المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
درعا المالكي وعين رمانته: متى يتعظ المتجبرون؟
درعا المالكي وعين رمانته: متى يتعظ المتجبرون؟
04-26-2013 10:10 AM

(1) أبريل هو أقسى الشهور، كما ذكرنا تي إس إليوت في رائعته 'الأرض اليباب'، وليس فقط في بريطانيا حيث تحول ربيعه شتاءً هذا العام. ففي الثالث عشر منه تذكر الناس اشتعال الحرب الأهلية في لبنان، بدءاً من حادثة عين الرمانة الشهيرة التي شهدت الاعتداء على باص ينقل فلسطينيين وقُتل ثلاثون منهم في عام 1975. ولعلنا بعد حين سنذكر أمس الأول، الثالث والعشرين من أبريل ومعه اسم بلدة أخرى: الحويجة، كبداية لتاريخ دموي جديد افتتحته قوات المالكي باقتحامها ساحة اعتصام مدني قتلت فيها من قتلت. وكان هذا يكفي، كما في لبنان عام 1975، لتفجير برميل البارود المتأهب.

(2)
في نيساننا هذا، كما في سابقه، تصدرت المشهد ميليشيات طائفية، تزعم من جهة أنها تدافع عن الوطن ضد الاجانب، وتحتمي في نفس الوقت بالأجانب ضد الوطن. في لبنان فرنجية والجميل في العهد الغابر، كما في عراق المالكي اليوم، أثارت الشوفينية من جانب مخاوف الطائفة من مخاطر وجودية عليها وعلى الوطن، واستقوت من جانب آخر بدعم خارجي ونعرة شوفينية فاشية من جانب آخر. وهكذا سمعنا عن 'سيناريو سوري' يخطط للعراق، متناسين أن السيناريو السوري بدأ بالعدوان على المتظاهرين المسالمين في بلدة درعا، تماماً كما حدث في الحويجة.

(3)
الميليشيات التي استدرجت الطائفة المارونية إلى محرقة الحرب الأهلية كانت وقتها منتشية بزهو الشوفينية وطموحات الهيمنة الكاملة، ولكن الأمر انتهى بالجميع إلى أسوأ مصير ممكن. آل فرنجية الذين تولوا كبر المواجهة، انتهى الأمر ببعضهم قتلى بيد حلفائهم، وبالباقين أزلاماً لسورية الأسد التي يكرهون، وهو شر مصير لدعاة الشوفينية. ولم يكن البقية أفضل شأناً: فالبعض تنقل من الاستزلام لإسرائيل للتشرد أو السجن، والآخر تنقل منه إلى عبودية كاملة لمخابرات سورية، حتى أن البعض رضي بدور صبي لنقل المتفجرات نيابة عنها. ويا لها من مأساة أن يقاتل البعض ويبذل التضحيات، ويسفك الدماء ويخرب البلاد، من أجل أن يصبح عبداً في وطنه بعد أن كان سيداً.

(4)
إذا سارت الأمور كما تشتهي سفن الشوفينيين الجدد في العراق، فلن يكون المصير مختلفا. سيتمزق العراق إلى كانتونات ودويلات، وسيقع تحت هيمنة دول الجوار، وينتهي الأمر بمن أشعلوا الحرب كما حدث لاشياعهم من قبل، أن يصبحوا عمالاً في بلاط كسرى فارس، يؤمرون فيطاعون، ويندبون فيخدمون. هذا إذا كانوا محظوظين بالطبع، ولم تلتهمهم النيران التي أشعلوا، وإذا لم تنتقل نيران الصراع إلى إيران المحاربة دولياً والممزقة داخلياً بعد 'ربيعها' المجهض في ثورتها الخضراء عام 2009، ثم بعد الخلاف الحاد داخل المعسكر المحافظ بين أنصار أحمدي نجاد وأنصار المرشد.

(5)
ليس من الضروري أن تشتعل الحرب الطائفية في العراق إذا سادت الحكمة وتراجعت النخبة الشوفينية المحيطة بالمالكي عن المنهج الذي جربه من قبل ميلوسوفيتش في صربيا وفرنجية في لبنان وغيرهم فلم يحصدوا إلا الدمار والندامة. ولم يعد مناص من رحيل المالكي بعد أن حول ما كان يجب أن يكون احتفالاً بالانسحاب الأمريكي من العراق إلى كارثة وانقسام عراقي وعودة إلى دكتاتورية جعلت بعض العراقيين يترحمون على صدام والاحتلال معاً.

(6)
في وقت سابق من هذا الشهر، حضرت جانباً من مؤتمر نظمه في الدوحة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول مرور عشرة أعوام على غزو العراق. وقد شهد المؤتمر، الذي غلب على الحضور فيه المعارضون للغزو والاحتلال، مشادات حادة بين من قبلوا المشاركة في العملية السياسية ومن ظلوا خارجها. وقد طالب بعض الحضور نائب الرئيس المنفي طارق الهاشمي بالاعتذار عن مشاركته في العملية السياسية. وهذا دليل آخر على الضربة القاصمة التي وجهها المالكي لقوى الاعتدال في العراق حين غدر بشركائه في العملية السياسية في سعيه المحموم والإجرامي للانفراد بالسلطة وتصفية الحسابات الطائفية.

(7)
مؤتمر الدوحة كشف أيضاً عمق الأزمة العراقية وزيادة حدة الاستقطاب السياسي فيه. وكنا قد كررنا مراراً في حواراتنا مع الإخوة العراقيين أن الاحتلال وتعاظم النفوذ الإيراني وغيرها من مظاهر تغول الخارج هي نتيجة لخلافات العراقيين واقتتالهم، وليست سببها كما يروج البعض. وها نحن نرى نتائج محاولة فرض الأحادية الطائفية لوراثة المحتل الأمريكي قد دفعت بالبلاد إلى حافة حرب لن تبقي أو تذر.
(8)
في حوارات جانبية على هامش المؤتمر وجه لي بعض الإخوة العراقيين انتقادات مريرة، لأنني كما قالوا أكثر من لوم نظام صدام على ما آل إليه حال العراق، وقال قائلهم: ها هي الديمقراطية التي ظللت تنادي بها، فلتسعد بثمارها! كان ردي بأنني لا أعتذر عن انتقاد الطغيان الدموي حتى لو جلب الخير كل الخير للبلاد، فكيف لو أدى إلى احتلالها وخرابها؟ وعلى كل فإن ما يشهده العراق اليوم ليس ديمقراطية وإنما هو طغيان من نوع جديد، يتبع نفس الوسائل الصدامية للبقاء في الحكم. ولكن حتى لو سلمنا بأن النظام السابق كان أفضل، فأين هو اليوم ليدافع عن العراق وينصف السنة؟

(9)
ما يحتاجه العراق اليوم ليس تطرفاً سنياً مضاداً يداوي شوفينية المالكي وطائفيته بالتي كانت هي الداء، ولا حنيناً لأيام صدام الذي فعل بالسنة ما لام عليه امرؤ القيس والده: أضاعه صغيراً وحمله ثأره كبيراً. فقد أضاع صدام السنة وقمعهم وهو في السلطة، وحمل بعضهم آثام نظامه بعد رحيله. ولكن المطلوب هو تضافر قوى الاعتدال في العراق لعزل الطائفيين وأنصار الدكتاتورية حتى يعيش العراق في حرية وسلام وقوة ورفاهية.

(10)
البداية تكون برحيل المالكي الذي أشرف على إعدام الرئيس السابق، في مخالفات قانونية ودستورية (حتى لا نقول أخلاقية) توجب بدورها محاكمته. وكانت تهمة صدام أنه أعدم بضع عشرات من المتهمين في محاولة اغتياله. الآن، وخلال يومين فقط، قتل المالكي وبدون محاكمة حتى ولو كانت صورية - أعداداً مماثلة من متظاهرين سلميين لم يتهمهم حتى هو باغتيال أحد. وما نأمله هو أن يتم تدارك هذه الأزمة قبل أن نشهد وقائع إعدام زعيم عراقي آخر يلحق بسلسلة طويلة من نوري السعيد وعبدالكريم قاسم إلى صدام. فقد نال العراق كفايته من الدماء. فارحموه ـ وارحمونا- يرحمكم الله.

القدس العربي


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2388

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#648689 [مدحت عروة]
4.08/5 (11 صوت)

04-27-2013 04:14 PM
ياجماعة عراق شنو وسورية شنو ومصر شنو وتونس شنو؟؟؟؟
ما تخلونا فى سوداننا ده احسن لينا لانه ياتى اولا وثانيا وثالثا وللمرة المليون ولانه هو مستقبلنا ومستقبل اولادنا واحفادنا!!!
واخير ليكم سودان مدنى ديمقراطى يسود فيه القانون وفصل السلطات والحريات ونربط كفاحنا مع الدول المتطورة تكنولوجيا ويكون همنا المنتج والمصدر السودانى اولا واخيرا واذا كان فى مستثمرين اجانب مافى مانع من الفايدة للطرفين!!!
نتعاون مع جميع الدول والشعوب لما فيه مصلحة بلادنا والمصلحة المشتركة!!!
اول خطوة لذلك هى فى اسقاط هذا النظام الاخوانى القبيح لجمع شتات الوطن وتطويره!!!
اوعكم تباروا الاعراب فى النظم السياسية والا ح تودوا السودان فى ستين داهية!!!
باروا الديمقراطيات المتطورة وبنكهة سودانية واصلا ما عندنا مشكلة فى ديننا الوسطى السمح الذى خربه الاسلامويون وخربوا معه الوطن الله لا تبارك فيهم فردا فردا وبدون فرز مؤتمر وطنى ولا شعبى عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين فردا فردا!!!!!


ردود على مدحت عروة
Russian Federation [مواطن] 04-27-2013 09:15 PM
الجبهة الثورية تحتل أم روابة وفي طريقها الى الخرطوم حسب البيان الذي تم اعلانه ...
الشعب عجز عن القيام بانتفاضة شعبية تقتلع المتأسلمين فالخيار الوحيد الآن هو الجبهة
الثورية ... ما رأيك أخي مدحت عروة ... لقد طال صبرنا على الكيزان الأوغاد !


#648097 [مواطن]
4.10/5 (8 صوت)

04-27-2013 01:24 AM
نوري المالكي ليس زعيما وليس عراقيا بل فارسي الأصل والهوى كما أنت فارسي الهوى !


#648095 [مواطن]
4.09/5 (9 صوت)

04-27-2013 01:20 AM
ليس بعض العراقيين الذين يترحمون على الشهيد صدام حسين بل كل العراقيين والعرب ...
الآن البعثيون يقودون مقاومة شرسة ضد الفرس وعميلهم المالكي الذي أوشكت نهاية حكمه
وارجاع العراق الى سابق عهده البلد الجميل القوي الغير طائفي .....


#647898 [دقنة]
4.13/5 (9 صوت)

04-26-2013 06:33 PM
إنترناشونال قال ليك يافرده !!! نفسي ومنى عيني أعرف بس إنت عملت شنو وخلاك تكب الزوغة قدر ده !!! لكن أمانة ما إتهرشتا هرش السنين


#647858 [واحد]
4.13/5 (8 صوت)

04-26-2013 05:18 PM
الزلمه سوداني !!!!!1
خلاص قضايانا كملت وبقينا نحلحل في قضايا ناس راغب علامه !!! استلاب عينه


ردود على واحد
Russian Federation [البهلول] 04-26-2013 09:47 PM
يا واحد !!! قبل ان تستعجل بالتعليق عليك ان تعلم ان دكتور الافندي يكتب في صحيفة عالمية وهي القدس العربي التي تصدر في لندن ،، و كتاباته ليست حصرا على السودان ،، فإذا كان موضوع المقال بعيد عن الشأن السوداني ،، فاسأل سكرتارية تحرير الراكوبة التي نشرته.

Russian Federation [كرتوب] 04-26-2013 08:53 PM
الراجل كاتب المقال لصحيفة القدس العربي ناس الراكوبة نزلوهو لينا


#647799 [المتجهجه بسبب الانفصال]
4.16/5 (7 صوت)

04-26-2013 03:27 PM
فقد أضاع صدام السنة وقمعهم وهو في السلطة، وحمل بعضهم آثام نظامه بعد رحيله.

والمشهد السوداني يشبه العبارة اعلاه،، فالانقاذيون بحماقتهم وعنصريتهم البوا الهامش على ما يسمى بالشمال وكثيرون من أهل الشمال أول من ذاقوا ويلات الانقاذ تشريدا وتهجيرا الى الخارج وقتلاً ثم اتجهوا الى الهامش بحرب مسلحة والآن ما يسمى بالشماليون يحملون آثام الانقاذ من غير جريرة سوى المكان ،، إلا أن يخرج عاقلون من المركز والهامش لتأسيس سودان مبني على دولة المواطنة والمساواة والعلم // وربنا يوفقك يا عرمان مع بقية ثوار الهامش لتضعوا حدا لمهزلة السودان القديم ولا تنسوا تجربة المالكي هذه اذا شاء القدر زوال الانقاذ،،،


#647652 [مجدي دارفوري]
4.10/5 (8 صوت)

04-26-2013 10:59 AM
مقال ثري


د. عبدالوهاب الأفندي
د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة