المقالات
منوعات
الحداثة المعطوبة أم وداع الحداثة؟الربيع العربي و "داء الإسلام"-الحلقة الثانية
الحداثة المعطوبة أم وداع الحداثة؟الربيع العربي و "داء الإسلام"-الحلقة الثانية
04-29-2013 10:24 AM

بين بنِّيس و المؤدَّب:

الربط بين "الحداثة المعطوبة" و ترجمة بنيس لأوهام الإسلام السياسي "يُقرأ داء الإسلام،بالاشتراك مع المؤلف عبدالوهاب المؤدب مهم جدا ،من جهة أن بنيس قد استخدم تمييز المؤدب بين "الإسلام الحضاري "و "الإسلام الأصولي" ،و من جهة وجود روابط مشتركة بين الكاتبين مثل عولمة النموذج الأوروبي للحداثة كنموذج إنساني كوني.و أيضا في إن بعضا من "ورثة الحداثة" الذين كانوا يحتلون مشهد ما قبل الربيع العربي،هم من صعدوا إلى الحكم وارثين الحداثة و الربيع العربي معا ،في "ضربة معلم" و ضرب عصفورين بحجر واحد.

نلاحظ أن بنيس يتحدث عن حداثة عربية متوارية،لم تستطع توطين نفسها في مجتمعاتها العربية،و حداثة معطوبة،ربما تشير إلى نماذج "التحديث" المشوّهة التي تستند فقط على إبدال الإنتاج المادي التقليدي بإنتاج حديث.و ذلك يشبه ما أشار إليه هابرماس في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة".فالحداثة الغربية –في سياق آخر-يرى هابرماس أن مشروعها لم يكتمل ،و هو هنا يتحدث عن الخطاب الفلسفي "العقلاني"،مميزا له عن الحداثة الفنية أي Modernism و التي هي عنصر من الحداثة أي Modernity .فالحداثة في الترجمة العربية تشمل Modernism و Modernity .
و هابر ماس أيضا تحدَّث –في محاضرته الأولى-عن نظرية التحديث Modernization التي ظهرت في خمسينيات القرن الماضي محاولة نسج نموذج يفصل الحداثة عن أساليبها و أصولها الأوروبية الحديثة،و يحطِّم الروابط الداخلية بين الحداثة و السياق التاريخي للعقلانية الغربية،ص 2.

و إذا ما كان أن المؤدب يُرجع انحطاط العالمين العربي و الإسلامي إلى داء متأصل هو الأصولية،فإنّ بروز تيارات الإسلام السياسي على المسرح بعد الربيع العربي،يطرح السؤال مرة أخرى إذا ما كان أن العرب سيخرجون من التاريخ مرة أخرى بعدما دخلوه لفترة وجيزة من خلال انتفاضات الربيع العربي.

*عن "داء الإسلام":

يمهِّد المؤدب في مقدمته للطبعة العربية و التي بعنوان "الداء و الدواء"،بحديث عن الوضعية الراهنة للعالم العربي بحسبانها هي الأسوأ في تاريخه.و يضرب مثالا على ذلك يتمثّل في أن المنتوج الوطني الخام المتعلِّق بعموم العالم العربي بما في ذلك دول البترودولار،أضعف مما هو عليه بأسبانيا وحدها.

و يرى أن الإسلام ليس السبب في تلك الوضعية التراجيدية إذ يقول في ص ص 7-8 متسائلا بعد تمهيد "فالعرب جاؤوا بالإسلام إلى العالم،و بقوتهم،متداخلة مع مجهودات أخرى (أسبانية،بربرية،فارسية،بالإضافة إلى مسيحيي مصر و بلاد الشام و ما بين النهرين،ثم الهنود و الأتراك) رفعوا الحضارة إلى أوج لم يبلغه أحد قبلهم.فبأي مصيبة ابتليت هذه المجموعة البشرية،حتى تصبح الهوّة بين الماضي و الحاضر بهذه الدرجة؟

ثم يقول في ص 21 "لا يزال العالم الإسلامي مفجوعا بزوال غلبته".و يرى في ص ص 12-22 "أن انحسار الإسلام كان قد بدأ في القرن الرابع عشر،لكن المسلمين أنفسهم لم يبدأوا بإدراك تأخرهم عن الغرب إلا في أواخر القرن الثامن عشر (مع حملة بونابرت على مصر).ثم يتحدث في ص 22 عن الوضعية الجديدة للمسلم المهزوم و عدم فهمه لسبب انحطاطه قائلا "فالمسلم الذي كان يدِّعي التفوق على الغربي أو التساوي معه على الأقل لم يفهم المسار الذي أوصله إلى هذا الدرك في مواجعة ندِّه الأوروبي،هذا النظير العريق،العدو،الخصم و أحيانا الشريك و حتى الحليف بحسب الظروف أحيانا أخرى.و مذذاك سيتولد لدى العرب كما لدى المسلم شعور ب"الحقد" تجاه الغرب".

يرى المؤدب أن سبب مصيبة و شقاء المسلمين ليس "الأجنبي" أو "الآخر" ،ص 8،كما يدِّعي المسلمون و أيضا العرب.فالسبب في رأيه هو "الأصولية" التي يقول أنها "داء الإسلام".و لتبرير استعماله مصطلح "داء الإسلام" يقول المؤدب في ص 14"لكل كيان داؤه،و هو داء قد يتفشى حتى يتحول إلى وباء يفتك بالضمائر.استعمال "داء الإسلام" وصف لحالة عاشتها أيضا ديانات أخرى كالمسيحية في القرن الثامن عشر و ما قبله.هكذا حلّل فولتير داء التعصب الديني الذي ظل في فرنسا يعيث فسادا".

و يقول المؤدب ص 15 أن كلمة "داء" وردت في كتاب فولتير "رسالة في التسامح" مضافة إلى العقيدة الباطلة".و يقول أن توماس مان الألماني قد تصدى أيضا إلى "الداء الألماني" إلى أن يقول في صفحة 16 "فإذا كان التعصب هو داء الكاثوليكية،و النازية مرض ألمانيا،فمن المؤكد أن الأصولية هي داء الإسلام".ثم يتحدث عن العوامل الخارجية التي ساهمت في ترسيخ "داء الإسلام".و يمكن تلخيص العوامل الخارجية الثلاثة بأنها عدم اعتراف الغرب بالإسلام و محاصرته و تركه في مكان المستبعد،ثم تنكُّر الغرب لمبادئه الخاصة عندما تتطلب مصلحته ذلك،و أخيرا فرض الغرب لهيمنته وفق سياسة الكيلين و المعيارين".

و رغم أنه يقول في ص 16 أن تلك العوامل الخارجية المرتبطة كلها بالغرب "أرست دعائم داء الإسلام و ساهمت في انتشاره،إلا أنه يقول في ص 17 "أما في ما يتعلق بالعوامل الخارجية،فيجدر القول بأنها لم تكن أساس الداء الذي يفتك بجسد الإسلام،لكنها من غير شك كانت العنصر المحفِّز،و بسببها تضاعف هذا الداء.و إذا ما حصل أن زالت هذه الأسباب بأعجوبة ما،فأنا لست واثقا من أن داء الإسلام سيزول،لكن المناخ الملائم لتفتح جراثيمه و انتشارها لن يتوافر كما كان سابقا".

ثم يوضح فرضيته حول داء الإسلام قائلا في ص 17 "لا أقصد مما سبق الجزم بأنه يجب التمييز بين إسلام صحيح و آخر خاطئ".فهو يرى،ضمن عوامل تاريخية كثيرة،أن "تدنِّي المعرفة بالعربية و علوم القرآن" قد أدى "إلى تنامي عدد الجاهلين بطرق استنباط الأحكام و الفتاوى و تزايد عدد من سمحوا لأنفسهم بالمساس بالنص.و كثرة عدد الجُهَّال تغذي الشراسة و تقويِّها".

و يرى المؤدب أن داء الإسلام أي الأصولية هو وارث للفشل."فكمال أتاتورك و بورقيبة،الزعيمان السياسيان المسلمان الأكثر "تغربا"،لم يتمكنا من التخلص من النزعة الاستبدادية التي ورثاها.و باستمرارها تعرقلت عملية الاقتباس عن أوروبا،إذ أفسدت المرجعية الغربية التي لم تقدم في لبوس جذّاب أصلا.و بالعكس،كان التوق غير المجدي إلى الحريات العامة،كما إلى الرفاه الاجتماعي،سببا لخيبات الأمل.و غذّت هاتان التجربتان بدورهما الرواسب المحفورة في الذاكرة السياسية كما في الثقافة،لأن الاقتباس غير المكتمل عن النموذج الغربي يشكل فشلا إضافيا لحق سلسلة حالات الفشل التي أحصيناها على امتداد ما استعرضناه سابقا".ص ص 117-118.

و للتدليل على كيفية نشوء "داء الإسلام"،يورد المؤدب-في ص ص 205-206 مثالا عن شيخ وقور مجاز في العلوم الدينية حين يختلّ عنده التوازن الكيميائي،فحينذاك كما يروي المؤدَّب"لا يعود الشيخ يذكر الآيات المعتدلة المتسامحة الزاخرة بالحنو على الآخر في العقيدة،و يصبح أكثر تأثرا بالجانب الحربي المرعب في القرآن،و يروح يهاجم بقايا الجاهلية و الوثنية التي لا يزال يزدحم بها العصر الحديث.و لو ترك له الحبل على الغارب لبلغ به الأمر تدمير جميع الآثار المتبقية من أصنام أو أطلال لأي عبادة للصور.و في انفعاله كان يمر في الحالة التي دفعت "طالبان" إلى تدمير تمثالي بوذا في باميان كما القطع الأثرية المحفوظة في متحف كابول.و يمكن النظر هذه الشخصية كمجاز يكشف الوجه المزدوج الذي تحمله الرسالة القرآنية و يؤكد أنه يمكن تشخيص داء الإسلام عبر الإنسان المهووس".

و من وجهة النظر تلك أي الجانبين الحربي و المتسامح، وعلاقته بالهوس،يقول المؤدّب في ص 206، إنّ القرآن يبدو "كتابا مشابها للتوراة،كما أعاد اكتشافه فولتير في كتابه "رسالة في التسامح".ففي الديانات التوحيدية جانب قتالي متعصِّب عنيف رهيب،و هذا الجانب هو الذي يحبِّذه الداء.و الداء الذي شخّصه فولتير عند أبناء دينه ينبع أيضا من حالة الهوس".

*أعراض "داء الإسلام":

هنالك ،حسب المؤدب،أعراض كثيرة يتبدّى من خلالها داء الإسلام أي الأصولية.

يتحدث المؤدب عن عَرَض يتمثّل في انقلاب غريب في ما يتعلق بسياسة و اقتصاد الجسد،ص 145،في إشارة إلى اقتراح الأصوليين لمدينة محتشمة،تشنّع على الغرب التعري و الاختلاط بين الجنسين،و يفتخر فيها الأصوليون بالرصانة و التستر،و في ذلك يتجلّى داء الإسلام،يقول المؤدب "هم لا يدركون مطلقا أنهم يفتخرون برموز دائهم بالذات".

و البؤس الفكري واحد من أعراض داء الإسلام.يتتبع المؤدب حفريا عند حسن البنا "رحم المعاداة للغرب الذي جرى التعبير عنه عبر خطاب بدائي يفرض اقتناعاته كأنها من المسلمات" حين كتب حسن البنا عام 1946 "ها هو ذا الغرب يظلم و يجول و يطغى و يحارب و يتخبط فلم يبق إلا أن تمتد يد شرقية قوية يظللها لواء الله و تخفق رأسها راية القرآن و يمدها جند الإيمان القوي المتين فإذا بالدنيا مسلمة هانئة".ثم يعلق على كلام البنا و توظيفه من قبل أشباه المتعلمين في ص 121 "لقد بينا من قبل كم كان طرح ابن عبد الوهاب،ابن القرن الثامن عشر،هزيلا مقارنة مع معلميه في القرون الوسطى.و ها نحن مع هذا النص الذي كتب في عام 1946،إزاء طرح أكثر هزالة،حيث البؤس الفكري يتجذر و لجته تبدو بلا قرار،إن تعميم الخطاب السطحي يبدو مؤشرا إلى البؤس الذي ينمّ عن أحد أعراض داء الإسلام".

و يضيف المؤدب في ص 137 عرضا آخر من أعراض "داء الإسلام" و هو كره الأجانب و العداء للسامية.

و يتحدّث المؤدب عن "داء الإسلام و علاقته بالتهويم،حين ذكر تهويمة حدّثها عنها أناس من مختلف الجنسيات "لبنانيون وسوريون و سودانيون إلخ،و تتعلق تلك التهويمة بتحذير نشر في بعض الصحف المحلية من إقتناء حزامات رخيصة الثمن،صنعت في إسرائيل لكن سجّل على بطاقتها "صنع في تايلاند"،و تلك الحزامات تنشر مرضا مستعصيا كحيلة لإضعاف الجسم العربي.و تعليقا على تلك التهويمة يكتب في ص 139 "تلك هي التهويمات التي تظهر من خلالها أعراض داء الإسلام،بعدما بات الأرض الخصبة القابلة التي تلقّت بكل اغتباط جريمة 11 أيلول-سبتمبر".

*بعض من تجليات "داء الإسلام":

ظهر داء الإسلام،كما يرى المؤدّب مرات عديدة عبر التاريخ.و يذكر تجلِّي ذلك الداء في المغرب في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر على يد دولتي المرابطين و الموحِّدين.يقول ص 206 "لقد نادى المرابطون بمذهب مالكي بسيط لا يسلم من الخشونة،و كانوا في أوّل الأمر أعداء الفنون.فبعد احتلالهم لإشبيلية قاموا بإحراق الآلات الموسيقية و ألقوا مكتبات بأكملها طمعا للنيران،حتى أن مؤلفات الغزالي (1085-1111) لم تنج منها،مع أنه من موقعه الشرقي البعيد كان قد أثنى على أعمالهم الحربية التي أوقفت الزحف المسيحي وأعادت النظام و الوحدة إلى دار الإسلام في الأندلس".

أما المثال الثاني للتجلِّي التاريخي لداء الإسلام فيورده المؤدّب في ص 206 قائلا "أمّا التعصُّب الديني فقد يكون لدى الموحِّدين وراء اقتلاع الوجود المسيحي في إفريقيا.و هو وجود عريق و متجذِّر بمقدار عراقة المسيحية القبطية في مصر أو الوجود المسيحي العربي السرياني و الكلدانية في الشرق الأوسط.لكن يبقى أنّ هذا الجانب نفسه من القرآن هو الذي يعتمد عليه دائما أولئك الذين يجعلون التزمُّت من صميم إسلامهم".

ثم يتحدث عن فبركة نظام الأصوليين في العصر الراهن في ص 118 حين يقول عن حنبلية الأصولية المعاصرة و علاقتها بفشل التطبيق العربي للديمقراطية الغربية قائلا "و حالات الفشل هذه تفتح الطريق أمام المعارضة.و إنه لمن السهل على كارهي الأجانب،المشنعين،أن يفضحوا عيوب النموذج الغربي دون أن يفتحوا أعينهم على الانحراف الذي رافق تطبيقه.
كما أن المحرضن،أشباه المتعلمين ينسون،بدعوتهم إلى العودة إلى تقاليدهم الخاصة،أن سبب فشل الديمقراطية هو الرجعية الاستبدادية التي كانت أساس التقليد الذي يدعون إلى استئنافه،لكنهم يتجاهلون هذا العائق،جاعلين من حقبة الخلفاء الراشدين مثالا أعلى لهم.
و قد رأينا أنه غالبا ما جرت محاولات لإعادة إحياء هذه اليوتوبيا الموصولة بحقبة المدينة.ففي العصر الحديث على الأقل،شكلت هذه اليوتوبيا أساسا للدعوة الوهابية و فعل إيمان الأصوليين من سلفيي القرن التاسع عشر المذكورين آنفا،ثم كانت في صلب النظام الذي فبركه الأصوليون ابتداء من الأعوام 1920-1930 ،مع بروز حركة الإخوان المسلمين.و بالرغم من بعض الفروقات يبقى بين هذه النزعات كلها قاسم مشترك،هو ما يلاحظ في إجماعهم على العودة إلى ابن تيمية حتى و إن تفاوتت درجات اتباعهم هذا العالم الحنبلي".
******
و نواصــل في الحلقة الثالثة
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 577

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أسامة الخوّاض
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة