المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مآلات صناعة البترول في السودان بعد 2011م في ظل الوحدة او الانفصال
مآلات صناعة البترول في السودان بعد 2011م في ظل الوحدة او الانفصال
11-28-2010 10:46 AM

مآلات صناعة البترول في السودان بعد 2011م في ظل الوحدة او الانفصال

بقلم: محمد البشري- برمنغهام
[email protected]

في هذه المقالة سوف نناقش صناعة البترول في السودان في ظل الاوضاع الحالية والتي تدل من وجهة نظري الشخصية على إتجاه الجنوب نحو الانفصال، بالرغم لما لذلك من أثار سالبة علي الوضع السياسي والإقتصادي وبالأخص ما يتعلق بصناعة النفط
(The Petroleum Industry)
وحينما نقول صناعة البترول فاننا نعني كل ما يتعلق بالنفط من عمليات إستكشاف وبحث وحفر وإستخراج وتكرير وترحيل وبيع وخدمات،أي كل العمليات البترولية تحت الارض او فوقها
)Upstream and Downstream)
كما يجب ملاحظة أن كلمة صناعة البترول المقصود بها هنا هو صناعة البترول والغاز معاً.

وسوف نناقش في البدء ثلاثة قضايا لها ارتباطاً عضوياً بصناعة النفط وإنفصال الجنوب معأ،وهي: قضية اقتسام الثروة\" النفطية\"وقضية منطقة أبيي ثم قضية الاستفتاء
ونسبة لقتامة الأوضاع الحالية والتي لا توحي بوضعية معينة تجاه مستقبل السودان السياسي في البقاء كقطر واحد ام الإنشطار الي دولتين، فان المناقشة لا تتم الا في ظل وضع سيناريوهات مختلفة للوحدة والانفصال ومدى تأثر صناعة النفط بكل سيناريو سلبأ او ايجاباً، وفي نهاية المقال سوف نتعرض للتغيير\"المفترض\" في الوضع القانوني من ناحية تشريعية او تعاقدية وسيتم تحليل عقود الاندماج او التوحد الانتاجي واتفاقيات تطوير المناطق المشتركة
The Unitisation Contracts and Joint Development Area (JZA)
واختبار مدى ملاءمتهما لحل اي اشكال مستقبلي بين \"دولتي\" السودان الجديدة والقديمة.

صناعة النفط في السودان تتشابه في كثير من الأمور مع صناعة النفط الأنغولية، حيث ان كلا الدولتين قد عانتا من حرب أهلية أدت لحرمان الدولتين من الإستفادة من ثرواتهما النفطية وحرمتهما من مداخيل هذه الثروة وحرمتهما من فرص تنمية كانت ستعتبر رخيصة بمقاييس اليوم. السودان وأنغولا وقعٌا في بداية القرن الواحد والعشرين إتفاقيتي سلام أنهتا الحرب الاهلية وهيأتهما لإستغلال مواردهما البترولية. أنغولا أغتالت زعيم حركة يونيتا (جوناس سافيمبي) في فبراير 2002م واضعة نهاية ل 27 عاماً من الحرب ومن موقع المنتصر وقعت إتفاقية سلام مع المتمردين في ذلك الحين كان السودان يتفاوض مع الحركة الشعبية بضغط أميريكي علي الجانبيين، تلك المفاوضات التي أدت لتوقيع اتفاقية السلام الشامل
The Comprehensive Peace Agreement (CPA)
في يناير 2005م والتي وضعت حداً للحرب الأهلية الثانية والتي امتدت لمدة 23 سنة. إتفاقية السلام الشامل لم تضع فقط حداً لعقود من العداوات ولكنها قد ابتكرت اّليات للحل وبحثت عن وضع النقاط علي الحروف في شان إشكالية إدارة الصراع العرقي والثقافي والديني في السودان. ومن ضمن ذلك فقد وضعت حلاً قد يعتبر في نظر البعض عادلاً لإقتسام مدخلات الثروة ووضعت بروتوكول لمنطقة أبيي ، كما انها أعطت الجنوبيين الحق في تقرير مصيرهم بعد فترة انتقالية ممتدة من 2005-2011م.

أولاً: إقتسام مداخيل البترول:

إتفاقية نيفاشا نادت بإقتسام الثروة المُدخلة من الحنوب والتي عمادها إقتسام الثروة البترولية. وفي هذا الإطار فقد أوردت (بزنس مينوتور) أن المفاوضات في نيفاشا حول اقتسام البترول المنتج من الجنوب قد كادت ان تصل لطريق مسدود حينما طالبت الحركة الشعبية باعطائها نسبة 90% من بترول الجنوب ولكن تحت تزمت المؤتمر الوطني أبدت الحركة قبولها بنسبة 60% ولكن هذا المقترح أيضا جُوبه بالرفض القاطع وتدخل الوسطاء وقبـِلت الحركة بنسبة 50/50 وكانت المُفاجأة أن الحكومة أوضحت أن الجنوب لن يستلـم أيُ مبالغ مالية \"نقداً\" حيث ان الإتفاقيات مع الصين كانت تتم بنـظام التبادُل \"المُقايضة\" حيث ان الصين تأخُذ بترول مُقابل \"توريد بضائع\" والتي هي في الحقيقة معظمها\"أسلحة\" وأمام الرفض القاطع للحركة للقبول بالبضائع الصينية وتدخُل \"الوسطاء\" بالضغط علي الصين للدفع \"بالدولار\" قبـِلت الصين بالدفع \"نقداً\" مما يُفسـر توافُر السيولة بيد الحكومة السودانية بعد توقيع اتفاقية \"نيفاشا\".
فيما يخص إقتسام الثروة النفطية فقد نصت المادة 192 في الفقرات (1)و(5)و(6) من الدستور الإنتقالي لعام 2005م على أن يتم إقتسام البترول المنتج من الجنوب بعد خصم 2% من الانتاج لتطوير المناطق المُنتـجة بنسبة 50% لكل من حكومتي الشمال والجنوب، وفي هذا الإطار يجب التنويه ان المناطق المُنتـِجة لم تتلقي حـِصتُها المحددة لها لتنمية المنطقة ولا أحد يدري أين يذهب نصيب أبيي على سبيل المثال في ظل النزاع الحادث بين الشريكين. في نفس الوقت فإن الاتفاقية يُعابُ عليها أنها لم تتعرض لإتفاقيات ومداخيل وتقسيم عوائد أنابيب النفط او علي الاقل التعرض للعوائد المترتبة لمصلحة الجنوب من الانابيب الممتدة في أراضي الجنوب بـغض النظر عن تقاسمها مرة ثانية مع حكومة الشمال أم لا، وماهو الوضع القانوني للأنابيب الممتدة داخل أراضي الجنوب بعد الإنفصال وما هي إحتمالات تعرُضها للتخريب وعلى من يقع عـبءُ حمايتُها وهذه كلها أمور يجب ان يُتفق حولها بصورة واضحة لا لبس فيها حتي لا تكون \"خميرة\" خلافات مستقبلية.


ثانياً: منطقة أبيي :
وهي منطقة غنية بالنفط واقعة في منطقة مشتركة في الحدود بين الشمال والجنوب، ولها أهمية إستراتيجية في الاقتصاد السوداني ، حيث أنها تحتوي علي 15% من إحتياطي السودان المعروف والذي قدرته شركة بي بي البريطانية ب 6.7 بليون برميل في تقديرها الصادر في يونيو 2010م. كما أن حقل هِـجليج الواقع شمال أبيي يقدر إنتاجُه ب 37% من بترول منطقة أبيي. إتفاقية نيفاشا إهتمت وعملت لإيجاد حل لنزاع أبيي حيث أنها أعطت المنطقة وضعية إدارية خاصة تحت إدراة وإشراف رئاسة الجمهورية وإعتبرت سكان المنطقة مواطنيين يتبعون لمنطقتي جنوب كردفان وبحر الغزال في نفس الوقت، كما أن بروتوكول أبيي أعطي لمواطني أبيي الحق في التصويت بصورة منفصلة وبالتزامن مع الاستفتاء لتحديد مصير ومستقبل المنطقة إذا ما كانوا يُرِيدون أن يبقوا في الشمال ام يريدون الإنضمام للجنوب في حالة الانفصال (م 183 (2) و(3) من الدستور الانتقالي 2005م). هذا البروتوكول حاول أن يضع حلول لنزاع مُحتمل بالرغم من أن النزاع في منطقة ابيي حول المياه والمراعي بين الدينكا (نكقوق) والمسيرية قديم قـدم تواجُد تلك القبائل بالمنطقة وكانت النزاعات تُحل عن طريق التحكيم والمصالحات بواسطة زعماء القبائل. ولكن بإكتشاف البترول فان حـدة النزاع قد إرتفعت بدخول لاعبين جُدُد في النزاع حول موارد المنطقة النفطية وهم حكومة السودان وحكومة الجنوب والشركات النفطية وكذلك منظمات حقوق الإنسان كمراقب،رغم ضعف رقابة الأخيرة نسبة لمحدودية حركتها خاصةً في مناطق إنتاج البترول.
النزاع حول تحديد حدود أبيي ومدى تبعـيتها لأي الطرفين قد أُوكلت لـلجنة من الخبراء ولكن قرارهُم لم يُعجـب حكومة الخرطوم والتي إحتجت بأن الخُبراء قد تعدوا السُلطات والصلاحيات المُخوّلة لهم في قرار التعيين، مما دعى الحركة والحكومة للإتفاق على عرض النزاع علي محكمة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي والتي فصلت في النزاع في يوليو 2009م مُعيدةً ترسيم حدود المنطقة بـكمش الحدود من ناحية الشمال جنوبا مُدخـلةً حقل هِجليج في حـدود الشمال، هذا الإدخال يراه العديد من الخبراء كمؤشر نهائي لإنفصال الجنوب وتبعية أبيي للجنوب وبذلك يكون حقل هِجْليج هو بـمثابة تعويض للشمال عن فقدان بترول أبيي في حالة الإنضمام للجنوب وهو إنضمام لا محالة حادث بحكم أن معظم سكان أبيي من دينكا نكقوق الذين يعتبـِرون أنفسهم جنوبيون، ورغم ان الطرفيين يدّعْـيان التمسك بأبيي بحجة حماية سكانها ومراعاة حقوقهم كمواطنين للطرف المُدعِي وأن السكان يستنجدون به ويطلبون العون منه، ورغم أن الطرفين ينكُران التمسك بها لمواردها النفطية فإن الدلائل تشير أن سكان المنطقة من عرب المسيرية والدينكا هم اخر إهتمامات الحكومتين، فبمجرد صدور حكم محكمة التحكيم فإن حكومة الشمال رفضت تقاسم بترول هِجْليج مع الجنوب بالرغم من إقتسامه سوياً منذ 2005م مما ينفي دعاوى الإهتمام بالمنطقة وإلا لتركت الحكومة القسمة كما هي للمساعدة في تنمية المنطقة بحفر آبار لمياه الشرب للرعاة مثلاً .

ونسبة لان منطقة أبيي بالنسبة للطرفين هي منطقة نزاع وقنبلة موقوتة يمكن أن تقود للحرب بين الطرفين من جديد في أي لحظة اذا إنفصل الجنوب ولم تُرســم الحدود. لذا نجد كل طرف يُريد أن يقترِح من الحلول ما يحقق مصالحه او ما يرى انه يؤدي للاستقرار مستقبلا من وجهة نظره المعيبة . فالمؤتمر الوطني تقدم بإقتراح في 16-9-2010م يتضمن عدة نقاط أهمها: أن تكون أبيي \"منطقة تكامُل\" على ان تُقسم مواردها النفطية بنسبة 20% للمنطقة و40% لكل من الشمال والجنوب وان يعطي سكان أبيي من دينكا ومسيرية جنسيتي الشمال والجنوب في حال الانفصال. حكومة الجنوب رفضت هذا المقترح جملة وتفصيلا وإعتبرته نوع من محاولات الحكومة لإعادة التفاوض حول قرار محكمة لاهاي وأن المسيرية لا يحق مساواتهم في الحقوق بالدينكا في أبيي او التصويت، كما انه يمس \"قدسية\" إتفاقية نيفاشا وهما من الخطوط الحمراء بالنسبة للحركة(سودان تريبيون) ولكن هذه القدسية المدعاة لبروتوكول أبيي ونيفاشا قد إنتهكها باقان أموم حينما إقترح في نهاية اكتوبر 2010م علي رئاسة الجمهورية ان تُعلن ضم أبيي للجنوب بقرار إداري ضمن صفقة لا يعلم أحد بقية تفاصيلها ، فالادعاء بالاهتمام بمصالح سكان المنطقة لم تشر اي دلائل من الحكومتين علي مراعاته.
ثالثا: الاستفتاء علي تقرير مصير الجنوب:
حجر الزاوية في إتفاق نيفاشا هو إعطاء الجنوبيون حق تقرير مصيرهم بعد إنقضاء الفترة الانتقالية في يناير 2011م. كثيرٌ من القضايا المُرتبـطة بالاستفتاء لها تأثير بالغ وصلة عميقة بصناعة النفط في السودان. من ضمن هذه المشاكل العالقة مشكلة منطقة أبيي وتحديد حدودها وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب ككل ، كما ان مشكلة ديون السودان الخارجية منذ الاستقلال والجنسية والعملة وغيرها سيكون لها تأثير ما. ترسيم الحدود هو من الأهمية بمكان حيث ان معظم المناطق النفطية تقع علي الحدود ، والترسيم سيحدد أي مناطق البترول تقع في الشمال او الجنوب. اللجنة الفنية لترسيم الحدود لم تبدأ عملها إلا في 31 يوليو 2010م مما دعى سالفا كيير للتصريح \" ان الإستفتاء في الجنوب سيقوم في موعده في 9 يناير 2011م بغض النظر عن ترسيم الحدود ام لا\" (سودان تربيون) وفي هذا التصريح إتهام صريح للحكومة بانها السبب في هذا التاخير مقروء مع إتهامات أُخرى بانها من وراء تاخير الترسيم تهدف لتأخير او إلغاء الاستفتاء. الحكومة من جانبها أنكرت التسبب في التاخير او إعتراض عمل اللجنة وعزته لأسباب امنية وخاصة حول مناطق إنتشار القوات و للعنف وعدم الامان في منطقة أبيي.
من وجهة نظري هناك عدة أسباب غير آلام وذكريات الحرب المؤلمة من شأنها ان تقود للإعتقاد بأن الجنوب سينفصل منها :
أولا: طريقة إقتسام مداخيل البترول المنتج من الجنوب خلال الفترة الانتقالية قد أدت للإحساس بالغبن وسط الجنوبيون، فالاقتسام للبترول المنتج من أراضيهم بنسبة 50% لكل طرف يعتبرونه غير عادل، بل أن المتشددين منهم يعتبرونه بمثابة سرقة ل 50% من نصيب يرون انه من حقهم ان يحتفظوا به كاملاً إذا ما انفصلوا عن الشمال.
ثانيا: في الفترة الانتقالية فان الحكومة قد افتقرت للإنفتاح والشفافية خاصة في قضايا البترول، كما أنها افتقدت روح المبادرة لكسب ثقة الجنوبيين لجعل الوحدة \"جاذبة\" حسب إشتراط اتفاقية نيفاشا على الطرفين وهو الإلتزام الذي يجب أن تتحمل الحكومة العبء الاكبر منه بحكم سيطرتها علي النسبة الاكبر في السلطة والثروة والتحكم في وسائل الاعلام. وفيما يتعلق بالشفافية فقد أصدرت (قلوبال وتنس) في 2009م تقريراً عن شواهد تدل على إختلافات وفروقات في كميات البترول المُنتج من حقول الجنوب المُعلنة من قـبل الحكومة والشركات، حيث ان نسبة الاختلاف تتراوح ما بين 9% إلي 26% بين النسب المنشُورة بواسطة الحكومة وشركات البترول العاملة في السودان في غير صالح الجنوب، وقد قدرت المنظمة انه اذا كانت نسبة الفرق 9% فقط فإن الجنوب يفقد في السنة ما يُعادل 260 مليون دولار في السنة.
ثالثا: هناك إتجاه –يستحق التأمل- يرى أن العقوبات الاقتصادية الاميريكية المفروضة علي السودان وخاصة المُتعلِقة بالصناعة النفطية وتكنولوجيتها، قد تُسهم في تشجيع الجنوبيون علي تفضيل الانفصال على الوحدة. حيث انه في حالة الانفصال فان الجنوب سيطلب من الاميريكان رفع العقوبات والحظر المفروض على الشركات والتكنولوجيا الغربية بما يسمح للجنوب بالاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الاميريكية لمعالجة خام \"دار\" الذي يحتوي علي نسبة عالية من الأسِيد وكذلك معالجة خام \"النيل\" والذي يحتوي علي نسبة عالية من الشمع مما قلل من أسعارهما في السوق العالمية للتكاليف الزائدة لمعالجتهما، فالجنوب بامكانه تصدير هذين المزيجين لاميريكا والتي تمتلك التكنولوجيا والمصافي لمعالجة مثل هذين المزيجين وباسعار أرخص (سيلفان ونصر الله).
رابعا: الجنوبيون يتهمون الحكومة باستعمال عدة تكتيكات لتأخير الإستفتاء وتمديد الفترة الانتقالية للاستمرار في الحصول علي نصيب من نفط الجنوب لفترة أطول، وذلك بالغش أو بتأخير ترسيم الحدود او التأثير على نتائجه. بل ان هذه الاتهامات تشمل تآمُر الحكومة مع شركات النفط الأسيوية باستعمال اساليب غذرة لمضاعفة الانتاج قبل حلول 2011م وذلك باغراء الشركات ان تسترجع خسائرها قبل الانفصال ولتتحصل الحكومة على معظم نفط الجنوب قبل تسليم الآبار للجنوب (مجاك دأقووت) وهو الادعاء الذي أنكرته الحكومة بدعوى ان ذلك غير ممكن عمليا حسب امكانيات الآليات والمعدات المستعملة للاستخراج ولعدم توفر خزانات وأماكن ضخمة لتخزين النفط المزعوم.








السيناريوهات المستقبلية


كما نوهنا أعلاه فان مستقبل السودان كوطن واحد أصبح علي المحك، كما انه أضحى بيد الجنوبيون بالكامل برسم الاستفتاء . فمهما كانت نتائج الاستفتاء سواء بالوحدة او الانفصال فانه سيكون لها تأثير وإنعكاسات مهمة على صناعة النفط في السودان المستقبلي، وفي هذا السياق ليس هناك سيناريوهات محدودة (معدودة) لتصوير وتوقع ما بعد 2011م ومستقبل السودان وصناعته النفطية. فبالرغم من ان كاتب هذه السطور يعتقد ان الجنوب سينفصل الا انه يرى ان مناقشة سيناريوهين للوحدة والانفصال وتاثيرهما علي صناعة النفط في السودان من الضرورة بمكان.

السيناريو الاول: الوحدة:

اذا اختار الجنوب الوحدة فان صناعة البترول لن تسلم من التأثر بذلك القرار ولكن تاثير ذلك سيكون اخف مقارنة بالانفصال، وفي كل الاحوال هناك عدة تغييرات ستطرأ على قوانين النفط والتشريعات المرتبطة به كقوانين الاستثمار والبيئة:-
اولا: قانون الثروة النفطية لعام 1998م سيحتاج لتحديث بل لتعديل في بعض مواده لإحتواء بعض التغييرات التي جلبتها اتفاقية نيفاشا والدستور الانتقالي-بافتراض استمراريتهما- . فالقانون الجديد يجب ان يُعطي الجنوب \"المتوحد\" الحق في عقد إتفاقيات مستقلة لاستخراج النفط بطريقة أفضل واوضح مما كفلته نيفاشا. كما ان شركة الجنوب للنفط \"نايلبت\" يجب ان تُحدد شخصتها القانونية بوضوح ووظائفها حتى تجد نايلبت الفرصة للمشاركة في عقود بترولية في كل السودان وبنسب متساوية او متناسبة مع ما يعطى لسودابت، فسودابت تشارك بنسب تتفاوت بين 15% الى 35% في كل العقود شمالا وجنوبا واستطاعت بناء خبرة عملية لا باس بها مقارنةً بنايلبت التي ليس لها مشاركة الا في عقدين نفطيين بالجنوب وفي مناطق غير منتجة حتى الان.
ثانيا: اللجنة القومية للبترول والتي أُنشـئت بواسطة اتفاقية نيفاشا على ان تكون لها الكلمة العليا والفاصلة في ادارة البترول ورسم سياساته نظريا، ولكن في الواقع العملي فان اللجنة لم تؤدي المناط بها في الفترة الانتقالية بكفاءة نسبة لان وزير الطاقة والتعدين قد أُعْطِي سلطات مُطلقة في مجال الصناعة النفطية ولم تشأ الحكومة ولا الوزير اعطاء بعض تلك الصلاحيات للجنة القومية مما جعل وجود اللجنة وجوداً نظرياً من غير أي تأثير على السياسة النفطية التى يريدها الوزير او القرارات التي يصدرها. كما أن وظائف مجلس قضايا البترول (المادة 14 من قانون 1998م ) تتداخل وتتعارض مع صلاحيات اللجنة القومية المنشأة بدستور 2005م فمجلس قضايا البترول يتكون من رئيس الجمهورية ووزير الطاقة والتعدين وثلاثة وزراء اخرين اضافة لست اعضاء يعينهم \"الرئيس\" من ذوي الخبرة والعلاقة بالنفط وهو معيار غير دقيق ويفتقد للنزاهة والشفافية في ظل حكومة متهمة باحتكار صناعة البترول باعتباره من مكتسبات الحزب وليس الدولة، وبما أن اللجنة القومية كونت بدستور فان شخصيتها القانونية يجب ان تطغي علي ما أنشئ بقانون وهي تضم في تكوينها رئيس حكومة الجنوب وعدد متساو من الاعضاء من الحكومتين.
ثالثا: اتفاقية اقتسام الثروة النفطية يجب ان يعاد النظر فيها مجددا، لاعطاء الجنوبيون قسمة اكثر عدلا تزيل الاحساس بالغبن الذي صاحب قسمة نيفاشا، فنسبة تتراوح بين 60-70% من البترول ستكون اكثر إرضاءأ وتساعد الجنوبيين على اعادة بناء واعمار الجنوب الذى عانى عقودأ من الحرب وعدم التنمية.

السيناريو الثاني: الإنفصال:

من وجهة نظر القانون الدولي فإن الجنوب اذا اختار الإانفصال ، فانه قانونياً مُؤهل لاقامة دولة مستقلة، حيث انه مستوفٍ للشروط التي تجعل من اقليم ما ان يقيم دولته المستقلة وهي: وجود شعب، حكومة، ورقعة أرض وإمكانية اقامة علاقات دولية (جانيس ) كما ان الجنوب من السهل عليه الحصول على الإعتراف به كدولة من الغرب وخاصة ان اميركا تقف بقوة خلف الحركة الشعبية. وهكذا إذا تم الانفصال فستنشأ دولة جديدة وبالتالي فإن صناعة وادارة النفط سيحدث لها زلزال عنيف يغيير شكل خارطة الصناعة النفطية الموجودة الان بالسودان. فشركات النفط العاملة في مجال النفط الآن قد تعيد تقييم إتفاقياتها السابقة مع الحكومة السودانية بالتفاوض مع حكومة الجنوب او تجبر على إعادة التفاوض حول بعض العقود او البنود. ومن المتوقع ان أيُ عقود جديدة او أي مناطق يتم التخلي عنها وإعادتها للحكومة الجديدة لن تُعطي لـشركات\" شرقية\" وخاصة الصينية لإتهام الجنوب لتلك الشركات بالمشاركة في إنتهاك حقوق الانسان الجنوبي في حقبة التسعينات من القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، كما ان الرغبة في الاستعانة بالتكنولوجيا الغربية المتطورة والتخلص من التكنولوجيا الشرقية المتخلفة، إضافة لرغبة الجنوب في الحصول على الدعم السياسي الغربي سيُرجِح كفة الشركات البترولية الغربية وخاصة الاميريكية. اذا تم الانفصال سلمياً فقد يكون التأثير محدود النتائج و مقدور السيطرة عليه، بعكس الانفصال غير السلمي او العنيف الذي لا يمكن التنبوء بآثاره، وفي كل الاحوال فان نقاش ما إذا كان الانفصال سلمياً اوعنيفاً يقع خارج نـطاق هذا المقال القصير ولكن من يريد الاضطلاع على المزيد حول السيناريوهات العنيفة والسلمية للإنفصال يجد تفصيلاً لذلك في ورقة البنك الدولي (ابراهيم البدوي واخرون).
في حالة الانفصال ونشوء دولتين، فان التعاون بين الدولتين هو ضرورة حتمية بل مسألة حياة او موت في مجال الصناعة النفطية بالنسبة للجارين الجدد. وفرضية حتمية التعاون تأتي في إطار حقائق الجغرافية والتاريخ والأمر الواقع فيما يختص بالنفط. هذا التعاون ضروري في حالتين وهما: التعاون في استغلال الحقول الحدودية المشتركة وكذلك لأن الواقع الماثل يؤكد أن معظم البنية التحتية المتعلقة بالنفط قد تم بناءها في الشمال ، كما سنفصل أدناه:

أولاً: الحقول المشتركة:

من المعروف ان مُعظم الحقول المُنتـجة والإحتياطي النفطي المعروف تقع او تمتد في منطقة محازية للحدود بين الشمال والجنوب، ونسبة لأن حركة البترول تحت الأرض لا يمكن لأحد التبوء بها، فان هذا الوضع الإستثنائي يحتاج لدرجة عالية من التعاون المُشترك مما يتطلب وضع قوانين ولوائح واتفاقيات ثُنائية مُفصلة حتى تتم إدارة وإستغلال تلك الثروات بصورة إقتصادية لمصلحة الشعبين وقطف ثمار تلك الثروات لضمان رفاهية الناس وتنمية البلدين وتحقيق حياة افضل. في هذا الجانب فان الشمال والجنوب يجب ان يتهيأ نفسياً وساسياً وقانونياً وعليهما ان ينسيا مرارات الحروب والماضي و يبعدا عن تصفية خلافاتهما السياسية من خلال البترول ،لكي يكونا مستعدين للنقاش والتفاوض والاتفاق على تحديد الحدود ووضع تشريعات نفطية تفصل وتسمح باستعمال عقود البترول \"الموحدة\"
The Unitisation Agreement

وان يمتلكا الارادة السياسية لعقد اتفاقيات ثنائية تسمح بانشاء وتطوير مناطق البترول المشتركة
The Joint Development Area

العقد الموحد
The Unitisation Agreement
هو صيغة قانونية مستعملة في صناعة البترول ولم أجد له صيغة تعريب في الكتب القانونية التي اضطلعت عليها، لذا رأيت المساهمة بأن أعرفه بتسميته \" العقد الموحد\" لأغراض هذه الورقة، لأنه ينادي بتوحيد العمليات النفطية من مسح جيولوجي وبحث وحفر وإستخراج وإنتاج وترحيل وتكرير وبيع بين شركتين تعملان في حقلين مختلفين داخل حدود دولة واحدة أو حتى بين حقول عابرة لحدود دولتين مما يمكن تسميته ب\" العقد الموحد العابر للحدود\"
Inter-state Unitisation Agreement
. هذه الصيغة استعملت في اميركا لإستغلال الحقول المشتركة الممتدة بين حدود شركتين او حقلين او حتي ولايتين وقد ظهرت الحوجة لاستعمال هذا العقد في أميركا لان اصحاب الحقول المتجاورة كان كل منهم يحفر عدة أبار بطريقة تنافسية علي اطراف الحدود مع الحقل الاخر ولكن لثبوت عدم فائدة هذا الحفر العشوائي الاقتصادية فقد استعيض عنه باستعمال هذا النوع من العقود. وفي هذا الخصوص فان القانون الاميركي قد استعمل نظرية او مذهب
Rule of Capture Doctrine

لاستغلال الحقول المشتركة وهي ما يمكن تسميتها بنظرية \"الاستيلاء\" والتي تقول ان الشخص الذي إستغل واستخرج النفط له الحق في استغلال ما استخرجه ، هذه النظرية لم تجد القبول في القانون الدولي ، كما انها عملياً قادت للحفر التنافسي حيث ان كل طرف سيحاول ان يحفر اكبر عدد من الابار علي حدود الحقل مع الطرف الاخر مما يؤدي الي صرف الكثير من الأموال قد لا يكفي المستخرج من النفط تغطيتها وتؤدي لخسائر اقتصادية باهظة وإضرار بالبيئة، كما انه إذا كان الحقل ممتداً عبر حدود دولية فان ذلك قد يقود الي انتهاك سيادة الدولة المجاورة (سميث واخرون) ولذا فقد أُتفـق علي ان العقود الموحدة او الاتفاقيات الثنائية لاستغلال الحقول المشتركة هي الوسيلة الناجعة التي حلت مكان نظرية \" الاصطياد\" كقاعدة عادلة وعملية ومبررة في نظر القانون الدولي والفطرة القانونية السليمة، بل ان العالم القانوني أونوراتو يرى ان الدول التي لها حقول نفطية مشتركة عليها \"التزام قانوني\" لتتعاون في الاستقلال المشترك للحقل.

مما سبق يتبين ان العقد الموحد هو نوع من العقود التعاونية، تحث وتعمل علي الاستغلال المشترك للحقول المشتركة. هذا النوع من العقود سيكون مفيدأ للسودان في حال الإنفصال او في حالة ان استخراج النفط يؤثر علي دولتين او حتي شركتين. السودان نظريا عرف هذا النوع من العقود ، حيث أن اتفاقية الحكومة السودانية وشركة بتروناس الموقعة في 2003م لإستـغلال بترول الحقل رقم 8 قد إشترطت أنه في حالة اكتشاف بترول ممتد خارج حدود السودان فإن وزير الطاقة والتعدين مُلزم بأن يُنسق ويتفق مع الدولة المجاورة فيما يختص بتطوير وإستغلال وإنتاج الحقل المشترك (مادة 3)، هنا نرى ان المُشرع كأنه كان يستشرف مثل هذا الوضع وخيراً فعل لأن الحقل رقم 8 مجاور ليس فقط للجنوب بل له حدود ممتدة مع اثيوبيا. علي كل حال في هذا الخصوص نجد ان السودان قد وضع الأُسس الأولية لهذا النوع من العقود والتي يُمكـن البناءُ عليها وتطويرها ولأن السودان ينقصه التشريع الشامل لذا عند وضع اي تشريع بترولي جديد يجب ان يُضمن هذا النوع من العقود بتفاصيل أكثر دقة، وفي كل الأحوال نرى انه من الواجب الآن العكوف على وضع عقد نموذجي يتضمن تفاصيل وشروط مثل هذا النوع من العقود كما فعلت العديد من الدول مثل الاكوادور.
النوع الثاني من أنواع التعاون تتمثل في عقد نوع من الإتفاقيات الثنائية وهو ما يعرف بعقود تنمية المناطق المشتركة
The Joint Development Area

وهو نوع من الإتفاق الثنائي بين دولتين لا شركتين لتنمية منطقة مشتركة سواء تم إكتشاف موارد نفطية بها أم انه من المحتمل ان توجد بها ثروات طبيعية لوجود دلائل قوية على ذلك. وهذا العقد يختلف عن النوع السابق حيث أنه إتفاق ثنائي للتعاون بين دولتين لتطوير منطقة مشتركة أكثر منه عقد نفطي، كما أنه لا يتم بين شركات بترول كما قد في العقد الموحد. هذا النوع من العقود قد تمت تجربته منذ ستينات القرن الماضي وقد أثبت نجاحه في كثير من الدول من حيث إختصار و إقتسام تكاليف البحث واستخراج النفط كما انه ساعد في حل المشاكل النزاعية كما بين استراليا وتيمور الشرقية وكذلك بين السعودية والبحرين والسعودية والكويت في المنطقة المحايدة. السودان له تجربته الخاصة في هذا المجال، حيث ان خلافا نشأ مع السعودية فيما يخص التنقيب في البجر الاحمر حين اعلنت السعودية في بداية السبعينات أن حدود مياهها الاقليمية ستمتد الى 200 كلم بحري وعندما أعترض السودان فقد تم تكوين لجنة مشتركة وتم التوقيع علي إتفاق بين البلدين للإستغلال المشترك لثروات البحر الاحمر في المنطقة المشتركة والتي وتبدأ من النقطة التي يصل فيها عمق البحر الى 1000متر من الجانبين ( المادة 5 لاتفاقية السودان والسعودية 1974م) .وقع الاتفاقية عن الجانب السوداني وزير خارجيته أنذاك منصور خالد ورغم ان هذه الاتفاقية لم تُؤتـ أُكلها ولم تكن جادة ومنتجة لان أعباء تكاليف اللجنة المشتركة كانت تتحملها السعودية لوحدها مما جعل المبادرة تموت في المهد، الا ان التجربة في حد ذاتها جديرة بالتأمل والدراسة من أهل الشأن وخاصة ان السودان وقع اتفاق مع السعودية لاستغلال المعادن في نفس المنطقة في 19-5-2010م، وان كانت الإتفاقية الاخيرة \"سرية\" مما لا يتيح التعليق عليها ،و متعلقة فقط بمعادن غير البترول الا ان من المهم وضع الشروط التي تضمن مصلحة الوطن. هذا النوع من الاتفاقيات من الاهمية بمكان لانه يساعد في حل النزاع حول منطقة حلائب وما قاصدها من منطقة بحرية لازالت محتلة من قبل مصر منذ 1992م وبدون بوادر حل رغم الأنباء التي تذكر ان مصر مستمرة في إستغلال ثروات المنطقة المتنازع عليها. هذا النوع من الاتفاقيات الثنائية أيضا يمكن ان يستعمل في التعاون مع الجنوب في حالة الانفصال لانه هو الذي يضمن الاستغلال السلمي لموارد المنطقة المشتركة ويعطي إشارات تطمينية للشركات النفطية للاستثمار في منطقة هادئة لا نزاع عليها لان رأس المال جبان ويهرب من مناطق النزاعات والحروب و خاصة الإستثمار النفطي لانه هو الأكثر خطورة ومجاذفة. بالنسبة لما سُقناه من أمثلة اعلاه عن المناطق المشتركة فهي كلها مناطق ساحلية وبعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان، مما يجعل التعاون في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب مختلفاً ويواجه الكثير من التحديات المختلفة، حيث ان المناطق الحدودية المشتركة والمراد تطويرها هي مناطق غير ساحلية بل هي مناطق إما زراعية او رعوية ومأهولة بالسكان (ماجاك دأقوت) وهذا التواجد السكاني يجلب معه الكثير من المشاكل المتعلقة بقانون الأراضي وقوانين البيئة وحقوق الانسان. كما ان تعاوناً من هذا النوع يحتاج لدرجة من الشفافية والوضوح في الحسابات وشروط العقود والبعد عن الرشاوي والفساد المالي والإداري من الدولتين، كما انه يحتاج لدرجة من الثقة المتبادلة بين الطرفين حتي يتم تفادي ما حدث في تجربة دولتي \"ساو تومي برنسيب ونيجيريا\" والتي لم تحقق النتائج المرجوة نسبة للفساد وإنعدام الشفافية. وفي كل الاحوال فان تطوير التشريعات ووضع نماذج لتلك العقود والاتفاقيات والاستفادة من اخطاء الاخرين هي السبل الناجعة لوضع تشريعات منتجة وعقود مكتملة وخاصة ان تلك العقود والاتفاقيات قد أُستُعمـلت كوسيلة لحل او منع النزاعات وكما انها قد تساعد في اطفاء اي نزاع مستقبلي محتمل مع الجنوب (اوقونجيووف).




ثانياً: البنية التحتية للبترول:

من الجدير بالملاحظة ان معظم البنية التحتية المتعلقة بالنفط توجد بالشمال، ورغم ان الجنوبيين ينظرون لذلك بتشكك منذ الثمانينات عندما استبدل نميري المقترح الأساسي ببناء مصفاة بانتيو ليحول المقترح لكوستي قبل أن يستقر على مد خط أنابيب لبورتسودان بديلاً للمصفاتين، والجنوبيون يعتبرونها سياسة\"مقصودة\" ومتبعة من حكومات الشمال، الا ان الحكومة في الشمال تعزي ذلك لإنعدام الامن في الجنوب أثناء الحرب التي امتدت الى 2005م. في كل الاحوال تواجد هذه البنيات يضاعف من اهمية ما ذهبنا اليه من أهمية التعاون بين الشمال والجنوب. الشمال يحتاج للجنوب للإستمرار في الحصول علي دخل من بترول الجنوب للمحافظة على الاستقرار الاقتصادي وبالتالي السياسي الذي تحقق بنسبة ما بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل. من جهة أخرى فإن الجنوب، كدولة مقفولة بلا منفذ بحري، يجب ان تتعاون مع الشمال حيث ان كل البنية التحتية لتسويق النفط متواجدة بالشمال او علي الأقل أكثر تطوراً في الشمال كخطوط الأنابيب الناقلة للنفط- المصافي- موانئ التصدير – الطرق والمطارات- شركات الخدمات وكذلك فان الأيدي العاملة المدربة في مجال النفط كلها أيدي شمالية. وفي نفس الوقت فان عقوداً من الحرب جعلت الجنوب يفتقد لكل أنواع البني التحتية، في هذا الاطار وطالما ان البترول هو مصدر الدخل الوحيد للجنوب فانه من الصعب تصور بقاء الجنوب بدون مداخيل البترول ولا يستطيع الجنوب الحصول علي مداخيل من النفط من غير التعاون مع الشمال على الأقل في المدى المنظور. التعاون الشمالي- الجنوبي ليس مستحيلاً كما يتبدى في اللحظة الراهنة،عمليا فان التعاون الشمالي-الجنوبي قد بدأ في 2009م حينما أعلنت اللجنة القومية للبترول أنها قد وضعت الخرائط المطلوبة لعقود بترولية لبلوك اي أى والذي يغطي منطقة الجنوب-الغربي ويمر عبر الجناح للبلوكات 5أ و 5ب وس . كذلك فإن اللجنة القومية قد كونت لجنة مشتركة من ممثلي حكومتي الشمال والجنوب لمفاوضة شركتي ( سوبيري ريسورسز و هتش اويل) الاسبانيتين (بزنس مونيتور). وفي هذا الخصوص من وجهة نظري فان نفس البترول الذي استعملته اميركا لإغراء الحركة لتوقيع نيفاشا لا أرى مانعاً من استعماله أيضاً كحافز سياسي وإقتصادي لشحذ همة التعاون الشمالي – الجنوبي ويمكن لتجربة اللجنة القومية ان تستمر اذا أُبعد البترول عن الاستعمال كوسيلة ضغط سياسية علي الطرف الاخر.

تماشيا مع ما سُقناه عاليا فإن منظمة قلوبال وتنس قد وضعت مقترح من خمسة نقاط ينادي بوضع إتفاقية جديدة \"بديلة\" لإقتسام الثروة النفطية بعد 2011م. مقترح قلوبال وتنس يقوم علي ان الإتفاق الحالي سينتهي في 2011م فإذاً لا بد من وجود \"إتفاق بديل\" لإستمرار الطرفين في الحصول علي مداخيل مشابهة لما قبل 2011م وهو مقترح بسيط يقوم وينبني على أساس يمكن إختباره والتأكد منه وهو يقوم علي تعويض حكومة الشمال ماديأ مقابل السماح لحكومة الجنوب باستعمال أنابيب النفط، اي ان تقوم حكومة الجنوب باستئجار أنابيب النفط لترحيل البترول للسوق العالمية وذلك مقابل مبلغ يتراوح بين 3-8 دولار للبرميل وقد أكدت قلوبال وتنس ان المبلغ المتحصل من هذا المقترح سوف لن تقل مداخيله للشمال عن مداخيل اتفاقية اقتسام الثروة المبرمة حسب إتفاقية نيفاشا. وقلوبال تقترح ان هذا النظام يجب ان يخضع لنظام مراقبة وشفافية يكشف عن شروط التعاقد ويخضع للتمحيص ولمراقبة مستقلة، كما يجب ان يتبنى آلية لفض النزاعات بين الطرفين وان يبدأ بمراجعة واعداد حساب للاتفاقيات الحالية. كما ان طريقة حساب الكميات المرحلة يجب الا تعتمد على الارقام المعطاة بواسطة الشركات، نسبة لإتهام الاخيرة باعطاء أرقام أقل مما تُنتـج وعلى الطرفين في جانبي الأنبوب ان يحتفظا بسـجلات دقيقة للبترول المُرحل عبر الأنابيب. البعض يراهن على ان الجنوب يمكنه ان يبني خط أنابيبه الخاص ولكن كل الدلائل تشير الى ان ذلك يحتاج علي الأقل لثلاث سنوات كما انه يحتاج الي 1.5 بليون دولار لبناء الخط المقترح بناءه من الجنوب الي \"لامو\" في كينيا وكثير من الخبراء يرون ان هذا الخط لن يكون مجد اقتصاديا للجنوب مقارنة بخط الشمال لتكلفته العالية المرهقة للدولة الوليدة، ولإعتراض جبال كلمنجارو خط سير الأنابيب مما يتطلب بناء عشر محطات \"تقوية\" ومن المؤكد أن الجنوب لن يستطيع البقاء بدون مداخيل نفطية او يوقف انتاجه حتى اكتمال بناء ذلك الخط.
من وجهة نظري فان مقترح قلوبال وتنس يمثل حلاً عادلاً وبراغماتياً وواقياً من نزاع بترولي متوقع يمكن ان يحدث بين الطرفين. ان هذا الإتفاق يجعل الطرفين يحسان بأهمية عدم الذهاب للحرب لأنهما سيشعُران بالفائدة التى جنياها من البترول والذي سيفقدانه بالرجوع للحرب، حيث انه اسوأ السيناريوهات للطرفين لأن الحرب سوف تؤثر على صناعة النفط حيث ان الشركات المنتجة سوف تضطر لايقاف عملياتها ، ذلك لان الحرب هذه المرة لن تكون كسابقاتها حيث انها ستطال الحقول والشركات وعمالها وقد يُستعمل فيها سلاح الطيران لقصف منصات الانتاج وصهاريج التخزين وخطوط الأنابيب والمصافي والحقول وتبعاتهما من الطرفين لمنع الطرف الاخر من الإستفادة من مداخيل البترول، لذا فإن الشركات ستكون مترددة في إستثمار المزيد من الأموال في منطقة حرب مما يؤثر على الصناعة النفطية في المديين القريب والبعيد وايقاف مداخيلها وتطورها. في نفس الوقت فان المنصرفات العسكرية ستأخذ النصيب الأكبر من المداخيل التي كان يجب ان توجه للتنمية. في هذا الاتجاه فان البنك الدولي توقع أن الخرطوم ستلجأ للحرب اذا توقعت انها ستُؤمن لها الحصول علي نسبة من حقول البترول، اما حكومة الجنوب فان لجؤها للحرب سيكون في حالة الدفاع عن حق تقرير المصير \"الاستفتاء\"...هل ستصدق نبوءة البنك الدولي ذلك ما ستكشف عنه الايام المقبلة.

محمد البشرى
بيرمنغهام


المصادر:
1- Ng & Le Billon, Post-Conflict’ Oil Governance: Lessons from Angola, in Patey (ed), Oil Development in Africa: Lessons for Sudan after the Comprehensive Peace Agreement [DIIS, 2007:8]
2- M. D’Agoot, Energy Politics and the South Sudan Referendum: Anatomy of a Resource Curse (Middle East Policy, Vol. XVI, No. 4, Winter 2009)
3- .
4- Sudan Tribune .
5- P. Sullivan & N Nasrallah, Improving Natural Resources Management in Sudan (US Institute for Peace, June 2010) .
6- Global Witness, Fuelling Mistrust; the need for transparency in Sudan’s Oil industry (Report 2009).
7- Ibrahim Elbadawi & others, Referendum, Response and Consequences for Sudan,[ World Bank, July 2008].
8- A. Perry, Oil and gas deposits at international boundaries, (OGEL,Vol 5, April 2007) .
9- T. Daintith, Finders Keepers? How the Law of Capture Shaped the World Oil Industry, (1st, RFF Press, London, 2010) .
10- W. Onorato, Apportionment of an International Common Petroleum Deposit, 17 International Comparative Law Quarterly 85 (1968).
11- N. Macleod, ‘Unitisation’ in Gordon and Paterson (eds) , Oil and Gas Law –current Practice and Emerging Trends (Dundee University Press, 2007) .
12- P. Ogunjiofor, Managing Maritime Boundary Disputes Over the Continental Shelf in Oil and Gas, (OGEL,Vol 5, April 2007) .


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1215

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد البشري
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة