المقالات
السياسة
العقد الاجتماعي الطريق لحل المعضلة السودانية 1-6
العقد الاجتماعي الطريق لحل المعضلة السودانية 1-6
05-13-2013 03:46 AM


تنبيه: هذا المقال قد تم نشره أولاً في يناير العام 2012م، ثم أدْخَلتُ فيه بعض الإضافات وقدمته في مؤتمر الجبهة السودانية للتغيير الذي عقد في القاهرة في الفترة من 8 إلى 10 إبريل من هذا العام، والآن طلب مني نفر كريم من الأصدقاء أن أعيد نشر هذا المقال مرة أخرى، لما يرونه من فوائد يمكن أن يجنيه القارئ السوداني، فالشكر لهم مع خالص الأمنيات الطيبة للشعوب السودانية. أبكر أبوالبشر.
المقدمة:
الحالة التي وصل إليها السودان اليوم تجعلنا نقول أننا في السودان لا نجيد قراءة دروس الماضي القريب وبالتالي نفتقر لقاعدة نموذج تماسك الوحدة. وهذه المعضلة تتطلب إعادة النظر في مواقفنا الوطنية تجاه دولتنا السودانية وذلك عن طريق مراجعة دروس الماضي المريرة وما قادت إليه الأحداث التاريخية في العقود الماضية، والتي بدورها تسببت في عدم استكمال بناء الدولة السودانية. بل أدت الصراعات السياسية إلى إنشطار الدولة السودانية ذات البناء الهش إلى دولتين، وقد يزيد. لهذا نرى أنه من الواجبات الضرورية أن نبرهن لعامة الناس، عدم جدوى استخدام التوجه المبرمج لإقصاء الآخرين، والذي أسسه وتنفذه نخب الشمال النيلي بدقة متناهية في البلاد منذ الاستقلال، هذا البرامج يتمحور في "ليس فقط كيف تُحكم البلاد لكن أيضاً بمّن"، فأصبح هذا المعتقد نهجاً مجزوماَ يتمسك به هذه النخبة. فالشاهد في الأمر، وبلا أدنى شك، أن الصراع السياسي في السودان جد عظيم، إذ يعمل هذا البرامج على عزل السواد الأعظم من الشعوب السودانية من إنتمائها الوجداني، أي السعي الدؤوب في طمس الإرث الثقافي للشعوب السودانية المختلفة، فأنتجت هذه السياسات الإقصائية التخلف والتقهقر الإنمائي، لدرجة أن أصبحت الدولة السودانية حالياً، تُعد الوحيدة عالمياً التي تنمو نمواً سالباً في كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقارنة مع أية دولة في عالم اليوم بما في ذلك أفغانستان، وعلينا أن نسأل، هل ثمة حلول في الأفق يمكن أن تنقذ البلد من الأزمة المفتعلة التي هو فيها؟
بدايةً قد تعني الدولة في العرف الدولي، بأنها الجسم الإعتباري الذي يجمع عناصر (أ) تجمع بشري، (ب) إقليم يرتبط به التجمع البشري، (ج) نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي وقانوني يتمسك به التجمع بتحقيقه، (د) سلطة توجه المجتمع. إذاً فالدولة في معناها الواسع هي تجمع بشري (شعب) مرتبط بإقليم محدد (وطن) يسوده نظام اجتماعي وسياسي وقانوني (دستور) موجه لمصلحة مشتركة، إذ تسهر على المحافظة على هذا التجمع سلطة مزودة بقدرات تمكنها من فرض النظام ومعاقبة من يهدده بالقوة (السلطة الحاكمة). بهذا المفهوم نشأت الدولة السودانية القديمة أول مرة كصنيعة الاستعمار التركي المصري في العام 1821م، ولم يكتمل رسم حدود هذه الدولة (بما فيها جمهورية جنوب السودان التي انفصلت في 9/7/2011م)، إلا في العام 1932م في عهد الاستعمار الإنجليزي/المصري عندما تمكنت إدارة السودان البريطانية من أن تبسط سيطرتها التامة على قبائل الدينكا والنوير والتبوسا في الجنوب. فالدولة السودانية إذاً، هي نتاج لإخضاع الممالك والسلطنات التي كانت دولاً قائمة بذاتها بقوة السلاح في قطر واحد، ومنذ ذلك الوقت حمل إسم السودان.
الصراع بين عناصر الدولة الواحدة:
يعاب على الطريقة المصطنعة (الاستعمارية) التي تمّ بها تكوين الدولة السودانية، أنها لم تستكمل عناصر الدولة الأربعة المذكورة آنفاً، مما تجعلنا نزعم بأن الدولة السودانية حملت بذور النزاعات منذ بداية تأسيسها، تلخصت في ماهية هذه الدولة الجديدة! أهي إفريقية أم عربية؟ أهي دينية/إسلامية أم غير ذلك؟ وهي كلها أسئلة غير موضوعية وفي غير محلها، لأن الثابت في العرف السياسي العالمي أن الدول لا تُعّرف بالعرق أو الديانة، إنما تُعّرف بالقارة التي تنتمي إليها. فمشكلة الاستعمار أنه لم يهتم بعنصر النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني (الدستور)، ليس فقط لعدم معرفته به، بل لأن الدستور الوطني سيكون عقبة أمام وسائل نهب ثروات السودان، لهذا إهتم الاستعمار في كل مراحله بجزئية العنصر الاقتصادي، التي من أجلها دخل البلاد – العبيد والذهب ولاحقاً خام المنتوجات الزراعية. ونتيجة لهذا الخلط في فهم ماهية الدولة السودانية ظهرت بوادر الصراع بين مكونات الدولة المنشأة حديثاً، تمثلت في أول عهدها بعدم رضى شعوب الدولة الحديثة (التجمع البشري) عن المُستعمِر (أي سلطة المستعمر). ومع وتيرة الأحداث المتلاحقة بعد الاستقلال، تطور الصراع ليشمل السلطة المركزية الوطنية ضد الأطراف – وهذا يشمل التجمعات البشرية الطرفية ومعها الرقعات الجغرافية، والذي يمكن أن يطلق عليها تهميش البشر والموارد الطبيعية معاً. لهذا يمكن أن نخلص بأن الصراع الدائر اليوم بين مكونات الدولة السودانية، هو في مجمله صراع الثقافات والتي بدورها أنتجت سياسات الهيمنة، ومن ثمّ الغياب المتعمد للعنصر أو للركيزة الثالثة للدولة أي النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني (الدستور) ليتمسك به التجمع البشري الحديث بتحقيقه، بمعنى آخر غياب دستور وطني الذي يمكن أن يستوعب كل مفارقات الدولة الحديثة. فحالة السودان اليوم، وحتى بعد مضي أكثر من نصف قرن من عمر السودان المستقل، تعتبر حالة غير طبيعية قياساً مع أية دولة قومية أخرى في العالم، إذ ما زلنا في لُبِ صراعات الهيمنة والتهميش المتواصلة بنفس الوتيرة، مما يجعلنا نقول أن بناء الدولة السودانية لم يكتمل بعد.
في هذا المنعطف يمكن أن نسوق بعض من الأحداث والسياسات المبرمجة، التي أدت إلى خلق هذه الصراعات وتأجيجها على مر العقود الماضية، وكيف أن القائمين على أمر إدارة البلاد قد تجاهلوا هذه الأحداث المدمرة، بل في مواقع أخرى سعوا إلى صناعتها. وبالتالي الذي يعنينا هنا من أمر هذه الصراعات في شكلها الأساسي، هو صراع عنصرين من عناصر الدولة وهما السلطة التي توجه المجتمع (السلطة المركزية) والتجمع البشري (الشعب) صاحب السيادة الوطنية. ففي قناعتنا أن الصراع بينهما قائم على عدم وجود إرادة وطنية حقيقية من طرف المركز في خلق نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي وقانوني (دستور) لتسيير شئون الدولة بشكل وطني مستدام.
ففي البدء يمكن أن نقول أن الاستعمار الأجنبي قد ساهم بقدر كبير في صناعة هذه الصراعات. فدخول الاستعمار من بوابة السودان الشمالية أدى إلى تركيز التعليم والتدريب الحديث لإدارة الدولة في الشمال النيلي، أضف إلى ذلك سياسة المناطق المقفولة التي حرمت مناطق واسعة من البلاد من نيل التعليم الحديث ومن الإنفتاح على العالم الخارجي. ويُدلل على ذلك أنه حتى العام 1945م لم تتخذ حكومة السودان الاستعمارية رأياً قاطعاً، حول مصير جنوب السودان، هل يُلحق بالشمال أم يُضم إلى إحدى دول شرق أفريقيا؟
ولتعزيز ما ذهبنا إليه، يجدر بنا أن نسرد عدداً من الأحداث التاريخية، التي توضح لنا كيف أن الصراع بين مكوني الدولة السودانية (السلطة والشعب) بدأ سلمياً ثمّ تطور عسكرياً، وكيف أن النقيضين – المطلب والرفض - قد أوصلا القطر السوداني بأن ينشطر إلى قطرين مستقلين. وتأسيساً لزعمنا، نجد أن من ضمن الأحداث الموثقة، كما ورد في مقالات د.فيصل عبدالرحمن على طه، بعنوان مسألة جنوب السودان في سياق تاريخي 1899 – 1986م، انعقاد مؤتمر جوبا الأول في 12 يونيو 1947م. الذي يعتبر أول تجمع سياسي جامع تشارك فيه ألوان الطيف الجنوبي في أرض الجنوب. فكان من ضمن مطالب الجنوبيين (الشعب) في هذا المؤتمر، المطالبة بنظام فيدرالي (دستور) في إطار السودان الواحد، ولكن تشدد الشماليون (السلطة) في رفض هذا الطلب، مستخدمين في ذلك أسلوب المخادعة، وفي ذات الوقت يبدو أن نفوذ نخبة الشمال النيلي بدأ ينمو ويقوى في إدارة شئون البلد.
تمّ تشكيل لجنة لتعديل الدستور في 29 مارس 1951م، وكان من ضمن أعضائها إبراهيم بدري الذي تحدث عن الوضع في الجنوب، فقال "أن التهميش لا يشمل الجنوب فقط، بل أيضاً سكان مناطق أخرى من السودان، من بينهم سكان جنوب الفونج وبعض سكان دارفور وجبال النوبة بمديرية كردفان". وبعد أن عرّف مناطق الهامش بهذا الشكل، تسآءل عن "أي ضمانات وضعنا من أجل استمرار الإستقرار وكفالة الحريات وحق تقرير المصير لأولئك الناس مع العلم بأن الرابط الوحيد بيننا وبينهم هو الفتح المصري للسودان؟" وبالرغم من أن هذا النداء لم يُستجب له، لكن هذا النداء في حد ذاته يدل على وجود الروح الوطني لدى بعض النخب النيلية الشمالية مما قادهم إلى طرح فكرة تقرير المصير لكل الشعوب السودانية منذ وقت مبكر قبل أن ينال السودان استقلاله.
ولاحقاَ عندما جاءت مفاوضات الحكم الذاتي للسودان حول تقرير المصير والاستقلال، في العام 1953م والتي كانت بين الشماليين والبريطانيين والمصريين، لم يحضرها أحد من الجنوب، لذا خلت من أي ضمانات تمسك بها الجنوبيون في مؤتمر جوبا 1947م. وفي 20 فبراير 1954م عين الحاكم العام للسودان أعضاء لجنة السودنة لم يكن من بينهم جنوبي واحد. وعندما تمت إجراءات السودنة، كان نصيب الجنوب ست (6) وظائف فقط من بين أكثر من 800 وظيفة تمت سودنتها. وأرفع وظيفة تقلدها الجنوبيون، كانت برتبة مساعد مفتش. ثم جاء قرار تقرير المصير (الجلاء) من البرلمان في أغسطس 1955م والذي إشترط فيه الجنوبيون للتصويت عليه، بقيام نظام فيدرالي يساير روح مؤتمر جوبا، وبالطبع حصلت خديعة أخرى. تبع ذلك إجازة الدستور المؤقت في جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ في 31 ديسمبر 1955م الذي خلا أيضاً من ذكر الفيدرالية.
تكرار نقض العهود هذا، قاد إلى تمرد سريتين من الفرقة الإستوائية في توريت في 18 أغسطس 1955م، ويبدو أن الشرارة التي أدت إلى إنطلاقة الثورة المسلحة، هي الأوامر التي أعطيت للبلك رقم 2 بالسفر إلى الخرطوم للمشاركة في تكوين حامية للخرطوم، بعد جلاء القوات المصرية والبريطانية. لكن تعتبر خيبة أمل الجنوبيين من نتائج السودنة والخوف من سيطرة الشماليين، من أقوى أسباب التمرد. وبالرغم من أن الصراع السلمي قد تطور إلى ثورة مسلحة، لا تجد مطالب الجنوبيين وعلى رأسها النظام الفيدرالي أية استجابة، لهذا لم يرد في مشروع دستور سنة 1958م أي نص يحدد العلاقة بين المركز والإقليم. وخيبة الأمل هذه قادت عضو البرلمان السيد/فرانكو وول قرنق أن يرفض مشروع دستور سنة 1958م، وقال "إننا نقف الآن على شفا حفرة، وموضوع الفدريشن موضوع حساس. وإذا لم يُستجب له فلربما يطلب الجنوبيون أشياء أخرى لم تكن هناك حاجة لها". وبعد عقد كامل من الزمان، يعيد مولانا/أبيل ألير نفس رفض الجنوبيين لمشروع آخر، هو دستور سنة 1968م، ويصفه بأنه قائم على التفرقة الدينية والعنصرية فقال "أن مشروع الدستور ليس مقبولاً للجنوب لأنه يفرق بين المواطنين على أساس الدين والعنصر، فهو دستور إسلامي لأمة عربية".
وتيرة الصراعات هذه، بين المركز والهامش، لم تكن محصورة في الجنوب فقط، بل كانت تسير أيضاً وبأساليب مختلفة في أماكن أخرى من السودان. ففي دارفور على سبيل المثال، لم تقم المقاومة ضد المركز على أساس فكر سياسي مركزي موحد، كما كان الحال في الجنوب على النحو الذي رأيناه في الفقرات السابقة، لكنها قامت للتعبير عن عدم رضا الإقليم لسياسات المركز تجاهه، دون رؤية محددة لكيفية حل مشكلة التهميش في دارفور. ففي الجنوب تأسست المقاومة على أيديولجية الحكم الفيدرالي أو الانفصال. لذا سنلاحظ لاحقاً أن منهجية الصراع في دارفور، كانت غير منسقة. فتارةً ثورات مسلحة محدودة، وتارةً أخرى انتفاضات شعبية أو مقاومات سلمية لا يجمع بينها رؤية سياسية موحدة، إنما هي تعبيرات عن عدم رضى مواطني دارفور عن سياسات المركز التنموية، وهكذا دواليك، إلى أن استقرت الآن في الكفاح المسلح، وبهدف شبه متفق عليه، وهو المطالبة بإشراك أهل دارفور في السلطة. وأيضاً من المفارقات بين الحالتين، وجود تباعد زمني في تفاعلات المقاومة الدارفورية، مقارنةً بالتواصل الزمني السلس في المقاومة الجنوبية، لعدم وجود رؤية مشتركة تجعل المقاومة تنشط من وقت لآخر، فكل مقاومة قامت في ظروف خاصة بها ولأهداف خاصة بها، فالقاسم المشترك هو نتائج المقاومات المختلفة التي أجمعت على رفض التهميش. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرصد بعض الأحداث السياسية في دارفور، التي كانت تعبر عن الصراع السياسي ورفض هيمنة المركز على الإقليم.
إبتداءً تنصل على دينار بن الأمير زكريا بن السلطان محمد الفضل، سلطان دارفور عن الاتفاق الذي تمّ بين دولته وحكومة المُستعمِر البريطاني آنذاك في السودان، مما أدى إلى غزو المُستعمِر البريطاني لسلطنة دارفور في العام 1916م وضمها قسراً للسودان في يناير 1917م. ومنذ ذاك الوقت قامت عدة ثورات ضد الوجود الأجنبي، منها في فترة الاستعمار، ثورة الفقيه/عبد الله محمد إدريس السُحيني في 26 سبتمبر 1921م في مدينة نيالا، والتي أُخمدت في حينها وقُتل قائدها في 4 أكتوبر 1921م. ثم جاء حرق العلم البريطاني في الفاشر (أبو زكريا) حاضرة دارفور في العام 1952م. وحسب علمي المتواضع لم أجد ما يثبت أن مثل هذا الفعل قد تم في مكان آخر من مستعمرات بريطانيا العظمى في ذاك الزمان، مما يدل على شدة رفض أهل دارفور للمُستعمِر، ومن جانب آخر يدل على الفهم الحضاري المتقدم في التعبير عن الرفض بالطرق السلمية.

أبكر محمد أبوالبشر
[email protected]
مانشستر "المملكة المتحدة"‏، ‏الأحد‏، 12‏ مايو/أيار‏، 2013‏م.




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 513

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أبكر محمد أبوالبشر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة