المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مولانا يطلق صافِرات الإنذار المبكِّر
مولانا يطلق صافِرات الإنذار المبكِّر
11-24-2010 12:13 PM

مولانا يطلق صافِرات الإنذار المبكِّر

في الذكرى السنوية

د. أسامة خليل:

لم تكن رسائل مولانا السيد محمد عثمان الميرغني التي يلقيها في المناسبات الجماهيرية العامة واللقاءات الخاصة مع القيادات السياسية والكيانات الدينية والاجتماعية محض أقوال تُلقى في الفضاء الطلق، وإنَّما هي استلهامٌ للحقائق الموضوعية وقراءة منطقية لمآلات الأمور التي تغييب عن وعي بعض القادة السياسيين والإعلاميين الذين يحاولون تغبيش الرؤية من خلال المباخر التي يطوفون بها حول معبدهم المتخيل.
وفي إشارة لا تخفى على الكثيرين في الذكرى السنوية، شدَّد مولانا على التمسك بوصية السيد علي بالنظر في الاتجاهات الستة، لأنَّ الأوضاع إذا سارت على هذا النحو قد تفضي إلى الفوضى والهَوَلْ، واستشهد في ذلك بحديث وفـد السَّادة الأهدلية ــ أشراف اليمن ــ وهم خؤول السيد محمد عثمان تاج السر الميرغني في زيارتهم إلى صاحب السيادة بمدينة جَدِّه المصطفى عليه أفضل الصلوات وأتمِّ التسليم، حين تطرقوا إلى أحداث اليمن في عهد الإمام أحمد عندما «جرت محاولة اغتياله في صنعاء وأُطلق عليه الرصاص فسقط متماوتاً، وبعد أن أجهزوا على الجناة نَهْضَ، فأباح صنعاء سبعة أيام، ماذا حدث بعد ذلك؟ يوم الهَوَلْ ــ هذا تعبير المتحدث ــ يدخلون داره، يأخذون ماله، يهتكون عرضه ثم يقتلونه»، وتمنى مولانا ألا يحدث هذا في السودان.
ولكن أنَّى ذلك والاختلاف على أشدَّه بين الفرقاء السياسيين متلازماً مع الاستراتيجية الأمريكية التي ترمي بثقلها لإحداث الفوضى الخلاقة ــ بحسب رؤيتهم ــ التي تبدأ «بفصل الجنوب ثم تحريك الجنائية تجاه رئيس الجمهورية، وبعد ذلك تَعُمْ الفوضى والهَوَلْ» كما ذكر مولانا في خطابه، ثم أردف القول «العاقل من اتعظ بغيره.. وأنا اعتبر هذا إنذارا مبكرا». ولذلك لا بد من معالجة القضية من جذورها كما يرى مولانا، فالطبيب الحاذق لا يعمد إلى المسكنات فحسب، بل يصف الدواء الناجع ولكن:
ماذا يفيـدُ الصوتُ مرتفعاً
إن لم يكنْ للصوتِ ثَمَّ صَدَى
والنُّـوُر منبثقـاً ومنتشراً
إن لم يكـن للناس فيه هُدَى
ونعلم يقيناًَ أن تحذيرات مولانا من تكرار سيناريوهات الأحداث التي جرت تفاعلاتها في اليمن الشقيق في وقت سابق، تنطلق من دوره الديني والوطني والواجب الملقى على عاتقه، فالرائد لا يكذب أهله، لأنَّ الوطن أصبح في مفترق الطرق، ولا يتأتي الخروج من هذه الهوة السحيقة إلا من خلال دعوة مولانا إلى لمِّ الشمل والمشاركة في الرأي بعيداً عن الثنائيات، والتوافق بين الفرقاء السياسيين من خلال وفاق وطني شامل ــ لا يستثني أحداًــ ويجب التناصح فالدين النصيحة، لذلك وجَّه مولانا رسالته بصفة خاصة وصريحة إلى طرفي الاتفاقية «لتحكيم صوت العقل وتغليب مصلحة الوطن والمواطنين على الكيانات والأحزاب والذوات، وأن يشركا أهل الحلِّ والعقد للخروج من هذا المأزق بإيجاد طريقٍ ثالثٍ بعيداً عن مطرقة الانفصال وسندان النكوص عن المواثيق والعهود» وألا تكون هناك مشاحنات أو ضغائن لا في جوبا ولا في الخرطوم.
فالنظرة الثاقبة لمولانا في استشعار الخطر القادم وقبل التوقيع النهائي على اتفاقية نيفاشا حدا بصاحب السيادة أن يخاطب طرفي الاتفاقية بأنه لم يأتِ إلى نيفاشا بحثاً عن مقعدٍ ثالثٍ للتجمع الوطني الديمقراطي ولا للحزب الاتحادي الديمقراطي ولا لشخصه، ولا مانع لديه في التوصل إلى اتفاق لوقف الاحتراب بين أبناء الوطن؛ ولكن يجب مشاركة الشعب السوداني ممثلة في أهلِ الحلِّ والعقد والقيادات السياسية والكيانات الدينية والاجتماعية؛ لأنَّ حاضر ومستقبل البلاد يجب أن يكون توافقاً بين جماهير الشعب السوداني على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعقدية والعِرقية. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السَفِنُ، وتتحول الاتفاقية إلى شراكة بين حزبين، تركا ما توافق عليه الجميع وذهبا قدماً في ما تواضعا عليه إلى المشهد السياسي لأداءِ مباراة تكتيكية بدرجة امتياز، حسمت نتيجتها سلفاً في نيفاشا.
إنَّ تدخل مولانا المباشر لتوحيد الرؤى حول القضايا الوطنية يأتي على خلفية تواصله مع الكيانات السياسية، لإرساء دعائم السلام والاستقرار في الوطن، منذ اتفاقية الميرغني قرنق في 16 نوفمبر 1988م، والعالم بأجمعه يجلس على مقاعد المتفرجين يترقب اللحظات المصيرية لتوقيع الاتفاق عندما أمسك مولانا بالقلم وهو يصوب بصره نحو الكولينيل جون قرنق ورفاقه، قال: بسم الله أوقع لإعلاء كلمة الله، ففي ظل السَّلام تعلو كلمةُ الحقِّ، بسم الله أوقِّع حَقْنَاً للدماء، ووقفاً للحرب والدمار وحفاظاً على وحدة السودان. ثم نظر إلى مشروع الاتفاق الذي وضع داخل غلاف «أخضر» ووقَّع عليه. وقد تضمنت الاتفاقية نصاً صريحاً على وحدة السودان تراباً وشعباً. وفي ندوة بمركز الخاتم عدلان نقلاً عن «الجريدة» بتاريخ 14/11/2010م، ذكر أتيم قرنق نائب رئيس المجلس الوطني «أنَّ الصادق المهدي أغلق الطريق أمام اتفاقية السلام السودانية المعروفة باتفاقية الميرغني قرنق التي لم تحمل حق تقرير المصير ويتحمل وِزْرَ ما نحنُ فيه».
وحدث بالفعل ما لم يكن في الحسبان، حيث كان لبعض قادة الأحزاب رأي آخر، فلنترك الحديث لقلم الدكتور منصور خالد في كتابه «النخبة السودانية وإدمان الفشل» في جزئه الثاني لينقل لنا غيضاً من فيض المحاولات التي جرت لإجهاض الاتفاقية في مهدها فيقول «شيء واحد استبدعه الناس يوم ذلك الحدث العظيم، اغفال أجهزة الإعلام المرئي لذلك الحدث المهم، في الوقت الذي كان فيه هو الخبر الأول في محطة الإذاعة البريطانية، وإذاعة صوت أمريكا، وراديو مونت كارلو، وإذاعات أديس أبابا ونيروبي وكمبالا. حسِبَ الناس أن وراء الأكمة ما وراءها، وما وراءها هو موقف رئيس الوزراء المحيِّر من الاتفاق. خرج رئيس الوزراء على الناس بحديث مفاده بأنه يقبل الاتفاق مبدئياً إلا أنه يريد أن يفاوض بنفسه في جزيئياته، هنا استبدَّت بالناس الظنون فأخذوا يبحثون عن تفسيرات لهذا الموقف المربِك».
ونسي الفرقاء أن المبادرة ليست مبادرة الاتحادي الديمقراطي فحسب، إنَّما هي مبادرة السودان كله ولصالح السودان، وفي الوقت نفسه كانت فرصة قدمها مولانا على طبق من ذهب للسيد رئيس الوزراء باعتباره رأس الجهاز التنفيذي بحسب تراتبية النظام البرلماني في الحكومات الديموقراطية. وتواصلت فصول المسرحية بإجهاض المبادرة في 14 ديسمبر 1988م، وسقوط اقتراح الاتحادي بقبول مبادرة السلام بكاملها ونال 78 صوتاً، مقابل 136 صوتاً، من خلال التنسيق الذي كان يحدث من وراء الكواليس بين نواب الجبهة الإسلامية ونواب حزب الأمة، وعلى إثر ذلك خرج الحزب الاتحادي الديمقراطي من الحكومة، ليصبح ائتلافاً بين الأمة والجبهة الإسلامية، ولكن لم يدم شهر العسل طويلاً بين الحزبين.
ومن هنا بدأ الشارع السوداني يشعر بالضيق والتوتر والترقب، وفواصل الصيف تبرق في سماءِ السياسة السودانية إيذاناً باقتراب موسم الصيف الساخن، فلم يَعُدْ في الوقت متسع للبكاء على اللبن المسكوب، وبدأت فصول المشهد القادم تتشكل في الأفق بدخول الجيش طرفاً في المعادلة السياسية، وتوجيه الأحداث من خلال المذكرة المشهورة، وتوالت الأحداث عاصفة بعد ذلك التي مازلنا نعيش تداعياتها إلى يومنا هذا.
ولكن مولانا بحكمته يبدأ صفحة جديدة ويضرب صفحاً عن كل ما أنجزه للوطن، لم يثنه عن ذلك كيد الكائدين وتخذيل المخذلين، فالأولوية عنده المصلحة العامة والهم القومي على ما سواه، فكان يبرز تسامح الإسلام ويضرب المثل في الاقتداء بالأثر النبوي الشريف لجَدِّه المصطفى عليه أفضل الصلوات وأتمِّ التسليم.
ويذكر مولانا ــ في خطابه ــ موقفاً له دلالاته عند الكثيرين الذين يرون الإسلام عقبة كأداء في سبيل التوحد بين شطري البلاد، قائلاً «زرنا أنا والخليفة عثمان ود بدر، المصطفى صلى الله عليه وسلم في منتصف الليل، وبعد الزيارة قلت للخليفة: إنَّ الدكتور جون قرنق يريد أن يترشح في الحاج يوسف، فقال الخليفة عثمان: أبلغه أن يترشح في أم ضواً بان وسنفوزه»، وعندما نقل مولانا ما دار من حديث لقرنق، قال: «التعصب دا وين في السودان مافيش!، وأخذ يبشر بهذه المبادئ في المحافل الدولية والمناسبات العامة، ويعلق مولانا «هكذا يتعامل السودانيون مع الأحداث ومع الأمور بهذه الصورة»، فالإمام علي ــ كرم الله وجهه ــ يقول«الناس: إما إخوانكم في الدين أو نظراؤكم في الإنسانية»، وكما يقول فرحات:
فيمَ التقاطعُ والأوطانُ تجمعنا؟
قمْ نغسلَ القلبَ مما فيهِ مِنْ وَضْرِ
ما دمتُ محترماً حقِّي فأنتَ أَخي
آمنتَ باللهِ أم آمنـت بالحجرِ!
ومما لا شك فيه أنَّ الدعوات الإيجابية البعيدة عن الاستغلال والانعزال السلبي كانت ديدن المتصوفة هذا على غير ما يبثه أعداء التصوف من سموم مغرضة. فهم طلائع البعث الإسلامي في بقاع الدنيا المختلفة وفي السودان على وجه التحديد، وكان لهم أثرٌ لا تخطئه العين في القيم الاجتماعية التي يتسم بها السودانيون مثل روح التسامح والأُثرة والتلقائية المحببة للنفوس دون اعتبار للحواجز التي بنيت على التفاوت الاجتماعي والطبقي بين البشر.
فالسادة المراغنة وهم أقطاب التصوف على مرِّ التاريخ الحديث، ظلوا يبثون هذه القيم بلسان الحال فضلاً عن لسان المقال، وعلى سبيل المثال حينما اشتطَ الأستاذ يحيى الفضلي في خصومته لسيادة مولانا السيد علي الميرغني، وهو صاحب الشعارات التي ترمي الطائفية بكل وبيل، وصادف أن الحزب كان يجتمع لترشيح وزرائه، وبعد أن تمَّ الترشيح أحضروا ورقة الترشيح للسيد علي.. فلم يجد اسم السيد يحيى الفضلي من ضمن الوزراء المرشحين، فذهب السيد محمد عثمان الميرغني إلى الشيخ على عبد الرحمن برسالة واضحة جداً من السيد علي الميرغني بقوله الفصل: لا يجب أن يُضار يحيى الفضلي لموقفه السابق، ويجب أن يكون اسمه على قائمة المرشحين.. وبالفعل هذا ما حدث رواية عن مولانا في حوار له مع جريدة «الوطن»، فالسادة المراغنة لا يتعاملون برود الأفعال والهواجس النفسية، وهم أقطاب التصوف الذي يقوم على تخلية النفس من الأمراض التي تفسد الأعمال. ومواقف الزعيم الأزهري واسترشاده بالزعيم الأكبر تضيق عن الحصر وهو القائل: «لولا الأسد الرابض في حلة خوجلي لما نال السودان استقلاله».
هذه هي المبادئ التي نشأ عليها رواد الحركة الوطنية، لكن الخَلَفْ نظرَ إلى تلك الأقمار تغزلاً فرأوا ببصرهم الأثرْ ولم يلتفتوا ببصِيرتِهم إلى المؤثر، فقد كان السيد علي الميرغني كالشمس للدنيا والعافية للناس. ومن هذا المنطلق نؤكد أن المبادئ الوطنية التي تسري في وجدان الاتحاديين الذين ابتعدوا أو تفرقت بهم السبل، تدعوهم إلى العودة إلى الحزب الأساسي «على خطى أسلافنا الأمجاد، صاحب الذكرى الزعيم الأكبر السيد علي الميرغني والرئيس الخالد إسماعيل الأزهري ورفاقهما الشرفاء، تعالوا إلى لمِّ الشمل ووحدة الصف، فوحدة الوطن وقوته وتماسكه لهي يقيناً في قوة وتماسك حزب الحركة الوطنية وصانع الاستقلال»، في ظل قيادة الرمز الوطني الأصيل.
ولم تكن مساعي السيد محمد عثمان الوفاقية باعتباره رجل السلام والوحدة قد توقفت عند محطة اتفاقية الميرغني ــ قرنق فحسب، بل ظل دأبه وجهده لحل الإشكالات القائمة في الشرق والغرب، حيث يرى مولانا أن هناك جهات تسعى إلى فصل دارفور وبعثرة السودان، ولا سبيل لحل مشكلة دارفور «إلا عبر وفاق وطني شامل وتوطين العدالة وانصاف المظلومين وإزالة الضغائن ورفع المعاناة وإقرار الحقوق لكل من نابه تنقيص أو تجريح».
وظل مولانا على عهده حتى في مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا، حينما رفض ممثل الحزب الاتحادي التوقيع على مبدأ تقرير المصير، هؤلاء هم قادة حزب الحركة الوطنية الذين يتمسكون بمواقفهم في أحلك الظروف، حفاظاً على وحدة الوطن تراباً وشعباً. وتواصلت الجهود الوطنية الصادقة التي قام بها السيد محمد عثمان الميرغني في الوصول إلى اتفاق القاهرة 2005م، بين التجمع الوطني الديمقراطي وحكومة الإنقاذ الوطني استكمالاً للاتفاقيات السابقة، فإذا وجدت الإرادة االسياسية المتجردة في تنفيذ بنودها لجنبت البلاد الاستقطاب الماثل بين القوة السياسية والتدخلات الخارجية.
وما لا يعرفه الكثيرون عن مولانا السيد محمد عثمان الميرغني أكبر من أن تحتمله هذه الصفحات، فهو سفر عظيم ليس من السهل الإحاطة بجوانبه، ونحن في هذا المنعطف الخطير ما بين فَرْث ودمٍ يحاول مولانا أن يخرج هذه البلاد من النفق المظلم ومعياره في ذلك مصلحة الوطن والمواطن، حتى ينعم هذا الشعب بالاستقرار والحرية الرخاء «ولكن لا حياة لمن تنادي!»، فما سار في أمر إلا كان الخير فيه تحفه العناية الإلهية ويكلله السند الخفي و«ما ينبئك مثل خبير»، وبالمثل ما حاد عن دربٍ إلا كان شره مستطيراً والعبرة في ذلك ظاهرةٌ كالشمس في رابعة النهار في مواقف مناوئيه وما يحيقونه من إضرار بأنفسهم قبل الوطن والمواطن، فتدبروا الأمر قبل ضحى الغد.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 951

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أسامة خليل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة