المقالات
منوعات
قيثارة الأنوفلس
قيثارة الأنوفلس
05-08-2013 12:20 PM

يقول المتنبي في وصف حمى غريبة كانت تزوره خلسة في جنح الليل أظنها « الملاريا» وذلك خوفاً من عيون الناس في مصر أخت بلادي ، كفتاة جميلة ويقول انه بذل لها كل شيء من ثياب فاخرة وفرش ناعمة، ولكنها رفضت كل شئ فهي تعانقه عناق الولهان ، ولا تحب المطارف ولا الجلوس على الأرائك الفاخرة ، بل سكنت داخل جسده، قدّر الشاعر بحسه الفني المرهف للحمّى إنسانيّتها، في أنها لاتأتيه إلاّ في الليل، فتوفر عليه مظهره غير اللاّئق في وضح النّهار، وهو يصارع زائرته ،غير المرحّب بها:- لكن المهم نجاة المتنبّي من الحمّى، واستعاد عافيته التي سلبتها تلك الأنثي الجميلة، وتمكّن من الهرب، وترك لنا على جدران الزّمن لوحةٍ شعريّةٍ مبدعة رائعة عرفتها العربيّة وهو يهم بمغادرة الكنانة ، والفضل فيها يعود لتلك الزّيارة غير المرغوب فيها من تلك الأنثي الشفيفة المسماة «بالأنوفلس » والله أعلم إن كانت هي المهم كانت ضيفا ثقيلا على شاعرنا الذي صور لنا تلك الزيارة أروع تصوير، وعبر ما اعتراه من قشعريرة ،واصطكاك أسنانه ببعضها في هزيع تلك الليلة - شعرا جراء تلك الزيارة الثقيلة بقوله:

قليل عائدي سقم فؤادي ... كثير حاسدي صعب مرامي
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام
وزائــــــرتي كأن بها حيـــــــــاء... فليـــــس تزور إلا فــــي الظلام
بذلت لها المطارف والحشــــــايا ...فعافتـــــها وباتت فـــــي عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنــــها... فتوسعـــــــه بأنواع الســـــــقام
كأن الصبح يطردها فتجري... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق... مراقبة المشوق المستهام
أبنت الدهـــــــــر عندي كل بنت ...فكيف وصلت أنت من الزحــــــام
جرحـــــت مجرّحـــاً لم يبق فيه... مكان للســـــــــيوف ولا الســـهام

وقال الديلمي:

وزائرةٍ تزور بلا رقيب ... وتنزل بالفتى من غير حبّهْ
تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربهْ
وتمنعه لذيذ العيش حتّى ... تنغّصه بمطعمه وشربهْ

وقال الرستمي:

وزائرة أتت من غير وعدٍ ... لتأخذ منك حظاً من نوال ِ
هي الحمى التي تضحى وتمسي ... على ليث الشرى في كل حالِ
رأت سطوات بأسك في الأعادي ... فظنتك الهزبرَ من الرجال ِ
فلما فاح عرفك من بعيدٍ ... تولتْ بانكسار ٍ وانخذال

نحن هنا في هذا المقال لا نتحدث عن أى نوع من الحميات التي تصيبنا بل عن الملاريا تحديدا ومناسبة الكلام هو اليوم العالمي للملاريا فضلا عن أن موسم الأمطار قد حل في السودان والعديد من الدول الأفريقية وبالتالي تكثر زيارات حسناوات الأنوفلس على أفراد الشعوب الأفريقية خاصة البائسة منها كالسودان لتمتص دماءهم ، وتصيبهم بحمي كتلك التي أصيب بها المتنبى ونحن إذ نحي جهود العاملين في البرنامج القومي لمكافحة الملاريا في السودان ونقدر الظروف التي يعملون فيها ، نرى أن تلك الجهود دون المستوى المنشود سيما لو علمنا أن خطر الملاريا على اقتصادنا المنهك ربما يماثل خروج نفط الجنوب من خزينة الدولة إن لم يكن أكبر، ذلك أن الملاريا تعطل عجلة الإنتاج في الدولة من خلال انهاكها المستمر للأيدي العاملة .
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قال: في كلمته بمناسبة اليوم العالمي للملاريا الذي يصادف يوم22 أبريل من كل عام : ان طفلا واحدا يموت كل دقيقة في أفريقيا جراء الملاريا يواجه نحو 3.3 مليار نسمة- نصف سكان العالم تقريباً- مخاطر الإصابة بالملاريا. وشهد عام 2010 وقوع نحو 216 مليون حالة من الملاريا وقرابة 000 655 من الوفيات الناجمة عنها حسب احدث تقارير منظمة الصحة العالمية، وأدّت زيادة تدابير الوقاية والمكافحة إلى انخفاض معدلات وفيات الملاريا بنسبة تفوق 25% على الصعيد العالمي منذ عام 2000 وبنسبة 33% في إقليم منظمة الصحة العالمية الأفريقي.لكننا لا نعرف كم عدد الذين يصابون بالملاريا سنويا في السودان ولا عدد الذين يموتون جراء الاصابة بها ، حيث لم أجد من خلال تصفحي لموقع البرنامج القومي لمكافحة الملاريا في السودان اية معلومات في هذا الشأن ، علما بأن عملية النشر تساعد في جهود التوعية والتثقيف الصحي وتدفع الحكومات الولائية خاصة حكومة ولاية الخرطوم الي بذل مزيد من الجهود للوقاية من الملاريا بدلا من مكافحتها وذلك من خلال شق مصارف الأمطار وتأهيل الموجود منها في الولاية« الوقاية خير من العلاج» سيما ان ملاريات السودان اصبحت مقاومة لمعظم العقاقير .
كلمة ملاريا: Malaria» أصلها الكلمة اللاتينية malus aria وبالإيطالية mala aria أي الهواء الفاسد إشارة إلى توالد بعوض الملاريا في المياه الراكدة،. كان القدماء يعتقدون أن الملاريا ينقلها هواء المستنقعات. لهذا كان الإنجليز يسمونها حمى المستنقعات «: swamp fever» والعرب يطلقون عليها البرداء لأنها تسبب الرعشة الشديدة. لقد تم اكتشاف الطفيلي مسبب مرض الملاريا في 6 نوفمبر 1880 في المستشفى العسكري» من طرف طبيب في الجيش الفرنسي يدعى ألفونس لفيران والذي حاز على جائرة نوبل في الطب والفزيولوجيا لعام 1907عن اكتشافه هذا ، والملاريا مرض يصاب به الإنسان - دون باقي الكائنات الحية ويسببه طفيلي قاتل تنقله إناث البعوض من النوع أنوفلس Anopheles. ولم يقض على الملاريا في دول نامية كثيرة حيث يسبب مشكلة في دول المنطقة الحارة والمعتدلة بالعالم. ولقد كانت هناك محاولات للقضاء علي الملاريا عالميا إلا أنها فشلت لمقاومة البعوض للمبيدات الحشرية ومقاومة طفيليات الملاريا للأدوية. فالملاريا توجد في 100 دولة و40% من سكان العالم معرضون لخطرها.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلي أن الملاريا تنتشر في قارة أفريقيا وأمريكا الجنوبية وشبه القارة الهندية والشرق الأوسط وبعض بلدان أوربا وجنوب شرق اسيا وغرب المحيط الهادي إلا أن 90% من الإصابات تتركز في إفريقيا خاصة غرب ووسط وشرق القارة ،وحيث أن هذا المرض من الأمراض الفتاكة فقد أوصت منظمة الصحة العالمية المسافرين إلى المناطق الموبوءة باستعمال الدواء المناسب مباشرة بمجرد الإحساس بارتفاع درجة الحرارة «أثناء السفر أو بعده» إلى 38 درجة مئوية أو عند ظهور أي أعراض للملاريا دون الانتظار لتشخيص الطبيب، و هناك نوعان من الملاريا :
حميدة وخبيثة. الملاريا الحميدة أقل خطورة وأكثر استجابة للعلاج. الملاريا الخبيثة قد تكون شديدة الخطورة، وقاتلة أحياناً. إذا كان هناك شك أن الحالة خبيثة، يجب توفير الرعاية الصحية بأسرع وقت. تبدأ أعراض الملاريا في الظهور غالبا ما بين عشرة أيام إلى أربعة أسابيع من لسعة الأنوفلس ولكن في بعض الحالات، قد تظهر الأعراض بعد سنة، اعتمادا على نوع الطفيلي الذي أصابك. ومن أعراض الإصابة بالملاريا الرعشة والانتفاضة والحمى والعرق والصداع والغثيان والقيء وآلام في العضلات وبراز مدمم ويرقان وتشنجات واغما ءات. ارتفاع في درجة الحرارة قد تصاحبه قشعريرة وعرق غزير وصداع. والملاريا ُتحدث أعراضاً أشبه إلي حد كبير بأعراض أمراض أخرى خاصة نزلات الانفلونزا.
تفرض الملاريا، إلى جانب العبء البشري، عبئاً اقتصادياً فادحاً في المناطق التي ترتفع فيها معدلات انتشارها، حيث تسهم في تخفيض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تناهز 1.3% في البلدان التي ترتفع فيها مستويات انتشارها. وقد أدّت تلك الخسائر السنوية، عندما تجمّعت على مدى سنوات عديدة، إلى حدوث اختلافات كبرى في الناتج المحلي الإجمالي بين البلدان التي تنتشر فيها الملاريا والبلدان الخالية منها «خصوصاً في أفريقيا».
ويقول الكاتب التركي د. عرفان يلماز في قيثارة البعوضة:
«ويين، ويين، ويين» ها أنذا قد جئتُ! هيا انهض، نِمْت كثيراً! إن النوم طوال الليل لا يليق بك، فما أطال النوم عمراً. فانهض! انهض يا ابن آدم! انهض وفكر! فهل هناك مدعاة للتفكير أحسن مني؟ لا تُؤاخذني إن كُنت قد أَحْمَرْتُ جلدكَ قليلاً أو لَسَعْتك راغبًا، فهذا يحدثُ إلى حد ما..! فها أَنا ذا أعرض فنوني الرائعة التي منحني ربي إياها لكي أُوقظك من ناحية، ولكي أجعلك تفكر وتمعن الفكر من ناحية أخرى. ماذا يضير لو مَصَصت من دمك رَشْفَة لكي أُشْبِع نَهَمِي..؟ فعلى أي حال فأنت دَوماً تُنْتِج دماً... فَرَشْفَة مِنْ دمك من حيوان ضئيل مثلي لن تضيرك في شيء! عزيزي ابن آدم، إن رب الكائنات وخالقها قد تفضل في إحدى آيات القرآن الكريم مخاطباً إياك قائلاً. :-((إنَّ اللهَ لا يَسْتَحيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيْعَلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِه كَثِيراً وَيَهْدِي بِه كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)) «البقرة: 26». كما ترون فإن الله يلفت الأنظار إلى ضعفي وضآلة حَجْمِي وقد عبَّر عن حقيقة كُبرى يقول يلماز علي لسان تلك الأنثي الجميلة: أود أن أُصحح شهرتي السيئة التي لديكم عني، نحن لسنا حيوانات شريرة تمص الدماء طوال حياتنا. كل ما في الأمر أن إناثنا تشعر بالحاجة إلى كمية من الدماء لتغطية البروتينات التي تحتاجها في مراحل وضع البيض. ذكورنا لا تمص الدماء على الإطلاق، فَيَكْفيها امتصاص الرحيق الحلو من النباتات. إن إناثنا مُدَانة بسبب الدور الذي تَلْعَبه في حمل ونقل بعض أمراضكم دون وعي منها حين مص الدماء. ولكن يجب أن تتصفوا بالعدل قليلاً وأنتم تدينونها، نحن عائلة تتكون من حوالي 2500 نوع . وسط هذا الجمع الغفير يجب ألاَّ نُدان جميعاً بسبب ما يرتكبه البعض منا من تورط في بعض الأعمال القذرة،إن بعض أنواعنا يمكنها أن تمص ثلاثمائة ميكرولتر من الدماء خلال 15 دقيقة، وهذا يُماثل ستة أضعاف جسمها،مَنْ هو الإنسان الذي أَمص دمه أكثر..؟ إن الجواب على هذا السؤال فيه إفشاء للسر. ولكن أبوح بما يلي، فأنا أستطيع أن أجد الإنسان الذي سأمص دمه في الظلام الدامس. ولكي أَحصل على صيدي، فقد وضع ربي في وسط أقدامي الأمامية تماماً أجهزة استقبال حراري حساسة. وبواسطة هذه الأجهزة الحرارية أُحدد على أجسادكم أكثر الأماكن حرارة وأكثرها تشبعاً بالدماء تحت الجلد. هذا بالإضافة إلى وجود أجهزة استكشاف حساسة للغاية فوق جسدي بحيث إن عقولكم أو خيالكم لا يتصورها. ببساطة هذا سلاح رباني ،صنع أدق الأشياء بالنسبة للبشر أمر صعب أما رب البشر فيجعل من هذه الحشرة الصغيرة سلاحا يفوق الكيماوي وغيره.
وتقول منظمة الصحة العالمية ان هناك نحو 20 جنساً مختلفاً من أجناس الأنوفيلة التي تكتسب أهمية على الصعيد المحلي في جميع أنحاء العالم.
والجدير بالذكر أنّ جميع الأجناس الهامة الناقلة للمرض تلدغ أثناء الليل. وتتكاثر تلك الأجناس في المياه ولكل منها مكانه المفضّل للتكاثر، فالبعض منها يفضلّ التكاثر، مثلاً، في المياه العذبة الضحلة، مثل البرك وحقول الأرز وآثار الحوافر على الأرض. والملاحظ أنّ وتيرة سريان المرض تشتدّ في الأماكن التي يطول فيها عمر البعوض الناقل نسبياً «ممّا يمكّن الطفيلي من استكمال نموّه داخل البعوض» أو إذا فضّل البعوض لدغ البشر بدلاً من الحيوانات. فطول دورة حياة أجناس النواقل الأفريقية وميولها إلى لدغ البشر بقوة من الأمور التي تفسّر، مثلاً، سبب وقوع أكثر من 90% من وفيات الملاريا في أفريقيا وتقول المنظمة ان نصف سكان العالم تقريباً يواجهون مخاطر الإصابة بالملاريا. وتحدث معظم الحالات والوفيات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. غير أنّ آسيا وأمريكا اللاتينية، وبدرجة أقلّ، منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق الأوروبية باتت تشهد أيضاً حدوث حالات من المرض. وقد شهد 99 من البلدان والأقاليم استمرار سريان الملاريا في عام 2010م، وتري ان اكثر فئات المجتمع تعرضا لخطر الاصابة بالملاريا هم الاطفال الذين يعيشون في مناطق يسري فيها المرض بوتيرة مستقرة والذين لم تتشكّل لديهم بعد مناعة تحميهم ضدّ أشدّ أشكال المرض وخامة. كما تتسبب الملاريا في حدوث الإجهاض التلقائي للنساء الحوامل بمعدلات مرتفعة ويمكنها أن تتسبّب في وفاة الأم.
لذا فقد أوصت منظمة الصحة العالمية التعجيل بعلاج جميع نوبات المرض «في غضون 24 ساعة من ظهور الأعراض إذا أمكن ذلك»، استعمال الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات لتوقي لسعات البعوض الحامل للعدوى أثناء الليل، العمل، فيما يخص الحوامل اللائي يعشن في المناطق التي يتوطنها المرض بكثرة، على توفير جرعات وقائية من السلفادوكسين- البيريميثامين لتخليص المشيمة من الطفيلي بشكل دوري. الرشّ الثمالي داخل المباني من أجل القضاء على البعوض الذي يبقى في جدران البيوت وسقوفها. وتصيب الملاريا، بشكل مفرط، الفئات المحرومة والفقيرة التي لا يمكنها تحمّل تكاليف العلاج أو الفئات التي لا تستفيد من خدمات الرعاية الصحية إلاّ بشكل محدود، وتدفع بالأسر والمجتمعات المحلية في حلقة مفرغة من الفقر.
*كاتب وصحافي سوداني مقيم في الدوحة

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 877

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سليم عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة