المقالات
السياسة
السودان يجلس علي فوهة البركان أم درمان أم روابة أبو كرشولا وبالعكس
السودان يجلس علي فوهة البركان أم درمان أم روابة أبو كرشولا وبالعكس
05-18-2013 08:02 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

يدل الأثر علي المسير والبعرة علي البعير كما تقول العرب، وكذلك تدل الأخطاء الكارثية والفشل الذريع علي الأنظمة الشمولية كما أثبتت التجربة التاريخية، وعلي رأسها نظام الإنقاذانوية علي وزن السودانوية، وذلك لخصوصية أخطاءها التي تعتبر أخطاء زلزالية، بكل ما تحمله الكلمة من معني وأثر نفسي سيئ، فقد أحدثت زلزال عظيم في بنية الدولة السودانية السابقة للإنقاذ، وضاعفت توابعه من خلخلة تماسكها الإجتماعي، وحضورها المشرف علي مستوي التوادد والتراحم والتواصل بين مكوناتها الوطنية، وبددت فرصتها المستحقة، كدولة قابلة للإستقرار والتقدم والرخاء، وحجرت علي كفاءتها ومنعتها من تقديم عطاء يتناسب مع ملكاتها، ولترد بعض من الديون المستحقة عليها، ولتساهم في إعادة الدولة الي جادة الطريق الذي تنكبته طويلاً، وفرضت علي وجود الدولة السودانية ومستقبلها، الإنقسام ومضاعفاته التي تنذر بالخطر المحدق عليهما، من إشكالات حدود متحركة وملتهبة ومشكلة مياه وديون ...الخ وتهديد لوشائج قربة وأواصر نسب قبلية في طور الترقي والإندماج، ومسارات رعي تاريخية، يصعب عليها هضم وإستيعاب وإحتمال، قلة حيلة النخب وضعف خيال اللاعبين السياسيين! وكما تدل كثرت العلل علي إن الجسم يعاني من خلل وخطب ما، كذلك تدل كثرت الحركات المعارضة و المسلحة وتجدد جبهات القتال بإستمرار، علي إن الدولة تعاني من وجود خطب أكثر فداحة! وتاليا يستوجب مراجعة الدولة أو القائمون علي أمرها، سياساتها وطريقة إدارتها لمعرفة مكامن الخلل، والمسارعة في علاجه، لحمايتها من التحلل والإضمحلال والفساد، وذلك بالطبع بإفتراض إن القائمين علي أمرها رجال دولة حقيقيون، وليس دخلاء علي ساحاتها أتو عبر شباك الإنقلاب، يتدثرون باليل كاللصوص ويحملون السلاح كقطاع الطرق! بدلاً عن حمل الفكر والصبر علي الإقناع، عبر أبواب الديمقراطية، تحت أنظار الجماهير وبرغبتها ومراقبتها.
وهذا المدخل بالذات أي المدخل الإنقلابي، هو ما أسس لحالة الخطأ الدائم وإعوجاج الشرعية ومسلسل القهر، الذي لازم مسيرة الإنقاذ، وجعلها تتخبط كمن به مس شيطاني، وما أعظم وأخطر شيطان شهوة السلطة وحب المال، والتطرف في الإقبال علي متع الحياة الفانية بحسابات البقاء الأبدي! وذلك لأن الإنقلاب منعها من رؤية الأخطاء التي تلازم الجهد البشري، وتحمل مسؤولية الأفعال والإهتمام بالتجويد في الأداء، ومنافسة الآخرين، الذي يرفع من حرارة المنافسة السياسية وتجويدها! التي من المفترض أن تعرض علي الشعب يوم القيامة الإنتخابية، لتقول الجماهير فيها قولها الفصل، يوم تأخذ الأحزاب الناضجة والناجحة كتابها بيمينها، وتعاقب الأحزاب الفاشلة بحرمانها من نعمة القيادة، حتي تراجع برامجها وتعي طموحات وهواجس الجماهير، وتقوي علي التعبير عنها، في شكل خطط ومشاريع مقنعة لها، بوصفها مؤهلة وقادرة علي إختيار الشخص المناسب في المكان المناسب والمقيد باللوائح والقوانين، وليس القوي الأمين المسلح بالأخلاقيات الإسلاموية العالية! والمتغيرة بتغير الزمان والمصالح والعلاقات! وكم من مظهرٍ (موساوي) رحيم، فاجأنا بسلوكٍ فرعوني شرس ونهم وأداءٍ عقيم!
المهم فشلت الإنقاذ في تقديم نموذج صالح لإدارة الدولة، وذلك ليس لأن فاقد الشئ لا يعطيه فقط! ولكن لعجزها عن تكوين هوية خاصة بها، أي تطابق ما بين تصوراتها لنفسها والتعبير عن ذلك علي أرض الوقع، وبتعبير آخر عجزت عن التعبير عن ذاتها، وفقدت القدرة والسيطرة علي تأطير نفسها، داخل جسم او كيان او شكل واضح القسمات، يملك أدوات للتعبير والفعل وإنتاج الأفكار والبرامج والخطط...الخ وغيرها من لوازم الأحزاب والتنظيمات والكيانات والدول الحقيقية، وتاليا تحولت الي مسخ سياسي، فاقد للطعم واللون والرائحة إلا من روائح الفساد النتنة! وتحولت الي حالة من الشبحية(من الشبح) السياسية التي تفقد المرجعية، وتفقد كذلك القدرة عن الإعلان عن وجودها، وتحملها عواقب أفعالها سياسياً وإجتماعياً! والمؤسف أنها نقلت هذه الحالة الشبحية التي تتملكها الي الدولة، لتكسبها طابعها الشبحي وتتحول الي دولة شبحية بإمتياز، وهو ما يجري علي أرض الواقع اليوم! أي تحول الوضع الي حالة غياب الدولة بجدارة! أي الدولة كإطار جامع تسع مكوناتها الداخلية، تمثلها وتعبر عنها، وتدير تبايناتها بصورة سلمية، وتقدم خدماتها لكل المواطنين علي قدم المساواة. وكان نتاج هذا الواقع المشوه، هو تشظي الدولة او مكوناتها، لتنتج لنا عدد من الدول داخلها، تتعدد بتعدد مراكز الضغط والنفوذ والتأثير في بقاء الأوضاع كما هي عليه! والمحافظة علي إمتيازات أكبر قدر ممن يمثلون هذه الحالة، الغارقة في التخلف والرجعية وفقدان المؤسسية والحس الوطني السليم. ويظهر ذلك بوضوح في تعدد الآراء المتضاربة، والقرارات الهوائية الفارغة وغياب المرجعية التي تحسم الجدل، وتقدم رؤية محددة تجاه أي من القضايا المعقدة المطروحة أو الأزمات المتلاحقة! وأيضا يظهر بأكثر وضوح في، مفارقة المسميات لواقعها او مردودها او وظيفتها أي تزيِّفها، مثل البنوك الإسلامية(الأعلي ربوية) والشركات الإسلامية(الناهبة والمخادعة) والقوي الأمين(المرتشي)، والأخطر من ذلك مفارقة المهن لوظائفها، مثل تحول الجيش والشرطة من وأجبات الحماية للمواطنين، الي مجالات التجارة ودخول الأسواق وتكوين رأسمالية عسكرية تمتلك الأراضي والضياع، وتنافس التجار ورجال الأعمال في ساحات الاسواق والإقتصاد، وهي مدججة بالإعفاءات والإمتيازات! وكذلك الأجهزة الأمنية تحولت من الحرص علي أمن الوطن الي السهر علي راحة و أمن النظام! وهي الأخري تستمتع بمزايا إقتصادية! وتشارك نجوم الرياضة والطرب والمجتمع النجومية! وإمتلاك الجهاز القضائي للمشاريع الإستثمارية مثل مزارع الإنتاج الحيواني وإحتمال كمائن الطوب ومزارع البرسيم والبطيخ! ولمعرفة المزيد عنها(أسألوا الكاتب النابه مولانا سيف الدولة حمدناالله)، وترافق كل ذلك مع فقدان وزارة المالية، الوصاية علي أموال الدولة، إلا اليسير منها لزوم المظهر والأبهة التي تترافق مع المنصب! وتنازلت طواعية عن حقها، لجهات لا يعلم بها إلا الله والجن الأزرق وأهل الباطن من أبناء النظام! وهكذا يمكن إيراد عشرات الأمثلة المحزنة! التي تدل علي أن الخلل تخطي حتي النظام الفاشل الفاسد العاجز، ليصل الي ضرب نسيج القيم الإجتماعية الخيرة ويحطمها، ويحدث إنقلاب في المفاهيم والقيم نفسها، لتعمل في إتجاه خدمة السادة الجدد!! ويفتك بصلابة التقاليد الوظيفية الراسخة، ويحولها الي كومة من الخراب بعد أفراغها من محتواها وإحترامها!
ولكن لماذا إستمر نظام بهذا السوء طوال هذه المدة، أي ما يقارب الربع قرن من الأسي والدموع؟؟! وذلك حسب إعتقادي يرجع لسببين، اولهما أنه خلق نوع من الرهبة والخوف والتدجِّين في نفوس شعبه المسالم بطبعه! عبر بيوت الأشباح والقتل الهمجي، والتعامل الارهابي والعنف المفرط، مع أي إحتجاجات او مطالب مهما كانت سلمية/بسيطة/عادلة أي الرد الأمني الجاهز لكل مشكلة او مجرد محاولة للحوار! وذلك بعد تحويل البلد الي حالة من الطوارئ والعسكرة والمعسكرات المفتوحة، وتفويج الدبابين وإستقبال الشهداء! والمدخل الآخر للتدجِّين، هو الإرهاب الإقتصادي لو جاز التعبير، وذلك عبر الفصل التعسفي من العمل(المسمي الصالح العام وهذا بدوره جزء من التزييف المذكور أعلاه)، وتجفيف المشاريع الكبري التي تستقطب جزء كبير من القوي العاملة، وجعل العمل ولقمة العيش تمر عبر الكيان الإسلاموي القابض! والمسيطر علي كيان الدولة بصورة أمنية وعصبية تنظيمية وعصابية شاملة! تمنع مجرد التحدث او الطموح او المشاركة الفاعلة او المساءلة من قبل الآخرين، الذين تحولوا الي مجرد ضيوف ينتهي دورهم، بتأهيل كوادر التنظيم لإستلام المنصب او الوظيفة المحددة! او بترك دور الكومبارس الوظيفي لهم! بوصفه لا يليق بدور البطل الكيزاني الكبير! وتزامن ذلك مع تملك الدولة بواسطة التنظيم الإنقاذانوي كحرز شخصي أو مملكة إقطاعية شديدة الخصوصية! بعد أن أقرت قوانينها ولوائحها الخاصة! التي تُجِيِّز الإمتلاك الكامل للدولة والفساد القانوني او العلني!
والسبب الثاني لإستمرار نظام الإنقاذ الكسيح والمفقر أخلاقياً وتنموياً! يرجع الي أنها صنعت وروجت صورة لجماهير المركز وبالأخص سكان المدن والقبائل النيلية، عن أنها تشكل لهم حماية من الهوامش، المشيطنة بدورها! كأنه لا يكفي ما تعانيه من ظلم وإجحاف ليضاف لها التربص بالمركز ونزع إمتيازاته غير المستحقة! وذلك أولاً بالسيطرة علي جهاز الدولة داخل نخب هذه المنظمومة! وثانيا بقمع أي مطالب من الهامش، وبقمع أي تحركات منه بقسوة مفرطة، وتصويرها كأنها تستهدف وجودهم بشكل حصري، بعد التشكيك في إنتماءهم لهذه البلاد، ومن ثم الدولة المسيطر عليها من قبلهم، وذلك بالطبع بعد القراءة المتحيزة للتاريخ التي تخدم مثل هذه الأغراض من بعض قادة الهامش نفسه! والذين لا يقلون عن نخب المركز المسيطرة سوء! أي في وعيهم الإستئصالي الذي ينفر من التعايش والتآلف بين كل المجموعات، التي شغلت هذه البقعة من العالم عبر مئات السنين، وبمعني آخر المطلوب حل الإختلافات بالحسني، والوقوف بحزم ضد التمييز والتعالي والأسبقيات التاريخية المتوهمة، ومعالجة أخطاء الماضي بعد الإعتراف بها، والتعهد بعدم تكرارها او العودة اليها إلا من أجل أخذ العبر والدراسة التي تستنكف التزوير! المهم هذه التصورات المسمومة التي برع في الترويج لها الإسلامويون الإنقاذويون، كانت تجد لها مرتع خصب و صدي، في ظل وجود الحركة الشعبية في الجنوب، وإتخاذها البندقية كجزء من وسائل الضغط والحصول علي الحقوق، ضد كيان الدولة السودانية المغتصب بواسطة جماعة الإنقاذ، في ظل إنعدام الثقة المتوارث، بسبب خيانة العهود، وإفراغ الإتفاقيات من مضمونها، بسبب التماحك و(الجرجرة) وإستبطان الغدر، حتي قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به تلك الإتفاقيات! وبإمتلاك هذه الجماعة الضالة، لجهاز الدولة بكل مواردها الإقتصادية والإعلامية والسياسية، ووجود الساحة خالية من المعارضة، تمكنت من زرع هذه التصورات السالبة تجاه الآخر (الأخ والشريك في الوطن)، لأن ذلك يخدم لديها عدة أغراض، فهو يخلق نوع من الإلتفاف حول برامجها الوهمية الفاشلة، والتي في حقيقتها تنحو نحو تحقيق المصالح الخاصة لجماعة الإنقاذ الخاص! كما تعفيها من الأخطاء القاتلة التي أدمنتها ورأفقت مسيرتها كظلها، وأيضاً تسمح لها بتأجيل كل المطالب والإستحقاقات والصبر علي الإبتلاءات! لحين حسم معركة الهامش الكبري! ونَخْلُص من ذلك الي أنَّ وجود أعداء من الهامش، او خلق نوع من العداء مع الأطراف، ليست مسألة عرضية ناتجة عن خطأ عفوي او سوء في تقدير الإمور، ولكنها حالة تبرير للوجود، أي بما أنه نظام مأزوم وفاشل وعاجز عن تقديم أي حلول عملية، فهو لا يستطيع البقاء والوجود، إلا في بيئة من الأزمات والصراع، التي تخفي عجزه وفشله وترحلهما الي الأطراف والهوامش وأجواء الصراع، أي أن هذه الحروبات والأزمات تجدد شبابه ونشاطه وحيويته(فياغرا لحالة خموله وعجزه المستحكم)، وتخلق له نوع من السياسة أو لغة الدولة التي غيَّبها، وفرض حالة من العجمة الوطنية والرطانة الإجتماعية! وذلك بسبب وصوله الخاطئ الي السلطة ب(الإنقلاب) من جهة ومصادرة الملعب ومنع الآخرين من التحدث بلغة السياسة من الجهة المقابلة، بعد إزاحتها لصالح العنف والإرهاب والإحتكار والمخاشنة اللفظية والأمنية والتخبط والعناد! ويظهر ذلك الأمر بوضوح (شيطنة الحركات)، حتي علي لسان أفراد النظام، الذين يتحدثون عن معرفتهم وعلمهم بكل تحركات حركات الهامش والأطراف، وفتح المجال لها للدخول وإحداث إضطرابات داخلية، تقلل من صدق إدعاءتها، وفي نفس الوقت تكسب النظام نوع من الشرعية المفقودة! وتساعده في سعيه المحموم، ليس لمعرفة مطالب تلك الحركات ومن ثم الشروع في حلها، علي الأقل بما يبرر حكمه المطلق للبلاد! ولكن بالدخول في صراعات عبثية معها، يدفع ثمنها الأبرياء من الجانبين، والشروع في مباحثات مارثونية مفتوحة، من أجل المباحثات وكسب الوقت فقط! وخلق منابر متعددة وتقسيم المقسم! وتصوير الحركات كباحثة عن السلطة والثروة والمجد. والنظام إذ يلعب بهذه القضايا ويتاجر بالمحن، لا يدري أنه يغوص في الوحل، ويغرق معه كل الوطن في أتون الحرب الأهلية، وينذر بتذرر الدولة وتفككها، والدخول بها الي حالة من الإستعصاء، الذي يصبح مجرد الوصول معه لنقطة الصفر، أي وجود الدولة الحالية بأزماتها الخانقة، نوع من ضرب المستحيل!
هنالك عدة مؤشرات تستنتج أو عبر ودروس مستفادة من الأحداث الأخيرة (دخول أم روابة والسيطرة علي أبو كرشولا من قبل الجبهة الثورية) وعطفا علي ما سبقها من أحداث أم درمان وغيرها من تفاصيل مشابهة، فيما يخص النظام الإنقاذانوي، وذلك بالطبع بعد سقوط المشروع الحضاري من سماء الأوهام والأمنيات المراهقة، وإرتضامه بأرض الواقع الصلبة، وتناثره الي أشلاء، في كل ركن مظلم جزء، وفي كل ضرع إقتصادي فم! ورسوبه في إمتحان حفظ البلاد موحدة(علي الرغم من ان متبنيه كانوا من الأوائل والشواذ علي مستوي التعليم والتقييم السوداني!)، لنصل الي مرحلة إنتاج أفلام الخيال العلمي الإسلاموية! التي تحدثنا عن الرصاص الذي لا يخترق الأجساد! والقوة الخارقة التي تقف، في صف المؤمنين ضد جحافل الكفار! وغيرها من الإنتاج الإعلامي المفبرك، والخالي من أي لمسة فنية او جمالية او إبداعية(هم فاضين من التهليل والتسبيح بإسم السلطة والمال)، ولكنه يتوسل التعاطف والقبول المجاني من المتلقي، بعد إفتراض البلاهة والسذاجة فيه! او العبقرية في أنفسهم! وهو يعكس بالضبط مدي العجز والخوار والخوف، الذي يعشعش داخل أركان النظام الإنقاذانوي، ويجعله يتمسك بقشة هشة وخيالية وبليدة! من أجل النجاة من الغرق المحتوم والمصير المعلوم، ولكن أين المفر، وهذا ماجنته براقش الإنقاذانوية علي نفسها وعلي البلاد! والله يكون في عون العباد.
وايضا من الدروس المستقاة من هذه الأحداث المتماثلة والمكررة بالكربون، أن الدخول لهذه المدن وبهذه السهولة والجراءة، يمثل إهانة للجيش السوداني ومس لكرامته وتشكيك في كفائته ومقدرته! مضاف الي ذلك المبالغ الهائلة التي تصرف عليه، كما تعلن وزارة المالية علي الملأ بنود ميزانيتها، وما تنفقه عليه، خصما علي أموال التنمية والخدمات! وهذا ما يضاعف من المأساة، ويضع كثيرا من علامات الإستفهام حول أداء الجيش السوداني؟! ويظهر أنه مثله مثل بقية المجالات او القطاعات، قد طالته يد التسيس والخراب وهروب الكفاءات او فصلها او إبعادها عن غرفة التحكم والتأثير! والجيش السوداني نفسه ومنذ تأسيسه يثير التساؤل والعجب حول عقيدته وواجبه! فهو ترك مهامه الأساسية كما نعتقد، والمتمثلة في أمن البلاد من العدوان الخارجي وحماية الدستور من العدوان الداخلي! وإنغمس في السياسة وتغول عليها، وعمل علي عسكرة البلاد طوال تاريخها منذ الإسقلال، الذي تحقق علي أيدي الساسة الوطنيين من غير دماء وشهادة وبطولات عسكرية! ولو كان ذلك الإنغماس عبر بعض أفراده! ولكن ما دور الآخرين في التصدي لمثل هذا الإنحراف! الذي عطل عجلة التنمية والديمقراطية في البلاد. وكذلك ما يثير الدهشة إن معظم حروبه، كانت ضد مواطنيه في الداخل، أي من يدفع وقود تسييره! وحتي إذا إفترضنا إن بعض تلك الحروبات كانت بأوامر من السياسيين، وهم تحت إمرتهم وطاعتهم، فلماذا برروا لأنفسهم الإنقلاب عليهم وأخذ السلطة من يدهم بغير وجه حق! هذا إذا كانت مسألة طاعة القادة السياسيين من مبادئهم التي لا يحيدون عنها قيد أنملة؟! وهو لم يخض حرب ضد الخارج طوال تاريخه(حسب علمي) او يتمركز حول اطراف البلاد، لفرض هيبة البلاد ويمنع التعدي علي حدودها، كما حدث لحلايب والفشقة علي سبيل المثال. ما عدا مشاركات خارجية خجولة ذات طابع دبلوماسي، بدعوة من الدولة المصرية للمشاركة في حروبات ضد إسرائيل مع الإخوة العرب، او بدعوة من الأمم المتحدة ومشاركتها في أحداث الكنغو في الستينيات، وقد تكون هنالك أمثلة أخري لأ أعلم عنها شئ. وكل هذا أضعف من مكانة وهيبة الجيش السوداني، داخل نفوس المواطنيين، الممنوعين بدورهم من التعبير عن آرائهم بحرية في كل شئ! وخاصة مواطني المناطق التي يدور داخلها الصراع والقتال لفترات طويلة، ودفعت من دمائها وبنيتها التحتية ما لا يمكن إحتماله بأي مقياس مقبول! وكل ما ذكر أعلاه (كوم) وما حدث للجيش في عهد الإنقاذانوية (كوم آخر)، فخلاف الإنقلاب الذي قام به هذا الجيش، فقد حدث لهذا الجيش ترهل وتمدد عجيب، وتنزَّلت عليه مجموعات هائلة من حملة الشهادات الجامعية، وسيطروا علي مراكز القيادة والقرار والنفوذ، وهذه ظاهرة غريبة من عدة أوجه، اولاً لأن العسكري سواء كان ضابط او جندي له تركيبة نفسية محددة، يدرب ويربي عليها وتدخل في صميم مهنته، كطاعة الأوامر دون نقاش، والإنضباط الصارم والحزم والشجاعة والإقدام علي المخاطر! ومعظم هذا يتنافي مع تركيبة الأكاديمي(من حملة الشهادات الجامعية، حتي بعد الجرعات التدريبية التي يأخذها) لأن تكوينه يتأسس علي الجدل والمناقشة وكراهة الطاعة العمياء او كما يفترض أن يكون عليه! وثانيا إذا كان حملة الشهادات الجامعية مقتنعين بالمؤسسة العسكرية، لماذا لم ينتموا إليها منذ البداية وقد كانت متاحة لهم، وهذا يقودنا الي الإعتقاد إن سبب الإنتماء لهذه المؤسسة، يعود لتخرجهم من كليات درسوها دون رغبة منهم ولم ترضِ طموحهم! بعد أن فشلوا في الإلتحاق بكليات يرغبون فيها! او قد يكونوا مقتنعين بتلك الكليات وشهاداتها، ولكنهم في الحياة العملية لم يجدوا أنفسهم فيها، وفي المحصلة كانت المؤسسة العسكرية مدخل سهل، إما للحصول علي مكاسب مادية بعد أن أصاب المهن الأخري الفقر والجدب! او لإشباع حوجة سلطوية متأصلة في النفوس، او بسبب مغانم وطموحات سياسية، بعد أن أصبحت المؤسسة العسكرية في الدول النامية، ومن ضمنها السودان وهذا إذا لم يكن علي رأسها! هي المدخل السهل للسلطة والثروة والمكانة، لأن كل ذلك يتم بقوة السلاح! وليس عبر الإقناع (الطريق الصعب وغير المأمون) أو الكفاءة التي يمتمتع بها القليل من الناس، كموهبة و عملة نادرة تكتسب أهميتها من هذه الندرة!
المهم هذا الخلط بين الأكاديميين من جانب والعسكريين من الجانب الآخر، كان يمكن أن يشكل إضافة حقيقية للمؤسسة العسكرية، او علي الأقل لا يحدث تأثير كبير فيها، لو كان عدد هولاء (الأكاديميون) قليل او بنسبة مدروسة حسب الحوجة في إدرات محددة، ولكن هذا الكم الهائل من الأكاديميين وتغلغلهم داخل كل وحدات الجيش، أثَّرَ حتي في عقيدة هذه المؤسسة، وحوَّلها من عقيدة قتالية او علي الأقل تكرس جهدها للإهتمام بهذا الجانب، الي مؤسسة شبه مدنية تشرئب بعنقها، الي مجالات إقتصادية وإستثمارية وسياسية(وزراء وولاء وسفراء ...الخ) لينخرطوا في كل أنشطة المجتمع المدني من أندية وأسواق وصحافة وفنون وإحتمال هنالك وعاظ برتب عسكرية، ورتب يحق لها الفتوي، وأخري متخصصة في النكاح والطلاق والحضانة! أي طبعوا المؤسسة العسكرية بالطابع المدني، واصبح الإنتماء إليها يعني عمليا، الإقتراب من السلطة والوجاهة وتدفق الأموال والقطع السكنية والزراعية، ووسيلة فعَّالة لإنتهاك القونين واللوائح والتمركز في العاصمة (الترطيب) والحصول علي حقوق آخر الخدمة والمكافآت المهولة! وتوفير الحماية للأهل والأصدقاء من شر الإعتداء من جهات أخري، في دولة ليس فيها أسهل من إنتهاك القوانين وتوظيفها للمصلحة الشخصية! إضافة الي التداخل بين ما هو سلطة للجيش وسلطة للأمن وحدود كل منهما! كل ذلك شوه صورة المؤسسة العسكرية وأخل بدورها وجعلها بهذه الصورة المتردية! لذلك يجب بعد تغيير هذا النظام التخريبي، النظر بعين الإعتبار لهذه المؤسسة، وإعادة بناء عقيدتها علي أسس جديدة وحديثة، تقوم علي حماية البلاد والدستور من الإعتداءات! وترك ما للسياسة للسياسة وما للعسكر للعسكر، دون تداخل بين الإختصاصات، إضافة الي إعتمادها علي الكفاءة والمواطنة وعدم التمييز في الإختيار او الترقي او حجز مراكز القيادة لجهات محددة! وأن تعتمد علي مناهج تدريس، تؤهل للمعرفة بحقوق الإنسان، وإحترام الدستور و القوانين كسلطة عليا غير مسموح بتجاوزها لكائن من كان، وكذلك التعريف بالدبلوماسية والعلاقات الدولية، وإن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة أخيرة لحل الخلافات، وهي تحت إمرة السياسة وأحد وسائلها فقط! وإن حق النفس الأنسانية في الحياة مقدس، وواجب مقدم علي كل واجب، لأنها ما يعطي الحياة معناها والوجود قيمته والمسيرة الإنسانية صعودها الي أعلي وتقدمها الي الأمام. والأهم من كل ذلك ترك العقيدة الفاسدة التي تعتنقها الآن، وتمثل جزء اساس من أزمتها، وهي عدم التحدث او الكتابة عن المؤسسة العسكرية او نقدها كنشاط إنساني يحتمل الإختلاف والجدل(لا نتحدث عن كشف خطط للأعدء او معلومات ذات طابع عسكري حساس) كأنها شئ مقدس، وتصوير ذلك كأنه يمس بأمن الوطن(مما يذكر باللوحات القديمة والعتيقة المنتشرة في أماكن محددة ذات طابع عسكري و الحاملة للتنبيه الشهير ممنوع الإقتراب او التصوير!)، وهذا بالضبط ما أسس لهذا الترهل والفساد داخل هذه المؤسسة ودورها المحترم، أي إبتعادها عن النقد ونزع الغطاء عنها وكشفها للراي العام كغيرها من المؤسسات، والتعالي علي المساءلة أمام الراي العام! وإعتبار أفرادها أبطال حتي ولو لم يخوضوا معركة واحدة، طوال عمرهم المهني المديد المبارك! وإنتهكوا القوانين والشرعية (بإنقلاب او نحوه)! بحجة أنهم يقدمون أرواحهم فداءً للوطن! كأن هنالك دعوة وجهت لهم للإلتحاق بالمؤسسة العسكرية! ولم ينضموا إليها بمحض إرادتهم وهم يعلمون سلفاً دورها وواجباتها! وتالياً إذا لم تكن تضحياتهم من أجل التمسك بشعاراتها اي لله والحق والوطن والواجب فلا داعي لها من الأساس! ليأتوا ويَمُنوا ويتفضلوا علي شعبهم بتضحياتهم وعرقهم ودمائهم الزكية. فكل فرد او موظف او عامل، طالما أدي دوره وواجبه باخلاص وجِدْ وأمانة، فهو مثل الجندي او الضابط الذي يؤدي دوره في ساحة المعركة تماما، لأن الدولة تقوم علي المهام المتعددة، والتسيق بينها بتناغم وتوازن يراعي قدرات شاغليها وحوجة الدولة لها. أي إن العبرة ليست بنوعية الوظيفة، ولكن في الكيفية التي يتعامل بها شاغلها معها، اي تقاس الفائدة بما يبذله من جهد ودرجة مهارته وتوجيههما نحو المصلحة العامة، وعلي ضوءها يتم تقيم أداء الفرد والمجموعة، وبقول آخر إن الوطن لا ينظر الي لون الوظائف وصور المهن، ولكنه ينظر الي جهود مواطنيه ومدي إتساقها مع التنمية والتطور والتقدم والرخاء. أما إذا كانت الكتابة الموجهة الي المؤسسة العسكرية بها أخطاء او تحامل أو إساءة فلهم حق الرد والتوضيح، وإذا مست الجانب الأمني فلهم حق التقاضي أمام المحاكم، ليأخذوا حقهم بصورة متحضرة كغيرهم من أفراد المؤسسات الأخري، بل عليهم وأجب أعظم ليس في إحترام القوانين فقط، ولكن في تقديم الأنموذج الأمثل في القيام بواجب ذلك الإحترام، لتماس مهنتم مع القانون نفسه او بصفتهم من حماته والساهرون علي تطبيقه.
وأيضا من دروس هذه الأحداث الأخيرة، أنها أكدت للمرة الألف إن النظام الإنقاذانوي، غير قادر علي حماية البلاد وأمن العباد، بل غير معني بهما، إذا ما ضمن سلامته وإمتيازاته الخاصة(المقصود أفراده بالطبع!)، وأنه يعتقد إن إرتفاع الصوت وتهم التخوين التي يستسهل دمغها بالآخرين، وتجيِّش عواطف الجماهير، والسيطرة المستميتة علي العاصمة، وإرهاب جموعها السكانية أو رشوتهم وإغرائهم ببعض الإمتيازات، علي حساب بقية الأطراف الأقل خطر علي وجوده! وقدرته الشكلية علي حفظ الأمن داخلها! كفيلة بإستمراره الي الأبد! و أيضا كشفت هذه الأحداث، عجزه التام عن محاسبة المخطئين داخل التنظيم وذلك لعدة أسباب،أولاً لإختلاف معايير الخطأ داخل النظام الإنقاذانوي، فهو يعتبر إن الخطأ يأتي من الخارج(المعارضة الحركات المسلحة العالم الخارجي الجماهير) فقط، وإن أفراده لا يخطئون وأن ما يقعون فيه من مفارقة للصواب، يأتي من سوء التقدير الذي لا يريد شراً بالنظام! ثانيا إذا إقتنع النظام الإنقاذانوي أن هنالك مخطئون وهذا نادرا! يعتقد أن محسابتهم، شبيهَ بأحجار الدومينو، ما أن تطال واحداً منهم إلا وأدركت الجميع بالسنة لهبها. وثالثا غياب مرجعية حقيقية لها القدرة علي فرض هيبتها تنظيميا وأخلاقيا! تمكنها من محاسبة الآخرين(وعندها لن ينجو أحدا منهم، من يحاسب من)، وهذا كما أسلفنا بسبب غياب التنظيم واللوائح المنظمة لإعماله ولمشاركتهم جميعا في الجرم ولو بنسب متفاوتة! وتحوله الي مجرد مصالح شخصية تراعي التوازنات بينها، حتي لا تذهب ريحها، وهي تعلم سلفا رأي الجماهير المكبوتة فيها! وأيضا تحفظ حدود كل طرف منها، الي حين وجود فرصة للتخلص من الطرف الآخر! وهذا لا يمنع تقديم بعض الأفراد ككباش فداء والتضحية بهم، بسبب فقدانهم الحماية والسند والنفوذ، لسببٍ او لآخر داخل هذا المحفل الماسوني! كأحمال زائدة يلقي بها في بحر الفضائح والتشهير، حتي تتاح فرصة لنجاة سفينة الإنقاذ المشرفة علي الغرق، والتي لا تبالي إلا بالتمسك بالسلطة حتي الهلاك!
وإخوانا في الجبهة الثورية، لابد من أن تتوضح الإمور من جانبهم بصورة واضحة وجلية، لامناورة وغموض ودبلوماسية رمادية فيها! بحيث يصدقها الواقع وتنعكس علي سلوك الجبهة السياسي والعسكري, ونقصد بذلك هل تسعي الجبهة بحق وحقيقة لإحداث تغيير سياسي، يدفع نحو التحرر والديمقراطية وحقوق الإنسان، والمشاركة الجماعية في البناء الوطني والإستمتاع المشاع بالعائد منه، أم تسعي بقوة السلاح، لتقيم نظام يراعي مصالح الجبهة، والتي في هذه الحالة ستتقاصر، حتي تتحول الي مجموعة مصالح تخص قواد الجبهة حصريا، وتستجيب لنزعاتهم في التسلط والتملك لكامل البلاد، لتعيد أنتاج الدكتاتورية بصورة أكثر فظاعة، وأكثر جذرية في التخلص من الخصوم والمختلفين او المخالفيين! بمعني آخر هل للقيادة السياسية للجبهة الثورية سلطة تَحكُّم ومحاسبة علي الجناح العسكري للحركة أم العكس هو الصحيح! أي إن الغلبة لحملة السلاح، بوصفهم أكثر مواجهة للأخطار، ودفع أكلاف عالية في مواجهتم لنظام دموي بإمتياز، لا يرحمهم او يتهاون معهم سواء في حالة المواجهات او الإستسلام! بوصف الصراع بينهما صفري وإستئصالي، يسعي لإبعاد الآخر ليس من السياسة فقط! بل من الوجود نفسه! بإعتباره شيطان ونجس يجب تطهير الأرض من شره لتستقيم الحياة! والمقصود من كل ذلك يجب عدم دفن الرؤوس في رمال الإحراج او اولوية مواجهة النظام! وغيرها من الأعذار، التي تبيح غض الطرف عن الأخطاء وكف البصر عن الهنات التي تصاحب العمل السياسي! لأن ذلك يضر بالحركة اكثر ما يضر بالنظام، والمقصود بصورة أكثر وضوح يجب ألا يفقد الجناح السياسي للحركة سلطاته، ويؤجل فرض أولوياته أي العمل السياسي السلمي، وتوظيف الحرب فقط من أجل الوصول الي حل للقضايا السياسية، وليس إعتماد العمل المسلح، بإعتباره الوسيلة الوحيدة والمتاحة للحصول علي المكاسب، لأن ذلك النوع من الحلول يستبطن شرعنة السلاح والقوة، للحصول علي المكاسب باستمرار، حتي بعد التغيير المنشود، مما يجعل الحلم بواطن آمن، نوع من السراب و الرومانسية المنقرضة تحت قعقعة السلاح! لكل ذلك يجب أن ينضبط الجناح العسكري في عملياته، بتوجيهات السياسيين، وأن يلتزم بمراعاة سلامة وأمن المواطنيين المدنيين، والبني التحتية والخدمية، ويبعدها عن أهدافه بصورة مبدئية! أي ألا يتحول المواطن المسالم وبيئته وحياته، الي وقود او ثمن لابد من دفعه، حتي تتحقق الأهداف! لأنه ليس هنالك أهداف تبرر قتل إنسان او مواطن عادي (إحتمال أكثر تضررا من النظام، من المنتمين للحركة ذاتها) وتدمير منطقته، بحجة بناء نظام ديمقراطي يراعي سلامته ومصالحه!(إلا إذا كان المقصود في الدار الآخرة) فهذه حجة لا يمكن قبولها! وبمعني آخر إذا أرادت الجبهة الثورية قبول أكبر قدر من قطاعات الشعب بها، والإشتراك معها لإنجاز التغيير المنشود الذي يخدم الجميع، أن تقدم بديل أفضل من النظام الإنقاذانوي، علي مستوي الإلتزام بحقوق الإنسان والنهج الديمقراطي وحرية التعبير والإختلاف داخل أجهزتها، وعند تعاملها مع المختلفين، قبل أن تبشر بها الآخرين، حتي لا ينطبق عليها كل ما ذكرناه أعلاه في النظام الإنقاذانوي البغيض! والأهم من ذلك أن تطرح برامج متكاملة ليست للتغيير فقط، ولكن لما بعد التغيير، علي أن تطمئن هذه البرامج مخاوف كل القطاعات، حتي التي تختلف مع الجبهة الثورية، أي تقطع نهائيا مع الإقصاء والإستبعاد للآخر المختلف، علي أن تكتسي برامجها السياسية بالحلي الديمقراطية، وتتوكأ علي برامج تنموية و إقتصادية، تعيد توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة، والأهم خلق الثروة وتجديدها وزيادتها، والتصالح مع العالم الخارجي، والخروج من حالة العزلة الدولية، بسبب الأخطاء والتجاوزات المنكرة، لحقوق الإنسان التي أرتكبت عبر النظام الإنقاذانوي، وعدم رهن البلاد وشعبها لإرادة القوي الخارجية ومصالحها، وذلك ليس بالتصادم معها والدخول معها في منافسة، لإستحالة المكسب في ظل الظروف الحالية والمستقبل القريب بسبب فارق القوي والإمكانات التي تلعب لصالحها، ولكن بتعظيم المشتركات والتحاور بالحسني حول الإختلافات، والدخول في أحلاف وتكتلات إقليمة مدروسة، تساعد في بناء مصدات ضد طوفان السيطرة الدولية، التي تنظر بعين وأحدة وهي عين مصالحها فقط! (كالمسيح/المسيخ الدجال المذكور في الديانات التوحيدية).
والغرض من هذا التنبيه للجبهة، حتي لا تقع في نفس الخطأ، الذي أعتقد إن الحركة الشعبية قد وقعت فيه! والأسوأ من ذلك إن محاولة التنبيه او الإختلاف معها، كانت تسبب حرج وتجلب لصاحبها التهم بالتخاذل والإرتماء في حضن النظام، وذلك بسبب التضحيات الجسيمة والشجاعة الاسطورية التي قدمتها في ساحات القتال، وقدرتها الفعلية علي فرض إحترامها ومطالبها علي النظام الذي لا يفهم سوي لغة السلاح! بل هي لعبة الدور الأساس في توسيع هامش الحريات، وكسر جبروت وفرعنة النظام! وأقصد بذلك الخطأ، إن برامج الحركة وألقها إرتبط برباط وثيق بقائدها الزعيم الخالد جون قرنق، أي ضعف المؤسسية داخلها(قد يكون ذلك راجع لظروف الحرب ولكنه ايضا مبرر ضعيف وذلك لسوء النتائج المترتبة عليه)، ولذلك برحيله فقدت الحركة جزء كبير من فتنتها وإعجاب الناس بها، والتنوع والتوازن بين مكوناتها وسيطرة الطابع القبلي علي قراراتها وأهدافها(قبيلة الدينكا بالخصوص)، الشئ الذي جعل البعض يفقد الإيمان بمشروعها الجديد، خاصة بعد صعود وسيطرة التيار الإنفصالي، الذي فقد قدرة التعبير عن نفسه خلال حياة جون قرنق! الذي كبح جماح هذا الصوت ليس بالإقناع، ولكن بسطوته وسيطرته وفرضه للأمر الواقع علي أعضاء الحركة! وساعده علي ذلك كاريزميته العالية وقدرته الهائلة علي التأثير وحنكته في قيادة الحركة، الشئ الذي جعل الإختلاف معه، يجلب المتاعب لصاحبه(لضعف المؤسسية كما قلنا سابقا). مما جعل هذا النفس الإنفصالي، وبدلاً ما أن ينتفي عبر الحوار والمجادلة، او يعبر عن نفسه بصورة جلية تسمح للآخرين إما بالإبتعاد، او الصبر و السعي لإقناع المختلفين داخل التنظيم بوجهة نظرهم، لبناء كتلة أكبر تعمل لصالح فكرتهم، او بالمشاركة عن قناعة بذلك الإنفصال. ولكن جعلته يتغلغل في النفوس ويتعاظم في البال، لينفجر بعد الرحيل المباغت لجون قرنق!! ويجرف كل أحلام الوحدة الي هاوية الضياع!
أما السبب الآخر الذي أضعف الحركة الشعبية، في إعتقادي وتسبب في المصير المحزن الذي آلت إليه بوفاة جون قرنق وحدوث الإنفصال، هو إن برنامج الحركة يقوم بشكل أساسي أو يستبطن، مسألة الهوية بصورة مؤرقة، او شكلت بوصلة تحكم توجهاتها وهواجسها! مما أضعف العوامل الأخري في ذاك البرنامج، او قلل من الإهتمام بها بشكلٍ كافٍ، وأقصد بالتحديد تبني برنامج أقتصادي تنموي مبدع وخلاق وطموح، يستفيد من السياسة في جانبها الديمقراطي التحرري، وبقول آخر إن المشكلة الحقيقية لهذه البلاد، هي مشكلة تنموية وإدارية في المقام الأول، ولكنها تتمظهر في شكل إحتقانات سياسية وعرقية ودينية وإجتماعية، أي إن هذه عبارة عن أعراض لها، ووجود حل جذري لإشكال التنمية المستدامة الشاملة، كفيل بوضع علاج لكل الأعراض الجانبية المصاحبة للتدهور التنموي، وإذا لم تُحدث حل تلقائي لها، فانها قادرة علي صنع أفق للحلول يستند علي أرضية أكثر رسوخ. وهذا الحديث لا ينفي تداخل تللك العوامل مع بعضها البعض، وتأثيرها المتبادل في بعضها البعض، ولكنها تركز بشكل أساس علي الجانب التنموي بوصفه الرافعة الحاملة لكل تلك الحلول، والهيكل الذي تكمله تلك العوامل، ليكتمل بناء الدولة المنشودة، وبجملة واحدة يجب التخلي عن الهوس المرضي بالسياسة(التي تضييق حتي تؤول الي الحكم حصريا) والإنشغال الوسواسي بالهوية، والتحوّل الي إعتناق عقيدة التنمية والتورط حتي الجنون في الهمّ الإقتصادي!
ومجمل هذا الحديث، ليس غرضه التشكيك في مشروع السودان الجديد، بل يعتبره مَثَّل إختراق هام للأزمة الوطنية، وشكل بقعة ضوء شديدة السطوع داخل نفقها المظلم، ولامس بؤر القضايا الأساسية ووضع أسس جيِّدة لحلها، ويمكن إعتباره قاعدة للأنطلاق والبناء الوطني، بقليل من الجهد والمساهمة الجماعية، والإبتعاد عن الغيرة الحزبية، والتفكير في حصاد النتائج حتي قبل الشروع في العمل، وعلي أن تكتفي القيادات الحزبية التاريخية، التي شاركت بنصيب غير قليل في هذا التردي الحادث الآن، بدور المشاركة في وضع برامج الخلاص، من طور الأزمة المستحكمة التي تمسك بخناق الوطن فقط، وتبتعد نهائيا عن التنفيذ، أي يقوموا بدور الحكماء كما في التراث الإفريقي، ويتركوا مسألة القيادة والتنفيذ لأجيال أكثر شباب ومقدرة وطموح، علي أن يتم ذلك بناءً علي أسس دستورية تبيح المنافسة الحرة، و تمنع السيطرة الدائمة و(الكنكشة) علي السلطة مدي الحياة، بل وتهيئة الظروف ليرثها الأبناء!
هذا ما نحاول تنبيه الجبهة الثورية إليه، من موقع مواطن عادي، يهمه كغيره من المواطنين أن يري وطنه آمن مستقر ومتقدم، وهنالك مسألة لا تقل أهمية، تنطلق من رفضي المطلق، للجوء الي السلاح كوسيلة للتعبير عن المطالب المستحقة او نيلها! نسبة لعواقبه الوخيمة(توسعت في موضوع سابق عن تلك العواقب) وأهمها تعارض النتائج المتحصلة عبره، مع الروح الديمقراطية التي تؤمن بالحرية والمساواة، أو تتيح فرصة المشاركة بعدالة للذين لم يحملوا السلاح! وبتعبير آخر أي تغيير محمول علي سواعد السلاح، سيغييب الكتل العريضة من الجمهور عن موقع التأثير، ويحولها من موقع الندية الي موقع التابع، وبالتأكيد لن يستطيع تابع، ومهما أوتي من هامش للحركة، أن يكون فعَّال في خلق مصيره، وتشكيله بما يراعي مصالحه، وسيكون محكوم بأفق لا يتعدي سقف ومصالح الجهة الوصية عليه، بغض النظر عن طبيعة تلك الجهة، والنظام السياسي الذي تتبناه وتدعيه! وأنا هنا لست بوارد تقديم النصح للجبهة الثورية، في كيفية إختيار وسائلها التي تناسبها، خاصة في ظل نظام سد كل منافذ الحل السلمي، وأدمن شراء الوقت، وصادر السياسة والحوار، وفرض سلطته العمياء والمتعالية، علي الجمع الوطني بكل تشكيلاته وتبايناته وتناقض مصالحه، وأصبح لا يري أي مشروع اوحل خارج أفق مصالحه الضيقة! كما أنه إعترف ب(عضمة لسانه) ونشوة قياداته، بأنه لا يعترف إلا بمن يحمل السلاح، ومن أراد أن يأخذ منه السلطة ف(اليطالعه في الخلا!)، ومن أراد أن تثكله رغبته المشروعة في التغيير، ويترمل وطنه علي شبابه وتأويه بيوت الأشباح! فاليطلع في مظاهرات سلمية او يوزع منشورات مطلبية او يطالب بحريات سياسية! ولكن المقصود كما ذكرت في مكان آخر، أن يوظف السلاح من أجل إتاحة الفرصة للحلول السياسية فقط، وأن يتم اللجوء إليه في أضيق نطاق ومع إنعدام البدائل الأخري! مع مراعاة حرمة دماء المدنيين والمواطنين البسطاء الذين يجهلون ساسة يسوس، ولا تشغلهم إلا لقمة العيش الصعبة في زمن الإنقاذانوية النكد! وبقول واحد يجب أن يوظف السلاح من أجل المصلحة العامة، أي التغيير الديمقراطي ورد الإعتبار لحقوق الإنسان(المهدرة) والتنمية(المضاعة) والمشاركة(المفقودة) والمحاسبة والرقابة والسلام والإستقرار.
يتضح مما سبق إن النظام الإنقاذانوي يمر بأضعف حالاته، وأصبح يسلك سلوك غريزة البقاء فقط! بعد أن فقد القدرة علي فرض الإستقرار، وطلوع أجزاء من البلاد عن طوعه و قبضته! الشئ الذي يجعلنا نتوقع ردات فعل من جانبه، أبعد ما تكون عن نعمة التعقُّل، وقد تأخذ في الغالب طابع الجنون والتهور! وهو يصارع حركات فقدت الثقة فيه نهائيا، بسبب حالة اللاصدق التي تميز سلوكه، ويظهر أنها أحرقت كل مراكب التعامل مع هذا النظام المراوغ! مما ينذر بالخطر الوشيك الذي سيطال الجميع! مما يتطلب أن ترد للحكمة والمصلحة العامة الإعتبار، ولو للمرة الأخيرة، لكي تضعا يداهما علي صمام الأمان وتنزعا فتيل الإحتقان ونذر الإشتعال، وهذا او الطوفان أو إنفجار فوهة البركان. وما التوفيق إلا بالله.


عبدالله مكاوي
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1816

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#669248 [ناجي علي]
1.00/5 (1 صوت)

05-19-2013 10:42 AM
نحن مع التغيير و لكن ليس علي فوهة البندقية التي يحملها عرمان و عقار و النجس الحلو و ناس ع الواحد و مني اركو هؤلاء لا قبول لهم وسط جموع الشعب السوداني لذا عليهم بالاقتناع و التواري فهم لا يشبهوننا! فهمتوا!!!!!!!!!!!!!


#668835 [حليم - براغ]
1.00/5 (1 صوت)

05-18-2013 09:55 PM
يا أخ عبد الله أخوان الشيطان سيرتهم 24 عاماً من الفشل الذريع في كل شي حتي داخل أسرهم.. والبشير طلع فعلاً أغبي وأحمق ديكتاتور بعد الحرب العالمية الثانية !! هتلر البطلقوه عليه أفظع ديكتاتوري ..بطلع أشرف من البشير ..لأنو هتلر ما كان بيحارب وبيقتل ويعذب ويسجن أبناء جلدتة ..بل يوسع في حدود المانيا عكس البشير البقسم في السودان!! يعني البشير ديكتاتور.. غبي ..وجاهل ..وحاقد.. ومريض شاذ يكره شعبة ويكره السودان .. تعرف يا البشير أحسن حاجة تعملها تشيل ليك طبنجة وتنتحر .. وإنتحارك بريحك إنت أولاً وبريح شعب السودان وبريح كل شعوب الكرة الأرضية حتي أهلك حيرتاحوا منك..لأنك شرير وقح ..باقي كلابك حيبقي عليهم ما حصل لكلاب القذافي .. المهم مصيرك معروف وإنت نفسك تعرف هذه الحقيقة مصيرك أسود في الدنيا وأسود في قبرك وأكثر سواداً يوم الوقوف أمام الخالق !! عارف وين يا مجرم ؟؟


#668800 [الصليحابي]
1.00/5 (1 صوت)

05-18-2013 08:43 PM
شكرا لك على هذا الجهد المقدر ونسال الله السلامة والعافية وأن يحفظ السودان وأهله ، وأن يمر التغيير دون إراقة دماء


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة