المقالات
السياسة
الذين اغتالوا الجنيه السوداني اثروا ثراءً فاحشاً من اغتياله والمواطن زاد فقراً
الذين اغتالوا الجنيه السوداني اثروا ثراءً فاحشاً من اغتياله والمواطن زاد فقراً
05-06-2013 04:31 PM




الانجليز وضعوا نظاماً محكماً للخدمة المدنية والحكم الوطني قضى عليه


حررنا السودان فانفصل الجنوب وحررنا الاقتصاد فقتلنا المواطن

الحلقة الثانية


خلصت في الحلقة السابقة إلى إن ما شهده السودان خلال 65 عاما من مفارقات لا يصدقها عقل بسبب ما لحق بالجنيه السوداني من تدنى في قيمته قياسا بالدولار بعد أن تبدل حاله بفعل فاعل من بيننا حتى أصبح الدولار الذي تراوحت قيمته يومها بين035الى أربعين قرشا في فترة الاستعمار لان يرتفع سعره تحت الحكم الوطني حتى بلغ سبعة جنيه جديد وتعادل سبعة ألف جنيه قديم لترتفع تكلفة المعيشة فوق طاقة المواطن وحتى يكون الحديث هنا منصفا وعادلا فما أصاب الجنيه السوداني ينقسم لثلاثة مراحل في عهد الحكم الوطني المرحلة الأولى ما قبل مايو حيث كانت بداية معاناته وهى المرحلة التي ودع فيها عصره الذهبي أيام الاستعمار حيث بدأ يضعف في مواجهة الدولار ولكن بنسبة ضعيفة وتنقسم المرحلة بين بدايات الحكم الوطني الديمقراطي ثم انقلاب نوفمبر وعودة الديمقراطية في أكتوبر 64 وهى الفترة من عام 56 حتى69 المرحلة الثانية فترة الحكم العسكري في مايو 69 وحتى نهاية الديمقراطية في يونيو 89 وهى بداية التدهور الكبير للجنيه السوداني ويتحمل المسئولية الأكبر عن تدنى الجنيه في هذه المرحلة انقلاب مايو على اثر قرار السيد بدرالدين سليمان وزير المالية والذي ألغى فيه رقابة النقد ليرفع يد بنك السودان عن سلطته الرقابية على الدولار والتي شهدت انخفاضا في قيمة الجنيه مقابل الدولار حيث بلغت قيمته 12 ونصف جنيه قديم حيث عوم الجنيه السوداني ليدخل معركة غير متكافئة مع الدولار و لتأتى بعدها المرحلة الثالثة من عام 89وحتى اليوم فترة انهيار قيمته الشاملة في عهد الإنقاذ الحالي حيث انخفضت قيمته من 12ونصف قديم لما يعادل ستة ألف قديم كانت بدايتها القرار الذي أصدره عبدالرحيم حمدي ووزير المالية عندما أعلن ما اسماه تحرير الاقتصاد السوداني وهو الذي دفع ثمنه المواطن لأنه في حقيقته اغتيال للجنيه السوداني الذي أصبح مستعمرة للدولار ( ويا لها من مفارقة حررنا السودان فانفصل الجنوب وحررنا الاقتصاد فانهار الجنيه فجوعنا المواطن وقتلناه لعدم قدرته لسداد فاتورة العلاج بعدان أصبح العلاج وقفا على القلة من الأثرياء )

وليت الذين فعلوا ذلك كانت جهات أجنبية لها مصلحة في الدولار ولكن الحقيقة إن هذا التدني صناعة محلية وبأيدي سودانية وضع أساسه السيد بدرالدين سليمان وأعقبه السيد عبالرحيم حمدي لما أعلن ما اسماه تحرير الاقتصاد السوداني فقضوا بأفعالهم هذه على الجنيه السوداني وهى مرحلة خادعة حيث إنها ميزت قلة مهيمنة على السلطة عبر مراحل الحكم الوطني المختلفة استقرت بالمركز ممثل في العاصمة بل في حقيقتها فئة معينة منه حيث ان من يشهد الفوارق الكبيرة الطبقية التي لم يعرفها السودان عبر تاريخه والمظاهر الجديدة الخادعة من بنايات فاخرة وناطحة ومجتمع ترفى تتمتع به قلة من أصحاب السلطة ومنسوبيهم يحسب إن السودان تطور ويضاهى أفضل دول العالم بهذا المظهر الكاذب ولكن المقابل لهذا الشكل الخادع أن يدفع شعب السودان الثمن حيث تعيش أغلبيته العظمى فقرا وانهيارا في أهم الخدمات الضرورية من تعليم وعلاج وارتفاع تكلفة المعيشة فوق طاقة المواطن الاغبش حتى في العاصمة حيث هذه المظاهر الكاذبة ولكن المصيبة ان الذين اغتالوا هذا الجنيه هم لحمنا ودمنا وحكامنا عبرمرحلة طويلة من الحكم الوطنى فكانت نهاية ما ارتكبوه فى حقه والتى تمثل فترة الانقاذ اسوأها اقتصاديا حيث ان النفط لما تدفق لم يعيد للجنيه هيبته لتصبح الحقيقة ماساوية بكل ما تحمل الكلمة

هذه جريمة واسميها جريمة لانها وبالرغم من المظاهر الخادعة التى شهدها السودان الا ان اغتيال الجنيه السودانى كانت اهم نتائجه السالبة انه ادى لارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية التى يتم توفيرها بالدولارلينخفض مردود الزراعة من الدولار دون ما يتكلفه الانتاج وملحقاته كما ان انخفاضه ادى تلقائيا لارتفاع قيمة الاحتياجات الضرورية للمواطن فوق قدراته ليعم الفقر والجوع والمرض غالبية سكان العاصمة ومناطق الهامش التى زحفت نحو العاصمة بحثا عن لقمة العيش والعلاج وغيرها من الاحتياجات الضروورية لتصبح مناطق الهامش خالية وقاحلة من كل مظاهر للحياة ويا لها من مفارقات حتى المسئولين بأعلى المستويات بمناطق الهامش يسارعون في تشييد البنايات الضخمة في العاصمة والانخراط في القلة المستأثرة بخيرات الوطن لتامين مستقبل أسرهم هنا في العاصمة بدلاً من تعمير مناطقهم التي أصبحوا حكاماً باسمها ولم تقف الآثار السالبة عند هذا الحد بل شكل انخفاض الجنيه السوداني معوقا لتطور الصناعة المحلية حيث إن كل احتياجات المصانع من آليات وخام يستورد بالدولار بالسعر الحر ثم كانت الطامة الكبرى أن يفتحوا الأسواق لاستيراد للسلع الأجنبية الهامشية دون ضوابط فنية وصحية و لتقضى على السلع المصنعة محليا لانخفاضها في السعر لأنها أما تالفة أو منتهية الصلاحية مما يجعلها فاقد سلعي وليفتحوا الأسواق بلا ضوابط لاستيراد الكماليات ليكتبوا النهاية للصناعة المحلية و لتغرق الأسواق بالسلع المنافسة للصناعة المحلية ومن تأخذه قدمه اليوم في جولة لأعرق المناطق الصناعية سوف يلمس هذه المأساة التي يحكى حال المنطقة عنها أما الجانب الآخر من أثار هذه الجريمة ارتفاع تكلفة الخدمات الضرورية التي يحتاجها المواطن والعبء الكبير للضرائب غير المباشرة من جمارك وجبايات وفواتير خدمات الحكومة التي يتحملها المواطن البسيط الغلبان بعد أن تخلت الدولة على أهم مسئولياتها التي وفرها الاستعمار بالمجان من تعليم وعلاج وفرص العمل وتوفر السلع الضرورية بأرخص الأسعار بسبب التحكم في الدولار حيث أفقدت هذه السياسات في الحكم الوطني التوازن بين مصادر الدولة من العملة الصعبة ممثلة في الدولار وبين احتياجات الدولة الضرورية التي كانت تصب لصالح المواطن والتي لها الأولية والتي يعتمد توفرها على الدولار فكان الانهيار الشامل بالرغم من ملامح التطور الكاذب وهو ما سأعود إليه بتفصيل في هذه الحلقات .

لكل هذا وحتى تكتمل الصورة للذين لم يعاصروا تاريخ الجنيه السوداني وعصره الذهبي وما يعنيه من خير عليه في توفير احتياجاته الضرورية لابد من وقفة توضيحية مع مقومات السياسة

المتوازنة التي أسسها الانجليز لنقف على النظام الذي خططوا به لنهضة اقتصادية قائمة على منح الاولية لحقوق المواطن وعلى وضع أساس إن سرنا عليه لن يخل بالتوازن والعمل على توسيع مصادر العائد من الدولار لتوسيع مستوى الخدمات واحتياجات المواطن والدولة خطوة خطوة وفى تناسق تام وفق معادلات تحفظ للجنيه هيبته وقيمته وليس نحره واغتياله من اجل مصالح قلة سعت لتعيش حياة مترفة على حساب الغلابة .وذلك بانتهاج سياسة استيرادية غير مدروسة ومتوافقة مع قيمة الجنيه ولهذا السبب شهدنا المفارقات الغريبة بعد أن قضى الحكم الوطني على النظام الذي خطط له الانجليز بمعرفة ودراية والتي قدمت بعض النماذج منه في الحلقة الأولى ولا يزال فيها الكثير الذي يستحق الوقفة فيه ولعلني أتوقف هنا عند بعض المفارقات التي لحقت بأهم المرافق الضرورية على سبيل المثال وليس الحصر على أن أعود لمزيد من التفصيل لبقية المفارقات لنرى كيف كان حالنا مع الانجليز وما انتهينا إليه تحت ظل الحكم الوطني

ولتكن وقفتنا هذه مع التعليم وهو من أهم الضرورات التي ترتبط بالمواطن فكيف كان أيام الانجليز وكيف تدهور في العهد الوطني حتى بلغ المرحلة الحالية:

فبالرغم من تفاوت الظروف واختلاف المديريات من بعضها البعض فلقد انطلق الانجليز من محورين:

الوهما توسيع قاعد التعليم في المراحل الأولية على أوسع نطاق ممكن حتى لا يقصر على منطقة بعينها كما راعوا في المراحل العليا أن تغطى اكبر مساحة ممكن لهذا فان الانجليز أسسوا مرحلة ثانوية قامت على تأسيس ثلاثة مدارس بنفس المواصفات والإمكانات راعوا فيها أن تطوى اكبر مساحات متاحة في السودان لهذا أسسوا ثانوية وادي سيدنا في الخرطوم لتغطى المنطقة الشمالية كما أسسوا ثانوية حنتوب في مديرية الجزيرة لتغطية المنطقة المحيطة بها وأخيرا أسسوا مدرسة خور طفت الثانوية بمدينة الأبيض لتغطية غرب السودان فكانت هذه المدارس الثلاثة تغطى اكبر مساحة من السودان من الطلاب الناجحين في شهادات المرحلة الابتدائية ثم أسسوا كلية غردون الجامعية والتي أصبحت فيما بعد جامعة الخرطوم وهى الكلية الوحيدة في ذلك الوقت مقرها العاصمة للناجحين في الشهادة الثانوية بجانب ذلك أسسوا معهد بخت الرضاء لتأهيل المعلمين ولم يكن يسمح لأي شخص أن يصبح معلما ومربيا ما لم يحمل شهادة هذا المعهد التي تؤهله لتولى هذه المسئولية التربوية.

بجانب ذلك أسسوا مدارس صناعية على مستوى المرحلة الثانوية كما أسسوا المعهد الفني بالعاصمة ليوازى كلية غردون الجامعية في تأهيل مهندسين صناعيين في مختلف التخصصات وتعتبر مرحلة أدنى من الجامعة ولكنها في غاية الأهمية.

أما المحور الثاني وهو في غاية الأهمية وهى إن الانجليز أسسوا لأن يكون حق المواطن في التعليم والعلاج مجانا فان الحكومة الاستعمارية أسست لنظام تعليمي يقف على مجانية التعليم في كل مراحله وعدم تكليف أي مواطن تبعات مالية حيث كانت المدارس توفر كل ما يحتاجه التلميذ أو الطالب في أي مرحلة كانت بل ولان المدارس الثانوية الثلاثة كانت موجهة لاستيعاب الطلاب من مناطق السودان المختلفة فلقد كانت هذه المدارس كما هو الحال في كلية غردون كانت الدولة تتكفل بسكن وإعاشة الطلاب في داخليات تستوعب كل طلاب المدارس والجامعة كما إن الأمر لم يكن يقف عند هذا الحد بالنسبة لطلاب الجامعة فلقد كانت الحكومة تدعم الطلاب بما عرف (بالإعانة المادية ) وتدفع دعما للطلاب الذين لا يعمل أولياؤهم في الخدمة الحكومية وليست لهم مصادر دخل كما إن الحكومة كانت تدفع إعانات خاصة لطلاب المعهد الفني.فأين هذا من واقع التعليم اليوم.

إذن هكذا كان حال التعليم في عهد الاستعمار فكيف يا ترى أصبح حاله اليوم في عهد الحكم الوطني بعد أن انهار التعليم الحكومي وأصبح التعليم تجارة واستثمار خاص بلا اى ضوابط عندما هيمن عليه قطاع خاص استغلالي على أبشع الصور وفى كل مراحله تؤكد ذلك التكلفة العالية ويا لها من مفارقة وأبناء وبنات الأسر من أنحاء السودان يعانون من السكن والإعاشة مما ترك فيهم أثاراً سالبة يصعب حصرها وذكرها لما فقدوا هذه الخدمة المميزة

ويا لها من مفارقة فحتى في عهد الانجليز وبدايات الحكم الوطني فلقد عرف السودان يومها ما يسمى بالتعليم الأهلي وليس القطاع الخاص كما كان مسماه ويومها كان التعليم الأهلي نفسه مجانا ويعتبر مساهمة من مؤسسي هذه المدارس ليس بغرض الربح وعلى رأس هذه المدارس تقف المدرسة الأهلية والمؤتمر الثانوية والأحفاد وغيرها حيث لم تكن تجارة لمن أسسوها أو للتباهي بها وجني الأرباح الباهظة منها بعد أن سميت اليوم بالقطاع الخاص بعد أن أصبحت للربح الفاحش دون ضوابط

فلقد أصبح التعليم قطاع خاص أي سوق مفتوحة تحت ظل الاقتصاد الحر والقابضين على مفاصله من السلطة ورجال الأعمال والذين يقدمون إرباحهم الباهظة أياً كان الثمن حتى في التعليم والعلاج وان كان حديثي اليوم يقتصر على التعليم فلقد أصبحت مدارس القطاع الخاص استنزافا للمواطن من مرحلة الروضة وحتى الجامعة والمفارقة الكبيرة هنا ان من يحسب ما يدفعه أولياء أمور التلاميذ والطلاب للفرد الواحد من أبنائهم بدءا من ملايين الروضة حتى التخرج من الجامعة فان الخريج حتى لو كان من أصحاب الحظوة في الحصول على عمل ولا يواجه معاناة العطالة السنوات فان ما يحققه من عائد العمل لا يغطى ما صرفه زووه عليه من كلفة الدراسة

هنا لابد أن أحكى طرفة تعبر عن نفسها إن احد رجال المال وبالرغم من إمكاناته لتحمل تكلفة تعليم ابنه ولكنه جلس إليه وجاء بورقة وقلم ودون ما سوف يتكلفه لتعليمه حسب طاب ابنه فوجده يبلغ بضعة آلاف من الدولارات فقال لابنه إنني لا ارفض سداد هذا المبلغ ولكنى أفضل أن أمنحك هذا المبلغ الآن كله تقدا لتمارس به التجارة فهذا أفضل لك من أن تهدره فيما لا يعود إليك بنفع (طبعا هذه بلغة السوق) وفى نهاية الأمر ستدخل معي السوق لان التعليم لن يعوضك ما دفعناه وتقول الطرفة إن ابنه عمل بنصحه ودخل السوق بدلا عن الثانوي والجامعة

بجانب هذا فان هناك العديد من البدع التي ارتبطت بمؤسسات التعليم المختلفة والتي تتعدد مظاهره من حفلات التخرج بدءا من مراحل الروضة أما الحديث عن الدروس الخصوصية إنما هو حديث تشيب له الوجدان فالمدرسة لم تعد هي التي تعلم الطالب رغم هذه التكلفة العالية وللمعلم لم يعد هو الذي يعلم الطالب في المدرسة وإنما يعلمه في الدرس الخصوصي مدفوع القيمة إضافة لما يدفعه للمدرسة ويا لها من مفارقة فلقد كان الفصل من المهنة عقوبة كل معلم يمارس دروسا خصوصية ولكن كله هذا مبرر بمنطق السوق والاقتصاد الحر والمجال لا يسع التفصيل للحديث عن اغتيال التعليم .

ما أوردته عن التعليم هو نموذج لما صحب سياسات الحكم الوطني من تدنى فكيف يكون حال المواطن العادي وقد يكون أب لأسرة من عدة أبناء يحتاجوا التعليم في نفس الوقت فكيف حال من له أكثر من ولد وبنت في مراحل الدراسة وماذا عن حاله بالنسبة لاحتياجاته الضرورية الأخرى التي سأعود إليها

حقا لقد حررنا السودان من الاستعمار فتمزق وانفصل عنه جنوبه (ولسه الساقية مدورة) وحررنا الاقتصاد واغتلنا الجنيه فأصبح الضحية المواطن كل هذا لان الانجليز أسسوا لنظام دمرناه بأيدينا بعد أن أصبحنا حكاما لأنفسنا فهل هذه دعوة للتحسر على الاستعمار

ما هو النظام الذي أسس له الانجليز ؟

وكيف كان هذا النظام حريصا على حقوق المواطن الضرورية؟

وما هي علاقة هذا بقيمة الجنيه السوداني والدولار؟

مجموعة أسئلة لا بد لهذه الأجيال أن تقف علي إجابة عليها لترى كيف كان ومن أين جاء الدمار الذي لحق بالسودان وتهديد وحدته وحياة مواطنه.

لقد كان السودان تحت ظل الاستعمار ينقسم لتسعة مديريات ثلاثة منها فى الجنوب وستة في الشمال وعلى رأس كل مديرية محافظ يشرف على المديرية ومقره عاصمة المديرية وهو بمثابة الحكومة يتبع له ضابط إداري أو من عرف بضابط مجلس بلدي في المدن الرئيسية بالمديرية ثم ضباط المجالس الريفية والذين يتمركزون في عواصم المديريات يتولون الإشراف على الأطراف بالمديرية وكان هذا الكادر الإداري المحدود والذى لا يتعدى أصابع اليد في المديرية كان يشرف ويتولى كل شئونها بمساعدة مجالس محلية مساعدة من رجال الإدارة الأهلية وكبارات رجال المنطقة من أصحاب الخبرة والحكمة من باب التشاور في إدارة شان المواطنين حتى لا تغيب الدولة عن أي مواطن ولا يكلفون الخزينة أي التزامات ومخصصات مالية ولكم أن تتصوروا هنا كم يبلغ عدد الكوادر الإدارية التي تدير الدولة سواء في المركز أو الولايات ومقارنة هذه الكوادر بعددها اليوم في السودان بعد الحكم الوطني وما يستنزفونه من خزينة الدولة وما يتقاضونه من مرتبات ومخصصات وتوابعها على حساب إرهاق المواطن ومعاناته ويا ليتنا نجد مصدرا يقدم إحصائية لمقارنة واقع اليوم بما كان في عهد الانجليز لنرى كيف تمدد وتزايد هذا الكم الهائل من الكوادر في عهد الحكم الوطني وكم بلغ اليوم في عهد الإنقاذ على وجه الخصوص وكم سيبلغ في مستقبل الأيام وكيف يقابل هذه الكم الهائل من الكوادر الإدارية التي ابتدعت لها المسميات المختلفة وما تتكلفه من الخزينة العامة رسميا ناهيك عن الجانب غير الرسمي والذي يشكل عبئا فوق طاقة المواطن وخصما على حقوقه الضرورية حتى أصبح المواطن هو الذي يتحمل عبء الكادر الذي يدير الدولة ولبس هو في خدمته كما يقتضى الحال والذي وضع أساسه الاستعمار. ولعل هذا النظام أورثه الانجليز للأمارات المتحدة التي كانت محمية انجليزية والتي رغم أمكانتها الكبيرة تعمل بنفس النظام حيث إن حاكم الأمارة كما هو المحافظ عندنا في سالف العصر يدير شئون الأمارة بضباط البلديات الذين يسمونهم بمديري البلديات ولعل الدهشة ستصيبنا هنا من المفارقات الغريبة حيث إن ثلاثة شخصيات سودانية من ضباط البلديات السابقين استوعبتهم الأمارات لإدارة شئون البلديات لما اكتسبوه من خبرة في السودان تولوا هذه المناصب في كل من ابوظبى ودبي والشارقة وغالبية الأمارات تحت إشراف حاكم الأمارة مباشرة فلعبوا دور حكومات كاملة بكل ما تحمل الكلمة حيث كان المهندس عوض الكريم مديرا لبلدية ابوظبي والسيدان مختار التوم وكمال حمزة الأول مديرا لبلدية الشارقة والثاني مديرا لبلدية دبي حيث يتولى كل منهم كل ماله علاقة بالأمارة تحت إشراف حاكم الأمارة وهو ذات الوضع الذي أسس له الانجليز في السودان قبل أن يتم اغتياله على يد الحكم الوطني, ولا يزال يعمل به حتى اليوم في الإمارات

ولعلها طرفة أو مقولة لا اجزم بصحتها ولكنها متداولة حول الأخ كمال حمزة الذي ينتمي إلينا اسريا بتوتي وحلة حمد وبيت المال حيث كنا نسمع من أهلنا انه غادر السودان للأمارات- ولم تكن يومها من الدول الغنية لعدم اكتشاف البترول - غاضبا لتخطية فى الترقية ولإحساسه بأنه ظلم في هذا الأمر والتاريخ يشهد وكل أهل الأمارات يحفظون لأبناء السودان الذين عملوا مديرين للبلديات في الإمارات المختلفة هم الذين اشرفوا إداريا وتنفيذيا على هذه الطفرة التي حققتها الإمارات دون أن يتمدد الجهاز التنفيذي والإداري بالرغم من الإمكانات الهائلة التي تمتعت بها الإمارات. ولا أدرى هنا ماذا يقول أصحاب الشأن الذين ورثونا (و أسف إذا لم أجد أفضل من هذه) من السياسيين المدنيين والعسكر والذين حلوا بديلا للاستعمار إذا ما قارنا ما مثلته تكلفة إدارة الإمارات التي اشرف عليها ثلاثة من أبناء السودان بنسبة ما تملكه الإمارات من إمكانات مادية التي تبلغ آلاف الأضعاف لإمكانات السودان ومقارنة هذه النسبة ما تتكلفه الإدارة السياسية والتنفيذية مع إمكاناته الضعيفة مقارنة بالإمارات فهل لنا أن نعجب إذن إذا أصبح المواطن في السودان تحت خدمة الإدارة السياسية والتنفيذية للدولة وخصما على حقوقه ومتطلباته الضرورية بينما لم تعد هي في خدمته وتحقيق متطلباته كما كان في عهد الاستعمار

لهذا ليس غريبا علينا أن نعيش وضعا شاذا بكل المقاييس حيث إن المواطن الغلبان فرض عليه بالقوة أن يعطى ويقدم للدولة بينما هي تأخذ ولا تقدم له أي مقابل للسودان مع الإمكانات الضعيفة له وهل لكم من دليل على هذا أكثر من الذين يطرقون الأبواب كل صباح يسدون الطرقات لحصد الجبايات وغرامات المرور وغرامات المرور هذه لا تخلو من طرفة فلقد عرف السودان في عهد رحمة الله عليه المهندس سليمان موسى المشرف على ترخيص السيارات فكانت أجهزته الرقابية متى وجدت سيارة لا تحمل رخصة تؤهلها للسير حماية للمواطنين فانه يحتجز العربة وينزع لوحتها الرقمية ثم يستدعى الونش ليحمل العربة لورشة المرور حتى يتم ترخيصها تأكيدا لعدم أهليتها للسير بدون رخصة والآن كلما يفعله رجل المرور في نفس الحالة أن يخرج دفتره يستلم بموجبه غرامة مالية و بعدان تقبض الدولة المعلوم يقول لمن خالف قانون الترخيص تفضل من حقك أن تسير اليوم بسيارتك بدون ترخيص حتى اليوم التالي بعد أن تحصلنا على جباية هذا اليوم (وكأن الدولة تقول له سر لا يهم أن أصبت أو قتلت مواطنا فلقد دفعت المعلوم) وفى اليوم التالي يلتقيه رجل مرور ثاني فيعيد نفس السيناريو وهكذا أصبحت العربة غير المرخصة مصدر عائد كبير من الغرامات وهكذا حال من يقودون سياراتهم بدون رخصة قيادة فالمهم العائد المادي للدولة وهذا ما سأعود إليه بتفصيل في حلقات قادمة

كما إن الانجليز أسسوا بجانب ذلك :

1- لخدمة مدنية مستقلة تتولى السلطة التنفيذية لادارة شان الدولة فيما لا يقع تحت مسئولية المحافظين وضباط البلديات من مسؤوليات المركز لهذا عملوا على أن يقتصر دور السلطة السياسية على وضع السياسات حتى لا تتدخل السياسي في الشأن التنفيذي وجعلوا وكيل الوزارة أعلى سلطة تنفيذية لا يخضع وظيفيا للوزير بل كان يتمتع بسلطة مستمدة من القانون يملك بها أن يحول دون تدخل السياسة في إدارة الوزارة ومباشرة مهامها لهذا فان الوزير يختص بوضع السياسة العامة للوزارة ولكنه لا يملك أن يتدخل في العمل التنفيذي للوزارة وبهذا يبقى المواطنون سواسية عند تنفيذ السياسات تجنبا للتمييز بين المواطنين من منطلقات أو بسبب الانتماءات السياسية لهذا حرص قانون الخدمة المدنية على التأكيد بان منصب الوكيل ليس وظيفة سياسية وإنما هو رجل خدمة مدنية يتدرج وظيفيا من العاملين بالوزارة دون اعتبار لانتمائه السياسي حتى لا يفرق عند تنفيذ السياسة بين المناطق المختلفة أو المواطنين بسبب الانتماء أو الولاء السياسي فالكل سواء عند التنفيذ ولكن ما أن تسلمت أحزابنا الحكم الوطني حتى بدأ التغول على قانون الخدمة المدنية والعمل على تحويل الوكيل لموظف يخضع لأوامر السياسيين وقرارات الوزير الذي تحول لسلطة تنفيذية وليست سياسية وكانت تلك أول جريمة ترتكب في حق الخدمة المدنية والتي حولت الوزارات لخدمة المحاسيب والو لاءات السياسية ولقد شهدت فترة التعدي على الخدمة المدنية الكثير من الاحتكاكات والصراعات بين وكلاء الوزارات والسياسيين إلى أن أصبحت وظيفة الوكيل وظيفة سياسية للوزير أن يأتي به من خارج الوزارة ومن أصحاب الولاء السياسي لتنهار أهم ضمانات العدالة ولعل الحديث يطول حول هذه النقطة لأهميتها ولما أفرزته من سلبيات في الإدارة التنفيذية للدولة .

2- ولعل من اكبر السلبيات التي شهدتها بدايات التغول على استقلالية الخدمة المدنية أن عدل قانونها ليصبح الوكيل خاضعا لقرارات الوزير التنفيذية بعد أن أصبح الوزير أعلى سلطة تنفيذية وليس السياسية كما كان الحال وقد بدأ هذا التغول مع بدايات الحكم الوطني حيث تصاعد الصراع بين الخدمة المدنية والساسة حتى انهارت الخدمة المدنية نهائيا في عهد الإنقاذ التي رفعت أخير شعار الولاء قبل الكفاءة إلا إن التعدي على استقلالية الخدمة المدنية لم يكن وقفا على نظام بعينه حيث إن التعدي على استقلالية الخدمة المدنية لم يكن وقفا على حكم معين عسكريا كان أم مدنيا دكتاتوريا أم ديمقراطيا إلا إن الضربة القاضية وجهت للخدمة المدنية في عهد الإنقاذ حيث لم يقف النظام على تسييس الوظائف العليا والقيادية في الخدمة المدنية كما كان الحال في العهود السابقة فلقد أصبح التسييس شاملا وعاما في عهد الإنقاذ حيث أصبحت الخدمة المدنية إليه من البات الحزب الحاكم وان التوظيف فيه قاصر للموالين للحزب سياسيا أو مصلحياً لهذا ظلت كل مراحل الحكم الوطني تشهد التغول على الخدمة المدية وكان من الطبيعي أن تتفجر الاحتكاكات بين السلطة والخدمة المدنية

ولعل أشهر هذه الاحتكاكات في عهد الديمقراطية كان فى فترة الديمقراطية الثانية في وزارة التجارة عندما تفجرت قضية منصب وكيل الوزارة وكانت نقابة مفتشي الوزارة قد رفضت التمديد.للوكيل الذي عين من خارج الوزارة وطالبت النقابة أن يتم تدرج الوكيل من العاملين بالوزارة حسب ما كان القانون ينص وحدث صدام بين النقابة وحكومة الأمة والاتحادي الاتلافية وأمام تعنت الحكومة أعلنت النقابة الإضراب عن العمل ليكون ثاني أطول إضراب في تاريخ السودان بعد إضراب السكة حديد الشهير حيث امتد الإضراب لأكثر من شهر و تصاعد الامر يومها بين الحكومة والنقابات المهنية حيث شهدت دار المهندس يومها بشارع النيل تجمع كل النقابات بدعوة من نقابة المهندسين للتضامن مع الإضراب وتوسيع قاعدته ليصبح شاملا كل النقابات المهنية ويومها وبعد وساطات قام بها بعض الحادبين تم التوصل على أن يبقى الوكيل لستة أشهر فقط وان يعود العمل بالوزارة لتدرج الوكيل من العاملين بالوزارة وتم ذلك الاتفاق يومها مع الشريف حسين الهندي نائب رئيس الوزراء لتطوى تلك الصفحة وان كان السودان قد شهد انقلاب مايو قبل أن تنقضي المدة المتفق عليها وكان أول قرار لسلطة الانقلاب أن أعفت الوكيل قبل انتهاء الفترة وليحل مكانه وكيل من العاملين بالوزارة. وكان هذا اكبر مؤشر للصراع مع الحكم الوطني والذي أجهض استقلالية الخدمة المدنية في نهاية الأمر وسوف ترون المردود السلبي لهذا الأمر في الحلقات القادمة.

أما الحكم الوطني والذي تأسس في بداياته تحت الروح التي وضع أساسها الانجليز فلقد قام على :

1- ثلاثة مؤسسات في الدولة ولأهميتها كما سترون في الحلقات القادمة تقوم على مجالس إدارات مستقلة ويتمتع مديروها باستقلالية تامة بعيدا عن مركزية الحكم حتى لا تؤثر عليها سلبيات السياسة ولهذا أسباب موضوعية سوف أعود إليها وهذه المؤسسات الثلاثة تتمثل في مشروع الجزيرة والسكة حديد وبنك السودان وسوف تشهدون كيف تم تحطيم هذه المؤسسات الثلاثة في عهد الحكم الوطني الأمر الذي الحق أضرارا كبيرة بالسودان. ولعب دورا فيما آل أليه الحال اليوم

2-مجموعة محدودة من الوزارات المركزية قسمت اختصاصاتها بصورة تحقق التكامل بين أجهزة الدولة المختلفة وتضع كل أمور الدولة في تناسق تام بين الوزارات المختلفة ولكل منها دورا كبيرا في الحفاظ على التوازن بين إمكانات الدولة المحدودة وحقوق المواطن الضرورية في توفر خدماته وكلها صممت لتلعب دورا ملموسا في تحقيق التوازن بين الدولار والجنيه السوداني باعتبار هذا التوازن هو مفتاح كل شيء وسنرى كيف خططوا لتسييره بدقة ساعة بنج بن الشهيرة وسنرى ما أصاب الدولة والمواطن عندما أجهض الحكم الوطني هذا الإرث الذي وضعه الانجليز وفق حسابات دقيقة فكانت هذه الوزارات المالية والتجارة والزراعة الحكومة المحلية والثروة الحيوانية والأشغال وغيرها من الوزارات الأساسية كما سنرى.كيف حل بالبلد الخراب بعد تدميرها

والى الحلقة القادمة

خارج لنص: عفوا عزيزي القارئ إذا كانت هناك بعض الأخطاء فمن تعدى السبعين يصعب عليه أن يجيد الطباعة على الكمبيوتر.




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1834

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#658209 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

05-06-2013 10:59 PM
شكرا للكاتب الأستاذ النعمان حسن .... وجزاك الله خيرا على هذا التوثيق المهم
للأجيال الحالية التي ظلمت من جميع النواحي وانني لجد حزين على ما أوصلنا
اليه السياسيون بأنانيتهم ونفوسهم المريضة الى هذا الحال البائس بالرغم
من أن السودان يمتلك ثروات حتى دول الخليج مجتمعة لا تمتلكها ولكن يبقى
الأمل موجودا وربما يأتي حكام متجردون من ذواتهم ليصلحوا حال السودان
ولله الأمر من قبل ومن بعد .....


#658183 [واحد متابع من قريب]
0.00/5 (0 صوت)

05-06-2013 10:20 PM
تحياتي استاذ نعمان
كل مدراء بلديات الامارات السبعة كانو سودانيين
احمد عوض الكريم لم يكن مهندساً كان خريج ثانوي وحصل على الشهادة الجامعية من بيروت بالمراسلة وليست في مجال الهندسة
السودان البلد الوحيد في العالم الذي تدهور بعد ان خرج منه المستعمر


#658070 [شمار فى مرقة]
5.00/5 (1 صوت)

05-06-2013 07:16 PM
اللة عليك يانعمان و ياحليلك ياوطنى الحبيب يعنى نحنا كان حالنا تمام وكت كان حاكمنا الانجليز ولسان الحال ياريت الحال بقى زى ما كان ؟؟؟؟؟؟


النعمان حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة