسطة بحفظ النص، ولكن في ثانوية المرين كان أستاذي إبراهيم خلف الله، الله يطراه بالخير، مشرفاً على إصداراتنا الحائطية وليالينا الثقافية، وحريصاً على إستماع وتوثيق : ( رسالة بت الخير، هوي ياوليد، جزيرة عبد إله، جدي سعيد ولد بادي العكودابي، شيخنا ود الشايقي، سباحة في حي العمارات، و..و..)، وغيرها من روائع الكاسيت الأغبش، وكنت إستمتع بشرح أستاذ ابراهيم للنصوص العميقة وإستمتع برسمه في مخيلتنا لمشاهد القرى والوديان والقطعان والفرسان وكل القيم التي في النصوص، وكذلك إستمتع بتصفيق الزملاء ب (فصل علي) ..!!

** كبرنا، وتلوثنا بالبؤس المسمى بالهم العام، وصار الجميل ود بادي صديقاً، ولكن - للأسف - لم يعد في واقع حالنا غير خاطر يحمل ذاك السودان الجميل والموثق - نصاً ورسماً - في ( أشعار ود بادي)..يتصل من منفاه، إجباري بما يشبه الإختياري، ويبتدر قبل السلام : ( واا ماساتي ياود ساتي، ياما سوطنا فيها سواطي)، ونضحك ونحكي، ثم يبكي الحال من ذات النصوص : (حليل الدانقة والديوان/ حليل النافق اموالو، وتدى يمينو وما تعرف حسابو شمال خليك من يعرفوا فلان / ده كلو فضيلة فى الاجداد ابت ما تبقى فى الاحفاد، ومسكت فى النعوش الطاهرة واندفنت مع الجثمان/ وكل مكارم العابرين معاهم راقدة فى شبرين، وبقت امجادنا كانوا زمان و..كانوا زمان)، ثم يعد بالعودة إلى الخرطوم قريباً..فيأتي، ويكون قد صار الموعد القريب بعيداً، فالتزم بالرجاء : (عليك الله يا ود ساتي م اتخرب لي إجازتي بجرائدكم وتلفزيوناتكم وخرطومكم دي)، ليقضي بضعة أيام الإجازة ما بين غبش المدائن والأرياف ثم يتسرب من بينهم بهدوء ويعود إلى منفاه..هكذا ود بادي( إنساناً وشعراً)، كان ولايزال يمثل رمزاً للسودان الجميل الذي مضى ثم للسودان الجميل المرتجى..وعليه، شكراً لشركة زين التي أحسنت الإختيار وأتقنت الإحتفاء ب (زول من الزمن الجميل).. فما الذي أبكى ذاك الشيخ الستيني في المقاعد الخلفية لقاعة الصداقة ؟..حسناً، فلتكن ليلة التكريم وتلك الدموع ( أحرفاً أخرى)..!!

[email protected]



تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 3871

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#647881 [Nazar Zulfo]
0.00/5 (0 صوت)

04-26-2013 06:02 PM
استاذي الطلهر ساتي سلامات. شكرا لك علي هذا الموضوع. فانا من بعض الذين تفتحت بصيرتهم علي شعر الاستاذ الدكتور محمد بادي و سبحان الله لدي شريط كسيت سجلته بنفسي من برنامج صالة العرض الاذاعي ورافقني حتي دخولي الجامعه وانا ان ذاك في الصف السادس البتدائي واذكر فيه قصيدة انا اخت البت اللكعت قرن الخمرة ووصف الخريف والخير والاولاد السابو البلد و الناس الرجعت و اذكر طويرة الاحزان في رثاء اسماعيل حسن. و الزمن الجميل مازلت احفظ هذه القصائد عن ظهر قلب و كم القيتها لاترابي في مدرسة خور عمر. لكن الرجل مواتضع لدرجة البخل فلا تجد له ديوانا ولا حضورا في ساحة الثقافة السودانية التي ينعق فيها البوم ورجل مثل محمد بادي حي يرزق. فبالله عليك ان كنت تعرف له طريقا فاطلب نشر ما نظمه حتي من باب اضعف الايمان في الشبكة العنكبوتية. فانا اكهد ان ينهل ابنائي و يتذوقوا مما شكل جزءا من سودانيتي. ولك الشكر


#647450 [شفاف]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2013 11:20 PM
شكرا ود ساتي ..ممتعة كذلك قصة مقدمتك الجميلة للمقال الرائع هذا ..بالحيل آ جني إي والله


#647319 [التــــــــــــــــــــــــــــائه]
5.00/5 (1 صوت)

04-25-2013 06:23 PM
حلفتك بالذى خلق السماء بلا عمد .. ان تتعرف على الستينى ومالذى ابكاه
كم تالمت لبكاء هذا الرجل وبكيت ..


#647312 [الـــــــــــــــــعزابـى]
5.00/5 (1 صوت)

04-25-2013 06:17 PM
ترك الضيافه فى برج الفاتح من اجل الغبش .. لله درك يارجل ..


#647305 [المجـــــــــــــــــــــــــــــنون]
5.00/5 (1 صوت)

04-25-2013 06:10 PM
وكم سررت عندما تحدث عنك بالاسم وكم حزنت عندما شاهدت الرجل الستينى وهو يمسح دموعه
كان العكودابى شجاعا فى تكريمه وفى شعره وفى ضحكاته . وحقا كان جميلا وسمحا ومازلت اذكر مرثيته
فى الشاعر الراحل اسماعيل حسن
ارمى الدمع فوق الدمعتين ياعين
وبعد الليله حابساها الدموع لى مين
شكرا ساتى شكرا للعكودابى الراجل الضكر


#647075 [abdo]
5.00/5 (1 صوت)

04-25-2013 01:03 PM
انا أخو البت اللكعت قرن الخمره النازه على وردان الصبوه الراكزه
الجنْيات الهازه.. صدورن لازه ورقّا النص زي خيت الشلا
بالحيل آ جني إي والله

***********
الجنيات الحزمو الجبه وعرق الشتوي عليهم نايا و صبا
قول ما دله .. رجالا حصدوا الحبه
عيشون هادو انكال واتعبا
ومنو كتير في الواطا انكبا
وباقي مصوبر واقف قبه
الحمُد آلاف ..
الشّكَر آلاف

العيش الرقد أصناف أصناف
الولد الكال عزام
.. حلاف..
.ضياف
الرزق الجانا مدلا
.. الحلق الجاف اتبلا
بالحيل آ جني إيي والله
********
الوادي الجانا مترقن
مدد جناحو الطايل شرقا وغربا
القبلي بروقو على القلعات اضربن
الدكن البعدن قربن
فوق صنقور المحله الطالت كبن
قول للمحله بيوتك خربن
قول ما دله.. الحلق الجاف اتبلا
بالحيل آ جني إيي والله
**********
مرحاتنا شرابهن يوت ماغبن
شبعانات في الشقل أب شوك ما شبن
الحمل ولدن وربن
حلماتن تقلن.. جرن.. فوق سيقانن كبن
اللبن العاتم في ضرعاتن جبن
المغصة إن كان ضرعاتن خربن
القرعة آ وليد .. السعن آ بنيه
القربة كمان... كبوها المية
المغصة إن كان ضرعاتن خربن
شوفو النعمة السالت فوق قيزان الرمله
ناس البندر لبن الشاي بالعمله

سمح الخمج الفوق أسيادو
سمح العز المن أجدادو
الجنيات المشو ما عادو
كان بالرد أكان اتنادو
غرب حامد وشرق بلة
كانوا بحلبو الضرع الدلا
كانوا بحضرو الخير القدحو معلا
الجنيات ما كفرت بنعمة الله
بالحيل آ جني إي والله
*****
جات في يوم والغيمة تهتف مطرا نقع
فوق نوار الطلح الفقع
ريحة البرم إن جاتك
عطرا فايت خمر الفوق أردافا مجدع
شفنا الوادي يقشقش في دمعات الليل
والتعل الشايل بدا يتفقع

تلب حامد فوق مخلوفة أب زور واتربع
طلق الرسن أب زمة وسوا خبيبا بدع
هود في رقاب الصي
لا قوه ثلاثة زبيدية
خالفين سيقانن فوق السنكيت
ورقاب ألبل بيناتن مرخيه
محجوبات بالخرز الفصلو السوميت
كل واحد درقة وسيف وطبنجيه وباقي جرابن مليان دلميت
الجنيات اتقبلو وضاقو الحاره وضاقو المره وكان حجازن صقر الجو
حامد كان عارفين ضاقوه رجال قبالكن
شوفو أرزاقكم أخير من ضو
حامد عوج الطندب
آ وليدات
عوج الطندب نار القصب الهبلت ما بتعدلو
شوفو شلوخو مطارق رقدن
وكل تلاتة يمين سياف اتقبلو
حبوب القارح ... ما دله
ولدا ما ختالن زلة
شن قولك فيهو عليك الله
بالحيل آ جني اي والله
***********

وين مراتع الدرت الباسط دايما ببكي عليهن
وين بنوت الحلة البكّر عصرا بدري يسون في شاهيهن
بعد الليل ما يهود ونحن نهود.. عاد أماتن ينادن ليهن
نمشي على القيزان نتقادم.. أقيس الخطوة مع التاتاي ومشيهن
والله البعد الحاصل ما نساني
وحاتكن في قمراتنا بشوفو وشيهن
الا النضم أب غنه اللهج السكر وين بلقاهو
بنات الريل الدوب ليهن
الخوف يا ناس كان يبقى الشوق الحاصل بينا معشعش فيهن
مقنع سابل وين بلقاهو
طرفا ذابل وين بلقاهو
وعينا بتدنقر من واليهن
الوجنات الشعن بقن
ود العين النايم زرقن
مو زايغ رسيان وميقن
زولن كان خدران ومحقن
منّ الشوفه عروقو يطقن
كان الدنيا ب صح تتخلا
كان بركنا معاهن في رملاة الحله
الا كمان بنشوفا مذلة
الجنيات الغابت جابت
إنت الجيب ؟ بس قايلو قميص افرنجي ؟ وكرتونات كرملة ؟!
لا لا وحاتك حاشا وكلا
ديل يوم عادوا اتلافو الجاهل بحقوق الله
ديل كم لحقو البشهق ضايق وداوو العله
الولد الجاي حقايب سفرو تقال
.تقال من جنس كتاب ومجله


الحكمة النضم إياهو الكان.. الحكمة الولد اتوضا وصلى
عادة البلد الدخلت فيهم سكنت . سكنت ما ب تتخلا

نحن كمان طارين الحله ودرنا الطله
نشيلا معاهم فرح وميته
حلاة الموت كان في عبدلّه
حلاة الموت كان في عبدلّه


#647023 [الكومندان]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2013 12:21 PM
ياسلام عليك ياأستاذي الكبير و الرائع ،،، والله ذكرتنا الأيام الجميلة وصدق من قال الإنسان إبن بيئته ،،الحاجات دي مابتتنسي مهما أغتربتا وهاجرتا من المنطقة ومع كل الهموم الحاصلة دي تلقا الواحد ما بينسى طفولتو وبيئتو وأرض أجدادو وبيحن ليها ويتذكرها أو بالأصح ما بتغيب من ذهنو ويفضل على طول يمني نفسه بعودة ذلك الزمن الجميل ،،وكما قال الشاعر بالنوبيه ( أندا دنقلا إكا أي جلري )


الطاهر ساتي
الطاهر ساتي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة