المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟!ا
ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟!ا
11-27-2010 04:21 PM

قراءة في المشهد السياسي

ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟! ..

الأمل دائما موجود....! (1 ــــ 2)

د. الشفيع خضر سعيد

يناير 1956، والمؤتمر الدستوري:
في منتصف القرن الماضي، يناير 1956، نال السودان استقلاله، لتواجه النخبة السياسية السودانية المهام الجسام ذات الطابع التأسيسي، المتعلقة ببناء الدولة الوطنية السودانية. ومنذ البداية كان واضحا أن تلك المهام معقدة وصعبة جدا، بالنظر إلى الدرجة العالية من التنوع والتعدد التي تتميز بها البلاد في كل شيء: مستويات التطور الاجتماعي، الأعراق، العناصر والقوميات، الديانات، اللغات، الثقافات والحضارات والتقاليد..إلخ. ومباشرة نقول، ويؤكد قولنا الواقع الراهن، أن النخبة السياسية السودانية فشلت في إنجاز تلك المهام. وبالتالي، فإن الأزمة التي يعيشها السودان اليوم، ليست أزمة عابرة أو مؤقتة أو مستحدثة، وإنما هي أزمة مزمنة تمتد جذورها إلى فجر الاستقلال. أزمة وطنية عميقة وشاملة طبعت كل أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية بميسمها. أزمة تفاقمت وتعقدت بالمعالجات القاصرة والخاطئة على أيدي القوي الاجتماعية التي شكلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد طيلة الخمس وخمسين عاما الماضية. لكن قدم الأزمة وكونها مزمنة ومرتبطة بالفشل في التصدي لقضايا ما بعد الاستقلال، لا يعمينا عن الدور الكبير الذي لعبه نظام الانقاذ في تفاقمها وإزديادها تعقيدا. ففي ظل حكم الانقاذ، حيث أن حزب المؤتمر الوطني لم يكتفي بكونه الحزب الحاكم والمسيطر على كل مفاصل أجهزة الدولة، وإنما جعل من نفسه الدولة ذاتها، وصلت الأزمة إلى مداها الأقصى، مدى تمزيق وتفتيت الوطن، وهو المشهد الذي من المحتمل جدا أن نشهد الفصل الأول منه في يناير القادم.
ومن الواضح أننا لا نتحدث عن تأزم سياسي فقط، وإنما نشير إلى أزمة أصابت السياسة والاقتصاد والمجتمع والقيم والحياة الروحية. ونحن لن نتحدث عن مظاهر الأزمة وتفاصيلها، فهذه واضحة كشمس نهار الصيف في السودان، ويعايشها الجميع يوميا، كما تتناولها كتابات عدة من هذه الزاوية أو تلك. وسنكتفي فقط بالإشارة إلى أنها، أي الأزمة، تتجسد بالملموس في الحلقات الرئيسية الاربعة التي تلخص مسيرة التاريخ الراهن للسودان. والحلقات هي: الديمقراطية والسلام والتنمية ووحدة الوطن. وهي حلقات متشابكة ومتداخلة ومترابطة بحيث لا يمكن حل أي منها بمعزل عن فض الأخريات. ومنذ فجر الاستقلال، كان واضحا أن التصدي لتلك المهام التأسيسية، أي فض الحلقات الاربعة، لا يمكن أن ينجزها حزب واحد أو حزبان أو ائتلاف أغلبية أو نظام عسكري يدعي الصرامة والجدية وسرعة الحسم. وهي، أي المهام التأسيسية، فى ظل الوضع الراهن، لا يمكن أن تنجز عبر تفاوض بين حكومة الخرطوم وأحد الأطراف في الجنوب أو الشمال أو الغرب أو الشرق، مهما كان الطرف الراعي لهذه المفاوضات. والسبب، بكل بساطة، هو أن إنجاز تلك المهام يعنى إعادة صياغة السودان وإعادة بناءه كدولة وطنية حديثة تستوعب كل ذاك التنوع والتعدد، وهذه مهمة شعب بأسره. وهى مهمة لا يمكن أن تحقق غاياتها المرجوة إلا في ظل الحرية والديمقراطية، ودون وصاية من أي طرف كان، محلي أو إقليمي أو من قادة المجتمع الدولي وعباقرة العلوم السياسية فيه..! وعندما نقول إنها مهمة شعب بأسره، لن ننتظر طويلا حيارى حول كيفية تجسيد ذلك عمليا وبالملموس، فعبقرية الشعب السوداني تفتقت عن فكرة المؤتمر القومي الدستوري باعتباره الأداة والآلية المناسبة لإنخراط الشعب في إنجاز هذه المهمة.
قبيل نهاية ديكتاتورية نميري، لاحت في الأفق السياسي بعض معالم فكرة المؤتمر الدستوري باعتباره أداة للخروج من الأزمة وبداية الطريق لإنقاذ الوطن بعد الدمار الذي فاقم من جراحاته وهو يرزح تحت حكم طغمة مايو. وسرعان ما احتلت هذه الفكرة مقدمة أجندة المسرح السياسي عقب الإطاحة بنميري في انتفاضة أبريل 1985، وصارت بندا رئيسيا من بنود ميثاق الانتفاضة. كما أخذت الفكرة تتبلور تدريجيا نحو شكل ملموس، من خلال عمليات التحضير التي كانت تجري على قدم وساق من أجل عقد المؤتمر. وبالفعل كنا، في الحزب الشيوعي السوداني، نستحث الخطى، مع القوى السياسية الأخرى، نحو عقد المؤتمرالدستوري، حيث تحدد شهر سيتمبر 1989 لبدء الخطوات العملية لإنعقاده، بمشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان. لكن انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في 30 يونيو 1989، والتي كانت عضوا في اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر، أجهض العملية، في تأكيد واضح بأن الانقلاب جاء خصيصا لذلك..! وهو تأكيد، أو استنتاج، ستقتنع، عزيزي القارئ، بإنه ليس اشتطاطا أو شطحة مني، إذا نظرت إلى القضايا، أو المهام التأسيسية، التي كان سيخاطبها المؤتمر القومي الدستوري، والتي تشمل:
أ‌- علاقة الدين بالدولة.
ب‌- شكل الحكم الملائم والذي يحقق اقتساما عادلا للسلطة في السودان بين مختلف مكوناته القومية والجهوية.
ت‌- التوزيع العادل للثروة، أي إعادة النظر في خطط التنمية وتوزيع الثروة والموارد بما يرفع الإجحاف والإهمال عن مناطق متخلفة، بعيدة عن المركز،في الجنوب والشرق والغرب وحتى في الشمال، مع إعطاء أسبقية لمناطق التوتر العرقي والقومي والاجتماعي. وذلك في إطار المشروع الاقتصادي العلمي الذي يراعي عدم تدهور مواقع إنتاج الفائض الاقتصادي وعدم استنزاف مركز ومصدر الخبرة العلمية.
ث‌- مسألة هوية السودان.
ج‌- إصلاح النظام السياسي الديمقراطي ( الأحزاب، النظام الانتخابي، الممارسة البرلمانية، دور النقابات ...الخ )، بما يضمن كسر \"الحلقة الشريرة\".
وإضافة إلى المهام والقضايا أعلاه التي اجمعت القوى السياسية على تضمينها في جدول أعمال المؤتمر الدستوري، تطورت المناقشات التحضيرية للمؤتمر في الفترة التي تلت انتفاضة ابريل 1985، سوى في داخل اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر، والمكونة من كل القوى السياسية، أو في المناقشات والحوارات خارج اللجنة التحضيرية بين القوى السياسية المختلفة وفي منابر العديد من منظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث، وعلى صفحات الصحف ومن خلال أجهزة الاعلام المختلفة، أوعبر المبادرات العديدة التي قامت بها وزارة السلام آنذاك، خاصة تجاه إقناع الحركة الشعبية لتحرير السودان للمشاركة في المؤتمر...، تطورت تلك المناقشات لتتناول كيفية عقد المؤتمر، ومن سيشارك فيه، ومتى يعقد....إلخ، بحيث اكتست التصورات حول المؤتمر الدستوري لحما وعظما، وأخذت طابعا ملموسا. ومن بين تلك التصورات:
* المؤتمر الدستوري ليس مجرد جلسات حوار عادية تختتم بتوصيات وقرارات، وإنما هو سلسلة عمليات مركبة \"process\" تستوجب مشاركة كافة الأحزاب السياسية، وقطاعات المجتمع الأخرى من نقابات واتحادات العاملين والمزارعين، منظمات المرأة والشباب والطلاب ومنظمات حقوق الإنسان، زعماء القبائل والعشائر، وممثلي القوميات والمجموعات التي تطرح قضايا الأطراف والمناطق المهمشة، الشخصيات الوطنية...الخ، ويساهم في أعماله أوسع قطاع من الجماهير، في القرى والأحياء، عبر الإعلام المسموع والمقروء والمرئي وعبر ورش العمل والسمنارات والندوات..الخ. ومن هنا شرط أن يتم انعقاده في أجواء تتمتع بالحرية والديمقراطية، وتسمح بالحوار الحر الواسع. فالمؤتمر الدستوري لن يحقق الهدف المرجو منه ما لم يعقد في مناخ حر ديمقراطي يكفل الحريات والحقوق الأساسية للجميع. وفي الحقيقة، ليس هناك أي إمكانية لعقد المؤتمر الدستوري في أجواء القمع والديكتاتورية، لأن مناخ الكبت سيحد من شمولية التمثيل في المؤتمر والذي هو شرط أساسي لانعقاده وأداء وظيفته بنجاح دون تهميش لطرف من الأطراف. وهذه النقطة بالذات، مقرونة بالنقطة الخاصة بكسر \"الحلقة الشريرة\"، هما اللتان دفعتا قوى التجمع الوطني الديمقراطي لأن تدرج في ميثاق التجمع بندا يقول بانعقاد المؤتمر الدستوري بعد الإطاحة بالديكتاتورية \"في أمد لا يتجاوز الستة أشهر من تاريخ قيام الحكومة الانتقالية\". وعلى الرغم من أن هذه القوى، بمكوناتها السياسية والنقابية والعسكرية، تناولت في مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا، يونيو 1995، ذات القضايا المصيرية التي سيتناولها المؤتمر الدستوري وتوافقت بالاجماع حول حلولها، إلا أنها لم تعتبر مؤتمر التجمع هو المؤتمر الدستوري، ملتزمة في نفس الوقت، بأن أي مؤتمر دستوري قادم يعقد بعد زوال ديكتاتورية الإنقاذ، لن ينسخ ما تم الإتفاق حوله في مؤتمر التجمع، وإنما سيطوره ويستكمله ويجمع حوله قطاعات أوسع من الجماهير السودانية.
* لا يمكن اختزال المؤتمر القومي الدستوري في مجرد جلسات نقاش بهدف الاتفاق على اقتسام السلطة السياسية. هو أكبر من ذلك بكثير. فهو أولا ينطلق من حقيقة الإقرار بواقع التعدد والتنوع في السودان من حيث التركيبة السياسية والعرقية والثقافية والدينية …الخ، والإقرار بوجود مظالم حقيقية تعاني منها سائر المناطق المهمشة. وثانيا هو يعنى بمسألة إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة المستندة إلى دستور وقوانين وأنماط حكم تراعي واقع التعدد المشار إليه، وثالثا هو يعنى بمسألة إزالة أسباب الحرب الأهلية ونشر السلام وترسيخ وحدة السودان بحيث تأتي طوعا وفق الإرادة الحرة لكل أهل السودان، لا مفروضة بالقوة. لذلك، رابعا فإن جدول أعماله عندما يبحث قضايا شكل الدولة ومستقبل الحكم، علاقة الدين والدولة، التطور غير المتوازن وكيفية التوزيع العادل للثروة، الهوية والثقافة، وسائر القضايا الأخرى، إنما يبحثها بإعتبارها ستفضي إلى ثوابت دستورية مجمع عليها، وهي التي ستشكل مواد الدستور الدائم للسودان.
* تقريبا، كل القوى السياسية أجرت لقاءات ومناقشات مع الحركة الشعبية بهدف إقناعها في عمليات التحضير للمؤتمر الدستوري ومن ثم المشاركة فيه، ولعل أبرز هذه المساع لقاء الميرغني قرنق والاتفاقية التي اسفرت عن ذلك اللقاء في 16 نوفمبر 1988.
وهكذا، وبحكم طبيعته وطبيعة المهام والوظائف ذات الطابع التأسيسي التي سيتصدى لها، كانت فكرة المؤتمر القومي الدستوري، وستظل، أقرب في دلالتها إلى أن يختط السودان بتعدد كياناته القومية والعرقية ومعتقداته الدينية المتعددة وجذوره الثقافية الحضارية المتنوعة، منهجا لحل معضلاته المزمنة كيما يستقر دولة حديثة جديرة بأهله، ورقما ينتزع الاعتراف به في هذا العالم. ولكن النخبة السياسية السودانية أطاحت بهذه الأماني...! فكما ذكرنا، فقد ظلت هذه المهام التأسيسية مؤجلة ومتراكمة منذ فجر الاستقلال، حيث أسقطتها القوى الاجتماعية السياسية التي اعتلت دست الحكم، سواء عبر الانقلاب العسكري أو الانتخاب الديمقراطي، فلم تركز إلا على مسألة السلطة وبقائها فيها، ضاربة عرض الحائط بأمنية أن يصبح السودان رقما ينتزع اعتراف العالم. (نواصل)

الاحداث


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1294

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#50787 [محمد احمد فضل]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 12:44 PM
شئي مؤسف بان يكون لدينا شباب مثقف وواعي مثل دكتور الشفيع ويحكمنا نافع وافراد عصابته ;(


د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة