عقبات في طريق الانفصال السلمي
11-28-2010 12:10 PM

الرأي23

عقبات في طريق الانفصال السلمي

أ.د.الطيب زين العابدين

بعد أن اتضح لكل ذي عينين بما في ذلك قيادات المؤتمر الوطني، أن الحركة الشعبية راغبة وقادرة أن تسوق الجنوبيين نحو الانفصال بأغلبية ساحقة تتجاوز الستين في المئة التي نصَّ عليها قانون الاستفتاء، ورغم تسليم قيادات المؤتمر الوطني بهذه الحقيقة السياسية لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إزاءها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إلا أن محاولات الإنكار والتشبث بالأحلام والأوهام مازالت سارية، كما يظهر من تكوين الهيئة القومية لدعم الوحدة في الساعة الثالثة عشرة قبيل الاستفتاء. ولعلَّ السبب في الإنكار هو الخوف الشديد من تحمل المسؤولية التاريخية والوطنية لانفصال الجنوب بعد عشرين سنة من الحكم المنفرد للبلاد، والذي أدى إلى هذه النتيجة المفجعة التي لم يكن يتوقعها المؤتمر الوطني رغم أنها الأقرب للاحتمال السياسي الموضوعي. وربما أيضاً بسبب الاختلافات التي بدأت تظهر بين قيادات المؤتمر الوطني بعد أن استبان لهم سوء مآل السياسات السابقة، كل منهم يريد أن يرمي المسؤولية على آخر، في حين أن الشعب السوداني لا يفرق بين أحمد وحاج أحمد، كلهم مسؤولون ولو تعلق أحدهم بأستار الكعبة. ولا تخلو ظاهرة الاختلافات بين شخصيات وتيارات وشلل المؤتمر الوطني من تنافس خفي من أجل الصعود إلى أعلى الهرم إن بقي هناك هرم يصعد إليه! وفي هذه الحالة النفسية البائسة تسير الضحية مستسلمة معصوبة العينين إلى حتفها دون أن تحاول تدارك أمرها بتغيير السياسات الفاشلة أو المسؤولين الفاشلين أو الحلفاء العالة على الحكم، والغريب أنهم يحسبون إبقاء الحال على ما عليه دليل قوة وشدة، والحقيقة أنه أوضح مظاهر الضعف الذي يؤدي فجأة إلى الانهيار إذا حمي الوطيس، ولكن من سمات الفشل الهروب إلى الأمام وخداع النفس عن الحقائق الظاهرة للعيان، لأن البصيرة قد عميت، وعندما تغيب البصيرة الواعية يبحث المرء عن حلول مشكلاته في الخرافات والأساطير والأوهام.
ومن ناحية أخرى فإن الحركة الشعبية ليست أحسن حالاً من المؤتمر الوطني، لأنها تذخر بالخلافات بين قياداتها وقبائلها، وبين السلطة المدنية والسلطة العسكرية التي تملك القدح المعلى في التأثير على صنع القرار، ومازالت الحركة تتشبث بالمزايدات والعمل التكتيكي، ولا تحسن قراءة الواقع السياسي خاصة في منطقة أبيي، وليست لحكومة الجنوب خدمة مدنية على حدٍ أدنى من التأهيل والكفاءة، ولا بنية تحتية يُعتمد عليها. ورغم الخطوة الذكية في عقد مؤتمر الأحزاب الجنوبية، إلا أن نتائجه العملية مازالت محل تخمين وشك. وقد تظن الحركة أنها تستند على حليف قوي ضد الشمال هو الولايات المتحدة، ولكنها ستكتشف أن الولايات المتحدة تعمل لمصلحتها في المقام الأول، وستبيع الجنوب عند أول منعطف تختلف فيه المصالح. وإذا ارتكبت الحركة حماقة اجتياح أبيي أو الزحف على الحدود المختلف عليها، ستجر على نفسها وعلى السودان «سيناريو يوم القيامة» الذي حذَّر منه الرئيس الإثيوبي ميلس زيناوي.
وقراءة سريعة لبعض عناوين الصحف في الأيام القليلة الماضية، تدل على أن الحزبين الشريكين في الشمال والجنوب مازالا يلعبان على حافة الهاوية رغم قرب موعد الانفصال: الوطني يعتبر استقبال الحركة قادة تمرد دارفور بمثابة إعلان حرب، تقرير دولي يحذر من تجدد الحرب الأهلية، مجلس الدفاع المشترك يقول إن القوات المسلحة تقصف كيراديم شمال بحر الغزال لليوم الثاني، خطة لإخلاء أبيي من الدينكا تمهيداً لاجتياحها، تبادل اتهامات بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة، وينتر يعود لجوبا من تل أبيب، اتهامات التزوير «حول الاستفتاء» تطل من جديد، اعتقال مسؤول الدعم الفني بمفوضية الجنوب، مواطنو كوج «ولاية الوحدة» يطردون رياك مشار ويهددونه بالقتل، خطة أمريكية للقضاء على جيش الرب، الايقاد قلقة من خلافات الشريكين، سعر الدولار يصل إلى 320 جنيهاً، الجيش يرفع مذكرة حول خروقات الحركة. كل هذه الأخبار تدفع بالبلد إلى مرافئ الخطر والمواجهة والمجهول، وهو حال ينذر بشرٍ مستطير لا ينبغي السكوت عليه. ورغم بعض التصريحات الطيبة العاقلة التي يقول بها كل من الرئيس البشير ونائبه الأول سلفا كير ونائبه الثاني علي عثمان، إلا أن مفاوضات الشريكين حول قضايا ما بعد الانفصال التي نصَّ عليها قانون الاستفتاء لم تراوح مكانها، وتوالت أحاديث أخرى خشنة من مسؤولين في الحزبين الحاكمين تلقفتها عناوين الصحف جبت ما قبلها من تصريحات القيادة العليا في الحكومتين، وأن الاجتماعات الدولية المتكررة في هذا الشهر بأديس أبابا والنمسا لم تزد على توجيه نصائح عامة للشريكين بأن يكملا التفاوض ويحرصا على تنفيذ ما تبقى من اتفاقية السلام الشامل، خاصة إجراء استفتاء تقرير المصير في موعده، وقبول نتيجته أياً كانت، وكذلك استفتاء أبيي الذي ما عاد ممكناً عملياً إجراؤه في موعده متزامناً مع استفتاء تقرير المصير في التاسع من يناير، ولم تحرك زيارات جون كيري وأسكوت غرايشون ونائبه ليمان ملفات الخلاف نحو تسوية متفقٍ عليها، ولم تجد ورقة ثابو أمبيكي الإطارية الشاملة لمعالجة المشكلات العالقة والتي بذل فيها جهداً عقلانياً مقدراً وروحاً وفاقية تتعاطف مع الخطوط الحمراء لكل طرف، ما تستحقه من اهتمام وجدية في المفاوضات.
إن إحداث اختراق في مفاوضات القضايا العالقة خاصة أبيي والحدود والبترول والجنسية والمياه والأصول والديون يحتاج إلى رؤية إطارية ايجابية شاملة لعلاقة البلدين في الشمال والجنوب، وإلى صفقة سياسية متكاملة نحو مجمل تلك القضايا، وليس مناقشتها منفردة واحدة بعد الأخرى، كما يحتاج إلى قيادة جريئة وشجاعة في اتخاذ القرار من قبل الطرفين لا تتوارى خلف تحقيق إجماع حزبي لن يتحقق في ظل المواقف الحالية المتباينة داخل كلا الحزبين. وهناك متغير سياسي جديد ينبغي أن تأخذه الحكومة السودانية بجدية كبيرة، وهو إعلان الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أجازها الكونجرس قريباً للقضاء على جيش الرَّب في دائرة تحركه التي تشمل يوغندا والكنغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان. والسؤال هو: ما هو المتغير في المنطقة الذي دفع الحكومة الأمريكية رغم تورطها العسكري المكلف في العراق وأفغانستان الى أن تلتفت إلى جيش الرَّب بعد أكثر من ثلاثين سنة من بداية نشاطه الإرهابي في وسط أدغال القارة الإفريقية؟ إن المتغير الوحيد هو انفصال جنوب السودان وحاجته إلى دعم عسكري إذا دخل في مواجهة مع القوات المسلحة السودانية، أو إذا اندلع فيه عنف قبلي يهدد كيان الحكومة الجديدة. وسيكون جنوب السودان هو الموقع المفضل لقوات الاستراتيجية الأمريكية أياً كان مصدرها «أمريكياً أو دولياً أو إفريقياً أو شركات أمنية خاصة»، ولكنها في كل الأحوال ستأتمر بأمر الجهة المكونة والممولة لها وهي الإدارة الأمريكية. ربما لا يكون المعني حقيقة هو جيش الرَّب، بقدر ما هو جيش الحكومة الأصولية في شمال السودان..!!

الصحافة


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2018

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#51997 [Aamer]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2010 12:53 PM
ولا تخلو ظاهرة الاختلافات بين شخصيات وتيارات وشلل المؤتمر الوطني من تنافس خفي من أجل الصعود إلى أعلى الهرم إن بقي هناك هرم يصعد إليه! وفي هذه الحالة النفسية البائسة تسير الضحية مستسلمة معصوبة العينين إلى حتفها دون أن تحاول تدارك أمرها بتغيير السياسات الفاشلة أو المسؤولين الفاشلين أو الحلفاء العالة على الحكم،
قولا عديل الدقوا منوا ياناس داخل الاجتماع
الحلفاء العالة دى حلوه جد جد
والله يكون فى العون
ثم ماذا بعد هذا
التاسع من يناير
هذا قول فصل وماهو بالهزل
الجديد شنو
من الذى سوف يحكم السودان
الحلفاء العاله
معهم بعض المخضرمين
لانقاذ مايمكن انقاذه
ام ماذا ياهذا


#50937 [عبد السلام ]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 08:30 PM
مالقيت حاجة في الكيكة لذا تحليل ينم عن غبن


#50891 [عبدالمنعم ]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 05:36 PM
دكتور الطيب تحليلك معقول ومقبول وفيه من الشجاعة ما ينقص الكثيرين من الاسلاميين سواء من البدريين او اللاحقين الكيكة فيما بعد !!!

ولكن اين كنت انت فكرا وممارسة من هذا النظام حين اتي بليل واستولى على الامر ؟؟؟؟


#50846 [موجوع شديييييييييد]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 02:53 PM
ولعلَّ السبب في الإنكار هو الخوف الشديد من تحمل المسؤولية التاريخية والوطنية لانفصال الجنوب بعد عشرين سنة من الحكم المنفرد للبلاد، والذي أدى إلى هذه النتيجة المفجعة التي لم يكن يتوقعها المؤتمر الوطني رغم أنها الأقرب للاحتمال السياسي الموضوعي
ربنا يستر ويجازي اللي كان السبب .


#50792 [ابو محمد]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 01:03 PM
(ربما لا يكون المعني حقيقة هو جيش الرَّب، بقدر ما هو جيش الحكومة الأصولية في شمال السودان..!! )
يا دكتور عبارتك الاخيرة هذه جعلتني ادعو الله ان يكون هدف الاستراتيجية الامريكية الجديدة هي سحق الانقاذ . مثلما اخترعت مؤخرا استراتيجية لسحق اهل دارفور بمسمى كاذب. وكما تدين تدان. المؤسف ان الكيزان جبناء امام امريكا كل يوم خضوعاو ذلا.



#50786 [عادل حسين]
0.00/5 (0 صوت)

11-28-2010 12:40 PM
وضعت النقاط على الحروف يا بروف لكن مين البسمع كلهم جارين ورا مصالحهم الشخصية والحزبية والأمريكية بصراحة كدة حزب البشير ما حيتخلى عن الحكم لأنه ستطاله لعنة المحكمة الجنائية ولعنة الشعب المسحوق ومن أين لك هذا وما أكثرهم ، والجماعة ديك أمريكا خلاص حسمت أمرهم ;(


د.الطيب زين العابدين
د.الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة