المقالات
السياسة
الصوفية ليسوا إستثناء ..... أنصار السنة في ملعب (الويكيلكس)
الصوفية ليسوا إستثناء ..... أنصار السنة في ملعب (الويكيلكس)
05-10-2013 12:53 PM


انشغلت الاوساط السياسية والدينية والاعلامية خلال الايام الماضية بالزيارة الخاطفة والمفاجأة التي قام بها السفير الأمريكي بالسودان جوزيف استافورد للمركز العام لجماعة أنصار السنة بالسجانة وعقده للقاء نادر جمعه مع الرئيس العام للجماعة الشيخ إسماعيل عثمان تناول العديد من المحاور والقضايا بدءا من التطرق لعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالسودان ومرورا بدور أنصار السنة في المجتمع وانتهاء بتقديم هدية للضيف الأمريكي عبارة عن نسخة من المصحف الشريف وهو أمر رفع من وتيرة الإهتمام ودفع بها نحو مظان الجدل الفقهي الذي تزامن مع الزيارة وتعالت أصوات ناقدة للجماعة تتعلق بحرمة إهداء نسخ القرآن الكريم لكافر أو نصراني نظرا للحرمة وحكم الشرع في بطلان هذا الإتجاه لوضوح منطوق الآية القائلة (لا يمسّه إلّا المطهرون) فيما دافعت الجماعة عن موقفها بدفع وبسط أدلة وبراهين شرعية رجّحت رؤيتها المتمثلة في إمكانية إهداء المصحف لغير المسلم – إذا لم يدنسه أو يسئ إليه ...
وبالطبع فإن مصدر الانشغال بهذه الزيارة نابع من أهمية وضعية ومكانة الدبلوماسي الأمريكي من جهة ولتواصله مع الجماعة السلفية التي أصبحت ناشطة في المجالات الدعوية والإجتماعية والسياسية بشكل لافت من جهة ثانية ونظرا للتوقيت الذي جاءت فيه الزيارة فعلي صعيد السفير الدبلوماسي فإن الرجل ابتدر مؤخرا برنامج جولات ميدانية لعدد من مشائخ الطرق الصوفية وزار (مسايد) أهل السلسلة في أم ضوابان والكباشي وأبوحراز والسادة البرهانية في حراك أدي لانزعاج بعض أئمة المساجد بالخرطوم علي النحو الذي نادي فيه إمام وخطيب الجامع الكبير الشيخ كمال عثمان رزق الحكومة بتقييد حركة عميد السلك الدبلوماسي الامريكي وكذا الحال بالنسبة لمنبر السلام العادل الذي اعتبر برنامج الزيارات اختراقا لطبقات الطرق الصوفية ثم يتفاجئ الرأي العام السوداني باستقبال أنصار السنة للسفير الأمريكي بمقرهم بالخرطوم جنوب الأمر الذي يحمل مؤشرات دخول القوي الإسلامية للنادي الأمريكي ولتكون التنظيمات الدينية واحدة من إهتمامات امريكا التي كان ينحصر دورها وانشغالها في البلاد بالهم والشأن السياسي سواء علي صعيد الحاكمين أو المعارضين – مدنيين كانوا أم عسكريين - لكنها لم تبد أي تواصل مع القوي الدينية الناشطة في العمل الإسلامي إلّا مؤخرا ..
وربما يعود هذا الاهتمام بحسبان أن الحراك والصراع الديني في السودان شهد خلال الفترة الماضية تطورا في إتجاهه السلبي بظهور النزاع الطائفي والديني ممثلا في الصراع بين (الصوفية والسلفيين) كالصدامات والمواجهات الدامية التي وقعت بين بعض منسوبي الطرق الصوفية والسلفيين في أكثر من موقع والتطور في الخارطة الدعوية والمشهد الديني ببروز الصراع (السني - الشيعي) وتنامي الدور الإيراني بالسودان علي نحو عبّر عنه السفير الأمريكي بعد يوم واحد من لقائه بقادة أنصار السنة وقال إن الولايات المتحدة الأمريكية قلقة ومنزعجة لحد كبير للدور الذي تلعبه إيران بالبلاد ولقوة العلاقة بين طهران والخرطوم ومن تبعات الصراع الديني الذي يجعل أمريكا تبدي كثيرا من الإهتمام بالملف الديني هو صعود وتنامي التطرف الديني أو ما تعارف عليه دوليا بملف (الإرهاب) بظهور أذرع تنظيم القاعدة وواجهاتها الأخري كالسلفية الجهادية التي عبّرت عن نفسها في عدد من الأحداث كالذي وقع في ضاحية السلمة جنوبي الخرطوم 2007م بانكشاف خلية متطرفة تتبع لجهاديين كانت تنوي تنفيذ مخططات إجرامية تستهدف تفجير بعض المقار الدبلوماسية ومواقع القوات الأجنبية والأمم المتحدة وغيرها من المنشآت الإستراتيجية والحيوية بعد أن وجد في حوذة المجموعة متفجرات وعبوات ناسفة معبأة وجاهزة للإستخدام غير أن السلطات استطاعت توقيف وتفكيك الخلية قبل تنفيذ مشروعها ثم تلي ذلك وقوع عملية إغتيال موظف المعونة الأمريكية (اليوسيد) جون غرانفيل في مطلع رأس السنة الميلادية ليلة الإحتفال بأعياد المسيح بالخرطوم في العام 2008م ثم اختفاء القتلة الذين تم القبض عليهم بعد فترة طويلة ليتم إصدار حكم الإعدام في مواجهة الجناة لكن قبل تنفيذ عقوبة الإعدام يتفاجأ العالم كله بهروب المدانين صبيحة العام 2011م في عملية نوعية نادرة ظهرت فيها بصمات تنظيم القاعدة وبعدها وصول الهاربين للجنوب الصومالي ليقاتلوا جنبا إلي جنب مع حركة الشباب المجاهدين بالقرن الإفريقي ثم أخيرا وصول السلطات الأمنية لمخبأ ووكر خلية حظيرة الدندر الجهادية في خواتيم شهر نوفمبر من العام 2012م وهو إمتداد نوعي ومتطور لخلية السلمة حيث تم ضبط متفجرات ومفرقعات وأسلحة ثقيلة وأجهزة حاسوب كانت تنوي المجموعة القيام بعمليات إغتيال لعدد من الدبلوماسيين الأجانب وبعض الدستوريين في الحكومة وتفجير مقار بعض البعثات الدبلوماسية والقوات الأجنبية بجانب نيّة بعض أفراد الخلية للهجرة إلي مالي وتفويج شباب آخرين للصومال ..
فالشاهد أن هذه التطورات في مستوياتها الدينية والدعوية جعلت الحكومة الأمريكية تبدي إهتماما منقطع النظير بالشأن الديني بالبلاد وهو أمر كان غائبا من أجندة وسجلات واهتمام الإدارة الأمريكية بالجماعات الإسلامية والطرق الصوفية والبيوتات الدينية علي النحو الذي حدث مؤخرا ونزولها بثقلها والاتجاه صوب هذه التنظيمات وربما يتواصل برنامج الزيارات ليشمل واجهات دينية أخري بالعاصمة والولايات وقد يصل لحد توجيه أمريكا دعوات لرجال الدين والدعوة لزيارة أمريكا نفسها هو أمر غيرمستبعد ..
أمّا علي صعيد أنصار السنة فإن استقبال الضيف الأمريكي يعكس نوعا من المرونة والإنفتاح والتطور الذي طرأ علي ساحة الجماعة السلفية التي عرفت باحتفاظها بعلاقات دبلوماسية مع بعض دول الخليج العربي كالكويت والسعودية وقطر ليقفز سلم العلاقات بشكل أوسع لا يستثي حتي أكبر قوة في العالم وهي أمريكا وهو أمر يضيف للجماعة مزيدا من المنجزات والمكتسبات وهو ما عبّر عنه الرئيس العام للجماعة الشيخ إسماعيل عثمان حينما قال إنهم سعدوا بهذ الزيارة التي منحتهم فرصة نادرة لتوصيل صوتهم لصناع القرار في واشنطن وذكر الشيخ إسماعيل عثمان أن اللقاء بالسفير الأمريكي استعرض الحديث عن الإرهاب والتطرف الديني وإدانة الجماعة لعمليات التفجير التي حدثت في بعض البلدان الغربية والاروبية وأن الإسلام دين تسامح وتعايش ودعا شيخ السلفيين أمريكا للعب دور أوسع وأكبر لصالح عملية السلام بالسودان ..
بيد أن الزيارة ومن جهة أخري وجدت إمتعاضا وعدم ارتياح داخل التيار السلفي الجهادي وربما داخل أنصار السنة أنفسهم نظرا لإقدام الجماعة تسليم (مصحف) للسفير الأمريكي وظهور الجدل الفقهي حول مشروعية هذه الهدية الأمر الذي قد يحدث مضاعفات سالبة علي ساحة الجماعة لاحقا أو في المستقبل القريب وهو جدل يتشابه مع ما حدث من قبل حينما زار الوزير السلفي محمد أبوزيد مصطفي حينما كان يشغل حقيبة التربية والتعليم حيث ذهب الرجل علي رأس وفد حكومي لتقديم التهانئ للمسيحيين في ولاية بحر الغزال ودخوله للكنيسة الكاثوليكية بحاضرة الولاية (واو) بمناسبة أعياد الميلاد الأمر الذي أوجد وخلق نوعا من السخط والإحتجاج إلّا أن الوزير السلفي رد مدافعا عن موقفه بأنه اسمع المسحيين بالجنوب (كلام الله تعالي) وهو ذات ما ردده الشيخ إسماعيل عثمان في خطبته الجمعة الماضية بمسجد المركز العام بالسجانة قائلا (أهدينا للأمريكي المصحف وأسمعناه شئيا من كلام الله تعالي ونرجو أن يدخله الله في الإسلام) ..
ومن الملاحظات في هذه الزيارة حديث الجماعة السلفية أن طلب زيارة السفير الأمريكي كان قبل إسبوعين من توقيت الزيارة الرسمي وهذا يحمل إشارات مهمة للغاية تعني ابتداء أن الجماعة أجرت سلسلة من المشاورات والاتصالات شملت ثلاثة حلقات ذات صلة بهذه الخطوة أولها حاولت إحداث توافق داخلي عبر قيادتها التنفيذية لاتخاذ قرار يتم بمقتضاه الإستجابة للطلب الأمريكي وكذلك هذا يعني بالضرورة أن الجماعة وجدت ضوءا أخضرا من الحاكمين بقيام الإجتماع بين قيادة أنصار السنة والسفير الأمريكي فالجماعة وهي حليف للحزب الحاكم ولحساسية القضية وتعقيداتها وما قد تخلفه من تداعيات وردود أفعال لا يمكن للجماعة أن تتخذ قرار إستقبال الضيف الأمريكي دون إذن السلطات القائمة أمّا الطرف الثالث فهو السعودية التي تعتبر أكبر دولة مساندة وداعمة للجماعة السلفية السودانية بجانب الخطوط والمواقف والأفكار التي تجمع السلفيين بالسعودية هذا من جانب ولعلاقة الجانب السعودي بالإدارة الأمريكية من جانب آخر خاصة الموقف من ملف الإرهاب والتطرف الديني وكذلك التوافق حول مخاطر الشيعة بالسودان وهو (هم) تشاركهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية التي تتخوف من تمدد الدور الإيراني في المنطقة عموما والسودان علي وجه الخصوص وفي هذاالصدد لايمكننا التغافل أو تناسي إنعقاد جلسات مؤتمر (الشيعة بالسودان المهددات وسبل المواجهة) بقاعة الصداقة بالخرطوم - التي انتهت فعالياته قبل عدة أيام وكان بعض ضيوفه من دعاة دول الخليج العربي بجانب مشاركين من تنظيمات سلفية أخري بالبلاد وهنا يبرز (تحد) يواجه الأمريكان يتمثل في كيفية وزن المعادلة بحيث أنها لا تختل في قدرتها علي (لم) المتناقضات فهي أبدت حرصا في انفتاحها علي المكوّن السلفي السوداني لكي تستفيد منه وتوظفه كحائط صد يمنع الشيعة من التغلغل والتمدد بالبلاد وفي المقابل قد لا تضمن أن نمو وتصاعد التيار السلفي في الساحة السودانية قد يولد التطرف الديني ويزيد من رقعة ودائرة التشدد والإرهاب وتفريخ الجهاديين ولا زالت ذاكرتها حيّة وهي تشاهد كيف أن الجهاديين تسوّروا أبواب مبني سفارتها بسوبا وحرقوا أعلامها وهتفوا بموتها في منتصف شهر سبتمبر من العام الماضي بعد ظهورالفيلم المسئ للنبي صلي الله عليه وسلم ؟ هنا يكمن التحدي الذي سيلاحق أمريكا التي شيّدت أكبر سفارة بالسودان علي مستوي القارة الإفريقية لتحقيق الكثير من الأجندة ولا يمكن لها ذلك في حالة تجاوز التيار السلفي الذي أوجد لنفسه مساحة واسعة وكبيرة في الخارطة السياسية والإعلامية والدينية والاجتماعية فكان لا بد من زيارة استكشافية تصل حتي عتبات المركز العام لانصار السنة بالسجانة وعبر مراسلات ومكاتبات تحفظها وتدونها وتسجلها السفارة الأمريكية بالخرطوم وتصبح فيما بعد مستندات ووثائق علي صفحات الويكيليكس ومن هذا المدخل كان اللقاء النادر الذي جمع بين عميد السلك الدبلوماسي الأمريكي جوزيف استافورد وعميد السلفيين إسماعيل عثمان ..!!
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1836

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#662113 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2013 12:44 PM
مقال ملفت للنظر.

أعتقد ان سبب الاهتمام الامريكي بجماعة انصار السنة هو :
1. اتضح لهم بعد زيارة الطرق الصوفية رجحان احتمال تراجع مكانة الطرق الصوفية بين الشباب
2. ان السلفيين هم الاكثر حماسا لصد التوغل الايراني الشيعي في السودان
3.تراجع شعبية و مصداقية الاخوان " ممثلين في المؤتمر الوطني" سيفتح الابواب امام الجماعات الدينية الاخرى و من ضمنها انصار السنة


الهادي محمد الأمين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة