المقالات
السياسة
الإنتباهة وجدل القمة
الإنتباهة وجدل القمة
05-11-2013 07:40 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

أُثيرت خلال الفترة القصيرة الماضية مسألة مقاطعة صحيفة الإنتباهة، وتباينت ردود الأفعال حول تلك المسألة كما هو متوقع، كغيرها من المسائل او القضايا التي يستحيل أن يتفق عليها كل الناس، مرة واحدة وبدرجة واحدة، بما فيها الرسائل السماوية، أي في كون مصالح العباد متباينة و متعارضة او قائمة علي المنافسة و المدافعة والتصورات المتضاربة، والتي قد تقود الي صراع وإقتتال حسب درجة التطور والوعي، ووجه التباين في مسالة المقاطعة، كما يبدو يرجع في الأساس الي الخلفية او المنظور الذي ينظر به الطرفان الي المسألة. والملاحظ أن الرافضين للمسألة ينطلقون ليس من موقف إيجابي او قناعة بخط الإنتباهة الصحفي، او ما يصدر عنها من مواقف معلنة تلتزم ذاك الخط في معظم القضايا المطروحة، وهذا إذا لم تطرح او تخلق الصحيفة نفسها قضايا جدلية إنصرافية تقيم البلد ولا تقعدها! والرافضون لدعوة المقاطعة ينطلقون من وجهة نظر محترمة ومقنعة كما أعتقد، وهي عدم فرض الوصاية علي القارئ/المتلقي/المجتمع وترك الخيار له/لهم في، أن يحددوا مادتهم وموقفهم بحرية تامة، و ذلك ليس من أجلهم فقط، وهم بالطبع يسستحقون ذلك بل أكثر منه، ولكن لأنه يتسق مع دعوة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان...الخ التي تنادي بها التنظيمات والمنظمات المعارضة، للحكم الشمولي والعسكري والإضطهاد وغيرها من أمراض الإستبداد، وعلي رأسها الجهات الداعمة للمقاطعة. وهذا إذا إستبعدنا سوء الظن بالجهات المقاطعة، بوصفها واجهة للصحف المنافسة التي تتضرر من رواج صحيفة الإنتباهة، كما ألمح بعض الرافضين وأعتبروها فرصة للإصطياد في الماء العكر! كأن هنالك منافسة شريفة حقيقية في الوسط الصحفي، تحتضن كل الصحف بصدرها الدافئ وتحيطها بسياج من العدالة! ولا يوجد تمييز(دلع وتدليل واضح) لصالح الإنتباهة فيما يخص الإعلانات، وإبتعاد سيف الرقيب عن ملامسة عنقها وعدم تعكير صفوها بمزاجه المعتكر وطبعه الأرعن، وعدم الحجب عن الصدور، الذي قصم ظهر وأقض مضجع كثير من الصحف الأخري، وكبدها خسائر ضاعفت من فقرها(المعاند والمصادم) وأوجاعها الظاهرة والخفية!
نبدأ بموقف الرفض ثم نعود لموقف المقاطعة، وكما أسلفنا فأن موقف الرفض ينطلق من أرضية مقنعة بل ومحترمة أي عدم فرض الوصاية علي القارئ/المتلقي، ولكنه بدوره يثير قضية أكثر جدلاً، وهو فعل الكتابة نفسه، فهو يحمل شبهة الوصاية علي القارئ/المتلقي، او يدعوه لتبني وجهة نظر الكاتب بوصفه أقدر/أعلم/أكثر دراية، وفي أحسن الأحوال فهو عليم بمصلحة القارئ وأقدر بالدفاع عنها منه، والقارئ يتحول بدوره وفي أحسن الفروض الي طاعة الكاتب الوصي(الخفي او غير المعلن) والتسليم له بذاك الحق، وفي أسوأ الفروض رفضه ورفض إنتاجه ومن ثم التحول الي أحضان كاتب آخر او وصي آخر أكثر إقناع او تعبير عن همومه، أي هنالك تداخل بين الذاتي والموضوعي في فعل الكتابة، لدرجة يصعب فصله وتحديد الفواصل، بصورة وأضحة تساعد علي التميز بينها! ولكن هذا الجدل نفسه سيظل مرتبط بفعل الكتابة ولن يتم حسمه إلا في حالتين، إما بإلغاء فعل الكتابة نفسه، وهذا مستحيل لأنه جزء من حوجة الإنسان بوصفه كائن عاقل ومعقلن لأدوات حياته! أو إلغاء الإنسان نفسه! وهذا بدوره أكثر إستحالة لأنه ببساطة يعني الفناء، وبالتالي إنعدام الجدل نفسه! وذلك لأن السبب في الأساس، يرجع الي أن فعل الكتابة نشاط إنساني، وتالياً يخضع لشروط الإنسان رغباته قناعاته مصالحه وعيه جديته ...الخ ومهما كانت درجة حيادية وصدق ونزاهة الكاتب، لابد من إختلاط العوامل السابقة داخله، وتأثره بها وتفاعله معها، لتعبر في النهاية عن الكاتب، الذي هو بدوره يتغير من موضوع الي موضوع ومن فكرة الي فكرة ومن موقف الي موقف، أي هو نفسه في حالة تحول مستمر بوعيه او دون وعيه، طالما أنه يكتسب كل يوم معرفة او علاقات او رغبات وبالمقابل يفقد مثلها. ولتشعب المسألة ولصعوبة حسمها، يتم اللجوء لوضع معايير تقارب بين الكتابة او النشاط الإنساني ككل من جهة، والمصلحة العامة المتصورة خلال الفترة التاريخية المعينة من الجهة المقابلة، بوصفها هي الأخري متبدلة ومتغيرة باستمرار، ولذلك تتبدل وتتغير معاييرها وهكذا تستمر مع إستمرار الحياة. والمقصود هنا معايير صحفية إعلامية وطنية أخلاقية وكلها متداخلة، ولكنها نفسها تخضع للجدل، ولكن حصول المعيار علي أعلي درجة من القبول، ومردوده العملي (الخيِّر) علي الواقع يدل علي صدق المعيار أو علي الأقل صلاحيته. ولكن المقصود بصورة أوضح مما ذكر أعلاه، ليس وضع حلول لحسم الجدل بين أنصار المقاطعة والرافضيين(الرافضة)، فالجدل في حد ذاته فعل صحي ويثري الساحة كما أشرنا سابقا، ولكن لمقاربة الجدل لنقاط إلتقاء او إختلاف متمايزة، وهي نفسها متروكة للآخرين ليقرروا بشأنها أي مسألة مفتوحة. لذلك نعود لموقف المقاطعة، والذي أعتقد أن سببه الحقيقي، ليس مصلحة صحف منافسة كما يبدو للبعض، ولو أنها قد تستفيد منه بشكل او بآخر، ولكنه يصدر من مواقف سياسية تختلف مع خط الصحيفة نفسها، وخط الصحيفة لا يختلف كثيرا او يختلط بصورة كبيرة بمواقف السيد الطيب مصطفي الجدلية! أي ان مواققف الطيب مصطفي السياسية والأيديولوجية التي تحركه، تمثل الجو العام الذي تعمل فيه الصحيفة ويوجِّه خطها ويعمل فيه الصحفيون المنتمون لها، وبمعني آخر أن الطيب مصطفي لا يمثل صحفي فقط، ولكنه صاحب مشروع وطموح سياسي من ناحية، ومن الناحية المقابلة يمثل رجل أعمال أو مدير وصاحب مؤسسة، يؤثر بصورة مباشرة او غير مباشرة علي العاملين بمؤسسته، بإعتبار أن إرضائه يمثل مزيد من الإستقرار والترقي في العمل، وكسب مزايا إقتصادية ومعنوية وإدارية لكل الطاغم العامل معه/له او المتعاون مع الصحيفة! وهذا السبب بالذات يفقد الصحيفة كثيراً من مصداقيتها ومهنيتها وحيادها وإستقلاليتها، مما يقلل من القيمة الإعلامية والوطنية(الخالصة) المنوطة بها، ويقلل من التنوع الذي يُثريها ويسمح بتلاقح الأفكار داخلها، وبالتالي تتيح مجال أكبر للرأي والرأي الآخر المختلف المضاد(دليل علي ذلك رفض نشر مقال للدكتور القراي يرد فيه علي الدكتور وقيع الله في موضوع سجالي بينهما، كما ذكر الدكتور القراي في مقال منشور، وكعادة الدكتور القراي فمقاله المذكور تميز بالعمق والشجاعة التي تسم كتاباته، وأعتقد ان مثل هذا المقال/الرد كان سيصحح كثيرا من المعلومات والمواقف لدي قارئ الإنتباهة، او علي الأقل سيشكك القارئ في تقبله المجاني لكل ما يصدر من كتاب الإنتباهة، أي تمنع تحوله الي بوق يردد مقولاتها/هم!) وفي هذا أكبر مصلحة للقارئ، وفيه تدريب لذهنه علي التعامل مع المتناقضات والتعايش معها، وتاليا زيادة مساحة تقبل الآخر المختلف في داخله، إضافة الي أنها تمكنه من بناء موقف نقدي خاص حيال الآراء المطروحة، يتجاوز به حالة الإمعة الإنتباهية او (الخمة) السياسية، والمحصلة بناء الذات المستقلة القادرة والفاعلة، وهي المؤهلة بدورها لحمل لواء التغيير المنشود. ولكن هذه المسألة نفسها أي تاثير صاحب الصحيفة او ممولها علي مصداقيتها ودورها الوطني، ودفاعها عن مصالحه بصورة أساسية ومن ثم التفكير في أشياء أخري، هذا ما لا يمكن إخفائه او قسره علي بلد محدد او جهة محددة او فترة محددة، بل هو أمر مرتبط بنشأة الصحف وإستمراريتها ولو بدرجة أقل سفور في الدول الأكثر حرية وديمقراطية ومشاركة في التمويل، ولكن ما يضعف موقف الإنتباهة أن هنالك، ما يمكن تسميته جراءة(قوة عين ورجالة!!) في تأثير صاحب الصحيفة ومالكها (غصبا عن المنبر المزعوم) علي أجوائها وخطها، ويظهر ذلك بوضوح في اسلوب جزء معتبر من كتابها، الذي يحاكي اسلوب الطيب مصطفي، الذي يمكن وصفه ب(اسلوب قومة النفس الصحفي) فهو علي طول الخط متعصب ومتشنج و(متنرفز) وعموده عبارة عن (شكلة) يومية، وفي معظمه موجهة للحركة الشعبية واحيانا المعارضة او مواقف مرتبطة بهما (متخصص شتائم ونبذ وإساءة، وفي الحقيقة انا غير متابع لصحيفة الإنتباهة وأرجع لها في مواطن قليلة، وذلك ليس تشكيكا في مقدرة كتابها ولكن بسبب اسلوبها وخطها، وهذا لا يضيرها في شئ أو ينقص منها قارئ ولكن القصد انها ملاحظات عابرة). إضافة الي أن النفس العنصري في كتابة الطيب مصطفي لا يخفي، حتي لمن بعينه رمد وفي فمه ملعقة ذهب أوفي نفسه مصلحة مرتجاة مِن مَنْ يساندونها في العلن والخفاء! وأيضا التعامل مع المختلفين معه، كأعداء يسعون لتخريب البلاد وإفساد العقيدة، بوصفه حامي حمي البلاد والعقيدة! فهو المخول للدفاع عنهما! وعندما نتحدث عن الطيب مصطفي، فنحن نتحدث فعليا عن خط الصحيفة! وعموما الصحيفة تمثل حالة عصابية إعلامية! فهيي متوجسة من الآخر(الشريك في الوطن) كاره له، ودائما في حالة هجوم بكل الأسلحة اللفظية حتي المحرمة منها وطنيا ودينيا، وتعيش إحساس الخطر والإجتثاث من فوق الأرض، لوجودها ومصالحها وفي الحقيقة مصالح القائمين علي أمرها! ولذلك نجدها إن لم تجد معارك شخصية او صحفية! فهي تسعي لإيجادها من العدم! أي لا تقوي علي العيش خارج بيئة الصراع! أي هي عبارة عن كائنات او مخلوقات صراعية! تتغذي علي المخالفة والمعاكسة والخراب والقدرة المبدعة علي إبتكار الأعداء! او تَخيُلهم ومن ثم التعامل مع هذا الخيال كواقع! وتنخرط فيه بكل طاقاتها من الكراهية وحب الذات المتفوقة حسب ذهنهم/نفسيتهم المأزومة! والأهم أنها فارضة وصايتها علي كل البلاد والعباد، وتتحدث بإسمهم كطلاب داخل فصلها، وتعتبر المختلفين معها طلبة مشاغبين، يستحقون الفصل او القتل حسب الجرم! بوصفهم مارقين من الملة الدينية والوطنية، التي تعتنقها وحدها وتعلمها وحدها وتقسمها علي الآخرين أو تحرمهم منها وحدها! بوصفها/كتابها أنقياء أطهار دينيا/أخلاقيا عظماء/مفكرون/مجاهدون صحفيا وسياسيا! وساعدهم علي هذا التصور النرجسي، التقارير والإستبيانات مجهولة المعايير، التي تصدر وتؤكد أن الصحيفة تحتل المرتبة الاولي، في قائمة الصحف الاكثر مبيعات والأعظم تأثير، والأكثر قبول لدي القارئ المحلي(نحمد الله أنهم تواضعوا و إكتفوا بذلك!).وهذا بدوره يقودنا لمدخل آخر وهو حقيقة هذه الإستفتاءات ومعاييرها من جهة، ومدي مصداقية هذه المعايير في التعبير عن دور الإعلام الحقيقي من الجهة الأخري، أي واجبه كجهة تنويرية تقود الجماهير الي مستقبل أكثر حرية ومشاركة وإشباع مادي وروحي، وتراعي مصالحها وتدافع عن همومها وتتفاعل مع متاعبها الآنية ومشاكلها اليومية، وتقوم بتقديم المبادرات التي تحد من الصراعات، وتساهم بجد في تهيئة البيئة السلمية لمعالجة الإشكالات المعقدة في الوطن(وما أكثرها في السودان، المصادر من مواطنية) وتسعي بأقصي طاقاتها في دفع جهود السلم الاهلي، وتقود الجماهير برفق للتعاطي الإيجابي مع القضايا الداخلية اولا ثم الخارجية! من منطلق عقلاني تحرري وإنساني، إذا صحت هذه الواجبات او المهام كجزء من الدور المنوط بالإعلام إنجازه، او وجدت أتفاق وقبول لدي البعض، فهل يمكن إعتبارها جزء من المعايير التي يقاس بها دور الصحيفة، أي ما تقدمه للوطن من معالجة لقضاياه والمواطنين من توجيه او تنبيه يصب في ذلك الإتجاه، أو تعمل كوسيط بين السياسيين بوصفهم مهتمين بإمور الحكم وإدارة دولاب الدولة من جهة، والمواطنين الذين يقع عليهم نتاج وعبء تلك الممارسة السياسية من الجهة المقابلة! وبالتالي تقوم بمقام الميزان الذي يراعي التوازن بين السياسة كفعل وإستجابة المواطن كرد لذاك الفعل، ليصب كل ذلك في حالة إستقرار البلاد، ومن ثم إتاحة الفرصة لها للإنطلاق الي الأمام لا تلوي علي شئ! أم المقياس يعتمد فقط علي حجم المبيعات! وبإفتراض التصديق والمبادرة بتقديم حسن النية، بإعتبار المشتري/القارئ واعي بذاته ومقدراته، والدليل إقدامه علي فعل القراءة نفسها وهو فعل واعي ومبادر، ولكن كل ذلك يغفل جانب مهم، إذا لم يكن الأكثر أهمية، وهو قد لا يتعلق بنوعية القارئ مباشرة، ولكنه يتعلق بعملية التسويق! والمقصود أن حجم المبيعات، قد لا يعتمد بالأساس علي جودة الصحيفة من منظور صحفي او وطني او أسلوب عمل الصحفيين بها، او بسبب التمسك بقيم الدين التي تعلن الصحيفة التمثل بها! ولكنه يعتمد بشكل رئيسي علي فنيات التسويق!(وهي شطارة بميزان البحث عن الأرباح بكل الوسائل) بوصف الصحيفة مؤسسة إقتصادية في بعض جوانبها! وللتدليل علي ذلك حتي في المجتمعات الغربية، وهي أكثر تقدم ووعي في اللحظة التاريخية الراهنة وأكثر عراقة صحفية(وسبب التقدم والوعي الذي يسبقون به الآخرين، يرجع لمناخ الحريات والأوضاع الإقتصادية الجيدة والتقدير الخاص لحقوق الإنسان ..الخ، وليس لأنهم يملكون عيون زرقاء وبشرة بيضاء وذكاء فطري وجينات عبقرية تتزاحم في خلاياهم! أي ليس بوصفهم غربيين فقط! لأن نفس هذه الظروف لو أتيحت للآخرين لقاموا بنفس الإسهام ولا نقول أفضل أو أقل! أي القضية مرتبطة بالظروف التي تحيط بالإنسان بوصفه إنسان فقط، وهنالك غربيين فيهم غباء وسذاجة تثير السخرية والألم! ولكن ذلك لا يمنع الإعتراف لهم بالأفضلية والأسبقية الراهنة، وأن يُكن أكبر قدر من الإحترام والتقدير لنخبهم وأجيالهم السابقة، التي مكنتهم من الإستمتاع بهذه اللحظة الراهنة، وإمتلاك زمام الإمور الكونية وتسخيرها لمصلحتهم اولا، وما فاض عن الحاجة يمكن أن يجد فيه الآخرون نصيب(وفي هذا وجه إعتراض)! وذلك بعد أن خلصتهم من قدر هائل من الحروبات والخصومات والصراعات العبثية، ويمكن أن يحدث ذلك في كل منطقة من العالم، بما فيها منطقتنا المبتلي بمتلازمة الإستبداد/الفساد، إذا توفرت لها نخب وأجيال تحمل قدرٍ عالٍ من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، وتتميز بحسن التدبر والتدبير وسعة الأفق والبال، وقبل كل شئ إحترام إنسان بلادها.) المهم نجد أن صحف الإثارة في تلك البلدان، التي تهتم بنجوم الرياضة والفنون والشخصيات العامة بما فيها السياسيين، وتسليطها للضوء علي قضايا شخصية وأحيانا مواضيع وإهتمامات سخيفة و مخجلة(قد تتناسب مع ذوقهم وتقاليدهم)، هي الأكثر رواج ومبيعات، من صحف ومجلات أكثر رصانة وجدية، وتقيِّد بمعايير مهنية في غاية الإنضباط ويبذل في تحريرها جهد خارق. أي ان إرتفاع مبيعاتها يرجع لإستهدافها قضايا الإثارة، والقضايا الأكثر حساسية! وهي علي مر التاريخ كانت أكثر جذب لكتل الجماهير العريضة! وعند رؤية كل ذلك بالمنظور الشامل، أي تحول العالم الي الحياة الإستهلاكية السهلة السريعة، والإنغماس في المتع الفردية، والسعي للحصول علي أعلي الأرباح باقل مجهود وفي أقصر زمن، وإزدهار أسواق المال البورصات وشركات الدعاية والإعلان، وتحكمها ليس في الأسواق والمنتجات فقط، ولكن حتي في أذواق المستهلكين، وأحيانا تدفعهم لشراء أشياء هم في غني عنها! وتُصَوِرها كأنها أشياء لا يمكن البقاء من دونها!! وبإستصحاب هذه الموجة الإستهلاكية الدعائية الإعلانية العالمية، يمكن معرفة سبب تقدم صحيفة مثل الإنتباهة علي صحف أخري، أكثر تمسك بالمعايير المهنية، وألصق بهموم المواطن وأصدق في التعبير عن مخاوفه وطموحاته، وتصدرها المتتالي للقائمة الصحفية! خاصة وان القائمين علي أمرها، ينتمون فكريا ونفسيا وإقتصاديا للراسمالية الطفيلية الإسلامية! التي تعتاش علي السمسرة والمضاربات والتهرب الضريبي والإعفاءات التنظيمية من أي مسؤولية! ولا تقوي علي الإستثمار فيما ينفع الناس من المشاريع الزراعية والصناعية العملاقة، ووسائل نقل الجماهير والبضائع الأقل كلفة والأكثر منفعة(سككك حديدية مواني بحرية طيران وطني) وتجويد العملية التعليمية..الخ، وأعتقد أن السبب يكمن، في غياب المعرفة او سوء النية او الجهل التام بمفهوم التنمية الشاملة، التي تتمحور حول الإنسان كغاية سامية، علي المستوي العقلي والنفسي لديهم، وذلك لإنشغالهم بمشاريع طوباوية وهمية مخلوطة بمصالح ذاتية آنية، وتركهم للواقع الفعلي نهبا للتنظيرات الرغبوية والبرامج التي تحمل بذور فشلها في أحشائها، والعناد والغرور في الإستمرار بتنفيذها، غصبا عن مصالح المجتمع و قوانين المنطق والواقع التي ما فتئت تكذبها وتسفه من يقف وراءها، ولكن لا حياة (وحياء) لمن تنادي.إضافة الي غياب التواضع والإحترام للجماهير ومشاركتها همومها! بل هي حريصة علي إدامة الأوضاع كما هي عليها، او زيادتها سوء كما يحدث الآن! وذلك لأن دورها لا يتمثل في خدمة الجماهير، ولكنه يعمل بجد علي إستغلالها، ومص دمائها وفائض إنتاجها الشحيح! وجعلها في حالة دونية مستدامة، وحوجة دائمة للطبقة الطفيلية الإسلامية الجشعة المستعلية! التي لا تطيب لها الحياة إلا وهي في مركز الأفضل من الآخر(الشريك غير المعترف به في الوطن)، والمتفضلة عليه بسبب تَديُنها العالي او الشديد، والذي يدعوها للتفضل علي الفقراء والمساكين حسب تفسيرهم! وليس الي إزالة اسباب الفقر والمسكنة وتوابعهم الخطيرة كما أعتقد! لذلك لابد من وجود هولاء المساكين والفقراء، وفي حالة العدم لابد من إيجادهم وخلقهم، لتستقيم الإمور في نظرهم وليلاءم طبعهم الإستعلائي المريض، وللأسف نقلت الراسمالية المتأسلمة جزء من أمراضها وعاهاتها الي البلاد وبعض العباد ولا حول ولا قوة إلابالله.
والخلاصة أن مسألة الدعوة للمقاطعة من منطلقات وطنية تحد من توزيع الإنتباهة! مبررة ومطلوبة! بوصف الإنتباهة تستثمر في الكراهية والصراعات والحروب والفتن، إضافة الي أن تناولها للقضايا والإشكالات التاريخية الحساسة، ليس بتعقل يدعو لحلها بصورة ودية، وتحويلها الي ممسكات للبناء الوطني الآيل للسقوط! ولكن بتفجير تلك القضايا الحساسة(القبيلة/الدين كنماذج)، وحشد جهة ضد جهة وفريق ضد فريق، والتكريس لحالة الآخر العدو! لأن كل ذلك يصب في جيب منفعتها الخاص، لأن الصحيفة بذلك تتحول لساحة تدار من فوقها المعارك القبلية/الدينية والأزمات الوطنية من منطلقات ضيقة ومرحلية قصيرة النظر، وجميعها بشكل او بآخر تخص المشتري/القارئ للصحيفة، ويجد فيها شئ من مخاوفه ومخاوف مستقبل أبنائه، وتصويره كأنه مستهدف في نفسه وماله وعرضه ودينه ووطنه، وأن الصحيفة هي من يدافع عن تلك المخاوف (المصطنعة بيدها هي نفسها!). ولكن فعل المقاطعة يجب أن يستصحب معه، مخاوف فرض الوصاية علي المشتري/القارئ للصحيفة، لأن فرض الوصاية نفسه لا يقل خطورة عن ممارسات صحيفة الإنتباهة الوصي الأكبر! أي يجب رد الثقة والإعتبار للمشتري/القارئ للصحيفة وعدم التعالي عليه، وتخليصه من حالة الإرهاب ورهاب الخوف من الآخر شريكه في الوطن والمصير والمستقبل، وكشف الأوهام والخزعبلات والتجهيل التي تزرعها وتتعهدها بالسقيا والرعاية فيهم صحيفة الإنتباهة! أي نزع أجواء الفتنة وسوء الظن بالآخر من نفوس الكافة، لأنها البيئة التي تحيا وتستثمر فيها الإنتباهة، وبالتخلص من هذه البيئة تموت الإنتباهة تلقائيا، كظاهرة تعبر عن مرحلة أزمة وطنية شاملة وإنهيار قيمي وأخلاقي وصعود للفاقد الوطني والإنساني! وعلي الرغم من صعوبة ذلك بفعل العوائق المادية والسياسية والأمنية التي تلعب في صالح خط الإنتباهة، وتعادي الإتجاه الآخر مما يضاعف من مسؤوليته، إلا أنهم قادرين علي فعل ذلك، علي الأقل لأن الحق في جانبهم، وسلطة الحق لا تقهر، مهما طال زمان الباطل وكثرت معيناته وزاد أعوانه! لأن الباطل كان زهوقا ورعديدا وجبانا!
قبل الوداع:
نسألكم جميعا أن تترحموا علي روح زميلة عزيزة سابقة، أتاني خبر رحيلها الصاعق، ليجدد فينا أحزان رحيل الخيِّرين في بلادنا التي لا تشكو من قلة الأحزان! وأظن أن نفوسهم السامية وأرواحهم الطاهرة، لا تقوي علي مجاراة إيقاع الفواجع التي طابت لها المقام في بلاد فقدت القدرة علي الإحتمال! وقد كانت المرحومة وطنا رحيما في زمانٍ ضاع فيه الوطن في الزحام! ولكن عزاءنا أن ذكري روعتها وطيبتها وسماحة نفسها، التي تفوح بعطرها الطيب في كل مكان كانت تقيم فيه او إنسان تعرفت به، تؤكد علي أن زهرة وحيدة فواحة، قادرة علي ترطيب سماء من الهجير،وصد جيوش من سدنة الخراب، في واقعٍ أليم مفروض بقوة السلاح! اللهم أغفر لها وأرحمها وأحسن إليها، وألهم ذويها الصبر وحسن العزاء، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.



عبدالله مكاوي
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1146

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#663179 [اباذر على]
0.00/5 (0 صوت)

05-12-2013 03:59 PM
الانتباهه تمثل اكبر عار وسقوط وتعبر عن مدى الانحطاط الذى وصل له السودان لكنها تتحدث بلسان المجموعه الحاكمه حاليا ونظرتهم للسودانيين \ولكنها محطه عاديه فى طريق الانيهار الشامل للسودان \اخر شى خرج به علينا احد كتاب الانتباهه يستنكر تسميه جامعه باسم الخلفيه عبدالله خليفه الامام المهدى رحم الله ابو عثمان شيخ الدين حتى التاريخ لن يسلم منهم لان كل شى عندهم يخضع لى انتماءك الاثنى والجفرافى حسب موقعك شمال الجيلى او جنوب الجيلى (من الجيلى لا عند دامر المجزوب)


#662586 [Dos]
0.00/5 (0 صوت)

05-12-2013 12:07 AM
من الذي حّدد ان (الانتباهه) الاكثر توزيعاً ؟؟؟
صاحبهاً ؟؟؟
الجمهور ؟؟؟
منو ؟؟
هناك منظمه عالميه معروفه وهي ( منظمة BPA العالمية للتحقق من الإنتشار والتوزيع ) التي تعد مرجعا من مراجع الصناعة العالمية في مجال التحقق من
بيانات الجمهور والتوعية الإعلامية وتقوم بعض الصحف الكبرى ذات المصداقيه بالانتساب لهذه المنظمه وتلزم نفسها تبعا لذلك بشفافية تامة في نشاطها التجاري

يعني الحكايه ليست (حنك) وخلاص .


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة