المقالات
السياسة
بين الخرطوم وباب العزيزية : أبواب من الظلم
بين الخرطوم وباب العزيزية : أبواب من الظلم
05-16-2013 09:41 AM


يحكى أن الخليفة هارون الرشيد عندما عهد ابنه الذي سيخلفه الملك من بعده إلى العالم الكسائي ليقوم بتدريسه العلوم ، ولما أراد له العزة بتعليمه القرآنَ وتعريفه التاريخ وصقل روحه ومشاعره بمجالس الأشعار ، قال للكسائي : «وبَصّرْهُ بِمَواقعِ الكلامِ وبَدْئِهِ، وامنَعْهُ مِنَ الضحكِ إلا فِي أوقاتِهِ، ولاَ تَمُرن بِكَ ساعةٌ إلا وأنتَ مُغتنِمٌ فائدةً تُفيدُهُ إياهَا». ثم يقول الرشيد: «فإن رابك منه شيء فلا تقل ولد أمير المؤمنين!»، وسجل التاريخ شدة المعلم على ابن الرشيد، حتى اشتد عليه يوما، وغضب عليه وعنفه، ولم يجد الأمير لهذه القسوة سببا ولا مبرراً، والرشيد يشهد ويفهم ويبتسم.. وتمر الأيام ويعتلي الأمير سدة الحكم وخلا بمعلمه يوماً، فذكره يوم قسا عليه دون مبرر، وأنه لا يزال في حيرة من السبب المجهول! ، فابتسم المعلم، وقال: «ظلمتك عامداً وأنت ابن الرشيد لتعلم يوم تكون أنت الرشيد كم هي تعاسة المظلوم فتتقي الله في رعيتك».
التربية ومكارم الأخلاق خير ما يورث عاقل ولده، وأهم شيء في مكارم الأخلاق هو العدل . فالدول لا تتطور إلا بالعدل ولا تتقدم إلا باحترام القانون .

بالأمس القريب شهد العالم بأكمله نهاية الطاغية الليبي عبر قنوات التلفاز وشاشات الإنترنت . حيث كانت النهاية في قمة البشاعة المأساوية والنهاية المنطقية لطاغية كان في غاية الوحشية ، فمن يزرع الشوك لا يحصد ورقاً ، فكان الزعيم جباراً وظالماً ومستبداً . كان يتعامل مع شعبه باعتبار أنهم قطيع من الأغنام لا كبشر ويعتبر الدولة كأنها ضيعة خاصة به وملك خالص لأسرته، فكان القذافي هو ليبيا ، وليبيا هي القذافي بعد أن وسوس له مستشاروه المنتفعين ووزراؤه الانتهازيين بأن الشعب يعتبره من الزعماء المقدسين ، ولا يتردد في الموت من أجله . فصدّق الزعيم هذه الخزعبلات والترهات ونام قرير العين ، ولم يغفو من سكرته إلاّ على أصوات بنادق الثوار في باب العزيزية . ففر ملك الملوك من حصن باب العزيزية إلى الصحراء ليواجه مصيره المحتوم لا كالشجعان وإنما كالجرذان بعد أن حول البلاد إلى أكوام من الرماد وأسال في الأرض بركاً من الدماء .

في سوريا قدم الثوار دروساً في الوطنية وفنوناً في الفدائية في مواجهة الطاغية ، وأرسلوا بدمائهم الذكية رسائل إلى الشعوب المقهورة من طلاب الحرية وعشاق العدالة ، فالحرية ثمنها الدماء ، والعدالة مهرها الأرواح ، ومن أراد نور الحرية فعليه أن يصطلي بنارها .

يعتبر السودان من كبريات دول العالم مساحة ، وأكثرها غني بالموارد الطبيعية ، وأوفرها حظاً في الكوادر البشرية ، وأعظمها كثافة بالتعدد المناخي والتنوع الإثني والسكاني . إذا وظفت هذه الثروات الضخمة والكنوز المتعددة لخدمة الإنسان السوداني في تعليمه وصحته ورفاهيته من قبل النخب التي تولت إدارة الحكم في السوداني لصار السودان من أغنى الدول ، وأصبح في مصاف الدول الأوروبية تطوراً وتقدماً ، ولما هام السودانيون على وجوههم بين نازحين ولاجئين ومشردين في بلاد الطير فيها عجم .
​فلو كان آباء احد من الرجال الذين حكموا السودان في حكمة هارون الرشيد الذي عاش قبل ألف عام ، لما تذيّل بلادنا ركب العالمين ، ولا صار نصف شعبنا مشردين حتى في الصين . أما حكام اليوم فالمسافة بينهم وبين الكسائي تكاد تفوق مليون سنة ضوئية بعد أن صار المؤتمر الوطني هو الوطن ، والوطن هو المؤتمر الوطني.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1300

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#667171 [الأنصاري سابقاً]
0.00/5 (0 صوت)

05-16-2013 10:59 PM
وغداً إنشاءالله سنرى نهاية تجار الدين اكثر مأساوية واكثر دموية . ونعيد بنا السودان من جديد . حانبنيهو تاني


يوسف عمر بشير
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة