المقالات
السياسة
د. محمد أحمد محمود و نقد الظاهرة الدينية 2-4
د. محمد أحمد محمود و نقد الظاهرة الدينية 2-4
05-27-2013 09:43 PM

أولاً: أرجو أن اعتذر للعديد من القراء، و الأصدقاء الذين راسلوني على البريد طالبين الكتاب، و أيضاً للذين طالبوني بتحويله إلى صيغة "البي دي إيف"، حتي يتمكنوا من الاطلاع عليه، إذ ليس في مقدوري القيام بذلك. كما أعتذر عن تأخر هذه الحلقة نسبياً عن المقدمة الأولى لهذه الحلقات، و ذلك بسبب المرض من ناحية، و بسبب الانشغال الأكاديمي، و المعيشي من ناحية أخرى.
و رأيت أن أخصص هذه الحلقة لاستعراض الكتاب بشكل مقتضب، و فصوله، و الموضوعات التي تناولها، و ذلك لكي أعطي القارئ الذي لم يتمكن من قراءة الكتاب، تصور عام عنه. و في الحلقة التالية، أتعرض لمناقشة الكتاب، و تحليله، من وجهة نظري كقارئ، و مهتم، و متابع، و مراقب للظاهرة الدينية و تحليل خطابها في العالم العربي، و الإسلامي. و أوضح القديم و الجديد في هذا الكتاب، و ما هي "الزحزحات" التي أحدثها في مجال القضايا التي تناولها. ثم أعقب في حلقة أخيرة، على مقالات "الإسلاماني"/ خالد موسى دفع الله حول موضوع الكتاب.
"نبوة محمد: التاريخ و الصناعة، مدخل لقراءة نقدية، للدكتور/ محمد محمود، و الذي عمل في السابق أستاذاً بكلية الآداب، جامعة الخرطوم، و معهد الدراسات الشرقية بجامعة أكسفورد، ثم رئيساً لقسم الأديان المقارنة بجامعة تفتز بالولايات المتحدة، و هو غني عن التعريف، كتاب متوسط الحجم، يبلغ عدد صفحاته، حوالي 450 صفحة، من الحجم المتوسط، صدر عن مركز الدراسات النقدية للأديان بلندن، لمؤسسه، و مديره مؤلف الكتاب، و هو مسجل بالمكتبة البريطانية. و الكتاب كما يذكر مؤلفه في مقدمته، يتكون من خمس وحدات موضوعية كبيرة هي: البيئة، و الصعود، و المعارضة، و الرسالة، و الصناعة. و تغطى هذه الموضوعات الكبيرة، في ثلاثة عشر فصل. كما يحتوي الكتاب على مقدمة، و خاتمة.
يتناول الفصل الأول، بيئة الشرق الأدنى بصفة عامة، باعتبارها الحاضنة الأساسية للأديان الثلاثة الكبرى: اليهودية، و المسيحية، و الإسلام. و يوضح كيف تخلقت فيها البذور الأولى لفكرة النبوة، بصفة عامة، سواء من خلال الحفريات الأثرية التي اكتشفت هناك، أو من خلال المرويات الدينية. و كيف من رواسب هذا الوعي الديني المبكر في هذه البيئة، نبتت هذه الأديان الثلاثة. و يتناول هذا الفصل بشكل عميق، كيف تلاقحت، و تثاقفت هذه الأديان الثلاثة، مع بعضها البعض في تشكيل تصوراتها لفكرة النبوة. و حفل بتفاصيل كثيرة، عن خصائص النبوة فيها، و وظيفتها، و تصورها لإلهها، و أنبيائها. و هو دراسة تقع في حقل ما كان أركون يطلق عليه، "دراسة التاريخ المقارن للأديان".
و يركز الفصل الثاني بشكل مسهب، على البيئة التي تشكلت فيها النبوة في الإسلام، و ماهية، و كيفية استفادتها من الميراث اليهودي، و المسيحي في تشكيل رؤاها الدينية. و هذا إضافة لتأثير حركة "الحنيفية"، من جهة، و تأثير حركة "الوثنية العربية"، من جهة أخرى على فكرة النبوة، فالأفكار لا تنبثق بشكل أسطوري من العدم المطلق. و في الواقع الذي يقرأ كتاب "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"، لخليل عبد الكريم، يدرك بوضوح تشابه الكثير من القيم العربية في الجاهلية، مع القيم الإسلامية، حيث استوعب الإسلام الكثير منها في ميراثه، و قمع البعض اللآخر منها.
أما الفصول التالية، من الفصل الثالث إلى الفصل السادس، فتعالج موضوع ظهور، و صعود النبي، بدءً من لحظة نزول الوحي عليه في غار حراء بواسطة جبريل، إلى وفاته. و هذه الفصول في عمومها، تنحو منحى السرد التاريخي الذي يستقي مادته بشكل أساسي من الإرشيف الإسلامي، مثل تفسير الطبري، و سيرة بن هشام، و صحيح البخاري، و غيرها. و يركز الفصل الثالث منها بصفة خاصة، على اللحظة التأسيسية للنبوة، و عناصر تكوينها، و كيفية نزول الوحي، و عنصر الخيال في هذه الناحية.
بينما يتناول الفصل الرابع فترة حياة النبي في مكة، و ملامحها الأساسية، و المعارضة التي واجهها النبي حينها. و يتناول الفصل الخامس تباعاً، فترة النبي في المدينة بعد الهجرة إليها، و تشكل المجتمع الجديد، و بدء تكوين دولة المدينة، و الحروبات التي خاضها النبي مع مشركي مكة، مثل غزوة بدر الكبرى، و غزوة أحد، و غزوة الخندق، و غيرها. و يركز الفصل السادس من موضوع صعود النبوة، على صعود، و انتصار دولة المدينة، بعد أن تمكن النبي من التغلب، و القضاء على أغلب معارضيه، مثل يهود بني قريظة، و يهود خيبر، و صلح الحديبية مع مشركي مكة، و معركة حنين، و تبوك، و فتح مكة، ثم وفاة النبي.
و تغطي الفصول الثلاثة التالية، من السابع إلى التاسع، موضوع المعارضة التي واجهها النبي في مكة. فيتحدث الفصل السابع بشكل خاص عن ماهية الدين الجديد، و تصوره لفكرة النبوة، و فكرة الألوهية، و المعارضة التي واجهها النبي كما تمثلت في حركة الحنيفية، و حركة الوثنية العربية في مكة. و قد حاولت الوثنية العربية بدروها أن تقدم تصورها لإلهها في مواجهة التصور الذي قدمه النبي للإله. كما تضمن هذا الفصل أيضاً، الحديث عن الهجوم الشخصي من قبل هذه الوثنية العربية على النبي كما انعكس ذلك في القرآن الكريم.
و يتناول الكتاب بصورة مطولة نسبياً، المعارضة الدينية كما مثلتها الجماعة اليهودية، و المسيحية في مكة في الفصل الثامن. و يوضح وجه الاختلاف بينها و المعارضة الوثنية، و أوجه التأثير المتبادل، و الشئ الذي أخذه الإسلام كدين جديد، من اليهودية و المسيحية كأديان قديمة، و مستقرة، و ذات ميراث تاريخي طويل و قوي. و يوضح هنا أوجه الاختلاف بين النبوة في الإسلام، و النبوة عند اليهود من جهة، كما تمثلت في ثلاثة أشياء أساسية هي: النبوة، و الكتاب، و الحكم، و بين النبوة عند المسيحيين من جهة أخرى. ثم يناقش العلاقة بين القران، و التوراة أو العهد القديم- أسفار موسى الخمسة: سفر التكوين، و الخروج، و العدد، و اللاويين، و التثنية. ثم أوجه التشابه بين النبي(ص)، و موسى، و عيسى.
و يتناول الفصل التاسع ما يمكن أن نطلق عليه "المعارضة السلبية"، و التي مثلها المنافقون في المدينة بقيادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، و الذي استند على دعم الخزرج، و بعض العناصر من قبيلة الأوس، و يهود بني قينقاع. و يغوص هذا الفصل بشكل عميق في ظاهرة النفاق في ذلك العصر.
و يعالج الكتاب الموضوع الرابع، موضوع رسالة النبوة نفسها، في الفصلين العاشر، و الحادي عشر. و يركز الفصل العاشر بشكل خاص على ما يطلق عليه تقليدياً، موضوع العبادات و المعاملات. و حصر أهم ملامح الرسالة الأساسية، في ثمانية عناصر رئيسية، و هي: عنصر العبادات الذي شمل الحديث عن الصلاة، و الزكاة، و الصيام، و الحج. و عنصر القانون الذي شمل الحدود، مثل القصاص، و حد الزنا، و القذف، و السرقة، و الحرابة، و الخمر، و حد الردة. ثم عنصر التنظيم الاجتماعي، كما عبرت عنه مؤسستا الأسرة، و الرق. و في العنصر الرابع، تحدث عن موضوع الأخلاق كمقابل مسلكي للقيم الدينية.
و عالج الفصل الحادي عشر بقية عناصر رسالة النبوة الأخرى، مثل عنصر الأسطورة، و القصة، كما تجلى ذلك في القصص القرآني. ثم تبعه الحديث عن عنصر العالم غير المنظور، أو ما يسمى بعالم الغيب، و الذي يشمل وجود الله نفسه، ثم عالم الملائكة، و الجن، و الشياطين. و في العنصرين الأخيرين لرسالة النبوة، السابع و الثامن، تحدث الكتاب عن عنصري الثواب، و العقاب كما مثلته الجنة، و النار، أو الجحيم، و النعيم.
و يتحدث الفصلان، الثاني عشر، و الثالث عشر عن موضوع صناعة النبوة، و أهم العناصر التي استندت عليها. لذلك يتحدث الفصل الثاني عشر عن الدور الكبير الذي قام به علماء الإسلام لتشكيل الإسلام، و تثبيت ملامحه، و قسماته المميزة، و جهودهم في تحويل الإسلام من دين شفاهي، إلى دين كتابي، فالعلماء ورثة الأنبياء. هذا بالإضافة لمشروع آخر قام به العلماء، ملازم لمشروع تدوين، و نشر الإسلام، و هو مشروع صناعة النبي، شأنهم في ذلك شأن علماء اليهود، و المسيحيين في صناعة موسى، و عيسى. و لكي يواجه علماء الإسلام تحدي علماء اليهودية، و المسيحية التي كانت تنكر نبوة محمد، كان لا بد لهم من صياغة نظرية للنبوة في الإسلام. و استندت نظرية النبوة هذه على سبعة عناصر أساسية، ناقش الفصل الثاني عشر أربعة عناصر منها، بينما ناقش الفصل الثالث عشر العناصر الثلاثة الأخرى.
و العنصر الأول في هذه النظرية، هو عنصر "البداية النبوية"، و يقصد به: "البداية الكمونية"، أو "البداية بالقوة"، كتعبير فلسفي، أو هو إرهاصات النبوة السابقة على ميلاد النبي(ص)، و وجوده التاريخي كما ورد في سورة البقرة، الآية 129. و العنصر الثاني للنبوة، هو "الجسد النبوي"، حيث قدمت المادة الإسلامية وصفاً تفصيلياً عن جسد النبي كرجل مكتمل الخَلْق، و الخلق. ثم تحدث عن ظاهرة التبرك بهذا الجسد عند المسلمين. و يتحدث العنصر الثالث عن "اللحظة النبوية"، و يقصد بها اللحظة التأسيسية، و هي لحظة نزول الوحي على النبي في غار حراء بواسطة الملك جبريل من الله. بينما تحدث العنصر الرابع عن "الكلمة النبوية"، و هي بحسب المصادر الإسلامية، تشمل ثلاثة أنواع من الكلام النبوي و هي: القرآن باعتباره كلام الله نزل على النبي بواسطة جبريل، و الأحاديث القدسية ككلام الله نزل على النبي دون وساطة جبريل، ثم الأحاديث النبوية، و هي الكلام الذي ينسب لشخص النبي(ص).
و يعالج الفصل الثالث عشر بقية عناصر صناعة النبوة الثلاثة الأخرى، و هي: الفعل النبوي، و المناقب أو الصفات النبوية، ثم الخصوصية النبوية. و فيما يتعلق بالفعل النبوي، فإن علماء المسلمين لم يعتمدوا على أحاديث النبي فقط في صناعة و تدعيم نبوته، و إنما عمدوا أيضاً إلى أفعاله، لأنها تقدم الدليل العملي على صدق نبوته. و هنا تمت مناقشة ثلاثة مستويات للفعل النبوي، و هي: الأفعال ذات الطبيعة الإعجازية، و الأفعال ذات الطبيعة الطقسية، ثم أفعال الحياة اليومية للنبي.
و في إطار تحليل عميق لفكرة المعجزة كأمر خارق لقوانين الطبيعة، و لأنها تعتبر عنصر هام من عناصر صناعة النبوة، باعتبار أنها تقدم الدليل العملي لصدق النبوة، و صحتها، فقد تمت مناقشة أربعة أنواع من المعجزات، و هي: المعجزة الكونية، و المعجزة الإنتفاعية، و المعجزة البرهانية، ثم المعجزة المتعدية. أما الأفعال ذات الطبيعة الطقسية، فهي الأفعال التي تتعلق بالشعائر، و العبادات مثل الصلاة، و الصوم، و الحج. و اقتصر الحديث هنا بشكل خاص على الصلاة، فيما يتعلق بالفعل الطقسي حتى لا يتشعب الحديث، و يطول. أما أفعال الحياة اليومية، فهي أفعال النبي في حياته اليومية، و هل هي أفعال تتعلق به كفرد بشري فقط، أم هي أفعال ترتبط بشكل مباشر بنبوته، و تدعمها.
و العنصر السادس لصناعة النبوة، هو المناقب أو الصفات النبوية. لقد حرصت المصادر الإسلامية على رسم صورة خلقية نموذجية للنبي باعتباره قمة الهرم الأخلاقي، و المثل الأعلى الذي يقتدى به وفق تصور نظرية النبوة. فقد ذكرت السيدة عائشة عندما سئلت عنه، قالت: "كان خلقه القرآن". و قد عضدت نصوص القرآن نفسه هذا التصور الأخلاقي لسلوك النبي. ثم يختم الكتاب بالحديث عن خصوصية النبي إزاء باقي الأنبياء كما جسدتها المصادر الإسلامية.

و نواصل في الحلقة القادمة مناقشة الكتاب، و ما هو الجديد الذي طرحه؟؟!!


مختار اللخمي
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 2 | زيارات 1446

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#680267 [أبوزينب]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 05:05 PM
اللهم صلي و سلم و بارك علي سيدنا محمد و علي آله و صحبه أجمعين. و الله كام الأجدي ان لا نخوض تفكيك مفهوم النبوة المحمدية واخضاعها لمعايير فلسفية غير واضحة و استخدام أدوات استنباط فكري يعوذها الكثير لاستحضار فكرة النبوة المحمدية مع إيماني و قناعتي بأن النبوة لم تكن فكرة ابداً و لكنها مشيئة إلهية و مع ايماني بان الرسول صلي الله عليه و سلم لم يبتدع الفكرة و لم يطورها علي اساس ما ورث من حنيفية ووثنية و يهودية و مسيحية و مع قناعتي التامة بان الرسول صلي الله عليه و سلم إختاره الله واسطة و أداة لتبلغ عبرها رسالته الي خلقه و لم يستشر صلي الله عليه و سلم في تفاصيل و محتوي هذه الرسالة و لم يطلب منه حتي أن يجتهد في أي جانب من جوانبها عند شرحها و تبليغها بل كانت الآيات تتنزل عليه مع شرحها إذ انه صلي الله عليه و سلم " لا ينطق عن الهوي ، إن هو الا وحي يوحي" كما أنه صلي الله عليه و سلم " علمه شديد القوي". هو صلي الله عليه و سلم معلم ( بضم الميم و فتح العين و تشديد اللام)كما انه معلم ...علمنا أمور ديننا و ما يوصلنا الي الله سبحانه و تعالي بإعتبار أن الوصول هو غاية الدين. صلي الله عليك يا نبي الهدي و بارك عليك و علي آل بيتك الطاهرين.


#679227 [ابوبكر حسن]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 01:08 AM
الأخ الأستاذ مختار أحمد اللخمي سلامات و لا باس عليك..
شكرا على التلخيص التنويري للكتاب وفي انتظار اكتمال حلقاتك وسوف أعود ان يسر الله وقدر ....
ابوبكر


مختار اللخمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة