المقالات
السياسة
الوردُ طائفيٌّ.. والخضرةُ مكّيّة
الوردُ طائفيٌّ.. والخضرةُ مكّيّة
05-28-2013 04:37 AM



دُهشتُ الأسبوع الماضي وأنا أدخل العاصمة المقدسة مكة المكرّمة بعد غياب عنها دام حوالي ثماني سنوات، حيث رأيت كيف زانها الاخضرار وزاد بهاء الأجواء الروحانية فيها طقسٌ لطيف. وطقسُ بدايات الصيف هذا مقارنة بطقسها قبل أعوام ارتبطت فيها المناسك المقدسة بالمشقة والتعب من طبيعة المنطقة الصخرية، لشيءٌ يدعو إلى العجب. وبالنظر إلى أنّ الطقس العام يتجه من سيئ إلى أسوأ بسبب التغييرات المناخية، فإنّ اهتمام أمانة منطقة مكة المكرّمة بحملات التشجير يُعدُّ مسلكاً حضارياً، وذلك لأنّه من ناحية عامة يواكب الاتجاه العالمي نحو نشر الخضرة على أغلب مساحات الأرض للحفاظ عليها وعلى ساكنيها من البشر والكائنات الحية الأخرى. ومن ناحية خاصة لأنّ مكّة تستقبل المسلمين من كل أنحاء العالم في مواسم الحج والعمرة، مما يشكّل ضغطاً صحياً على زائري بيت الله الحرام وعلى السكان من المواطنين والمقيمين إن لم يتم تأمين الأكسجين الكافي لحياة الكائنات الحية والحفاظ على الغطاء النباتي للأرض.
وفي رحلة العودة ولأننا لا ندري عن شعاب مكة شيئاً كثيراً، فقد كان لسلوكنا عدة طرق كمحاولات للخروج، فرصة لاكتشاف التطور والمظاهر الجمالية المنتشرة على معظم نواحي البلد الأمين. فعلى مد البصر تنتشر مساحات من المسطحات الخضراء، وعلى جانبي الطريق تقف صفوف الأشجار والشجيرات ملوّحة بأغصانها وكأنّها تودّع زائريها.
ومن محاسن الصدف أن تتميز مكة كمركز لإمارة منطقة مكة المكرمة بالأشجار والخضرة، وتتميز في نفس الوقت محافظة الطائف التابعة لها، التي تبعد عنها حوالي مائة كلم، بالورد الطائفي الجميل. هذه المسافة بين المنطقتين مشاها نبي الإنسانية محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهي أرض قاحلة، في شوال من العام العاشر للبعثة بقدميه الشريفتين وهما تدميان من مشقة المشي عبر الأودية والصخور حتى يبلّغ الدعوة إلى الله تعالى. وذلك في انتقال بحال الدعوة من مشقة قريش إلى تعنّت أهل الطائف التي بوركت بعدها لكونها كانت أول مدينة قصدها الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم قرر الخروج من مكة.
أن يشكّل الورد جزءاً من الحضور الجميل في ذهن الإنسان في كل العصور والأزمان فذاك حضورٌ محبّب إلى كل نفس تعشق الجمال وتسبّح لإبداع الخالق. وأن يكون الورد حاضراً في قصص العشاق وترجمة أحاسيسهم بعين ترى الجمال في أبهى صوره وتحسه وتتنسم عطره، فذاك مما درج عليه العشاق منذ قديم الزمان ولم يخالفهم إلا بشّار بن بُرد حين عشقت أذنه قبل عينه: «يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة.. والأذن تعشق قبل العين أحياناً».
ولكن الورد الطائفي فاق زهر وورد تلك العصور وفاق توقعات المزارعين الذين وصل إنتاج مزارعهم للعام الحالي إلى أكثر من 250 مليون وردة، وبلغ دهن الورد العطري أكثر من عشرين ألف تولة خلال الموسم الحالي. أما في باب المشاركات الدولية بالورد الطائفي فقد كانت في حفل افتتاح مهرجان الورد بقلعة مكونة في المغرب في الدورة الـ51. أما الفعالية الأجمل محلياً فقد كانت في أكبر سجادة للزهور والورد، حيث احتوت على 120 ألف شتلة من الزهور والورد وبمساحة 750 متراً مربعاً، وتضم أكثر من 15 ألف صنف من الزهور بجميع الأنواع، وبالألوان كافة، بالإضافة إلى شتلات ورد الطائف. وقد تم التصميم بشكل هندسي جديد أضفت عليه النافورة المائية وسط السجادة بعداً جمالياً آخر.
هناك مثل صيني شائع يقول: «إذا كان لديك قرشان فاشترِ بأحدهما رغيفاً وبالثاني زهرة». تعبّر هذه الحكمة الصينية عن أهمية الزهور في حياة الإنسان وعلاقته بها، وهي دلالة على أنّ علاقة الإنسان بالورد وُضعت من ضمن أولويات حياته. ومنذ ذاك الزمان الذي اتخذ فيه الإنسان الزراعة نشاطاً اقتصادياً للعيش منه مباشرة وكوسيلة لكسب الرزق، وإن كان لكل ما تنبت الأرض من خير أثر مباشر في حياة الإنسان، فإنّ الورد كان ذا أثر عميق في النفوس وارتبط بالمزاج العام وبتزيين أماكن العبادة، وانتقل إلى دور الحكماء والأطباء وغيرها. وقد عرف العرب أغلب أنواع الورد مبكراً جداً، ولكن جاءت معرفتهم وتعلقهم بالورد الجوري الأحمر لاحقاً بعد قيام دولة الأندلس والاختلاط بين الشعوب وتلاقح الحضارات وتبادل الثقافات والتعرف على وسائل جديدة من وسائل العيش.
وعند الحديث عن الورد تأتي الأساطير والقصص القديمة تترى وتفرض نفسها كأساس للحكاية، فقد كان الورد حاضراً في حالات الحب كما حالات الحرب . ففي جبال الألب في سويسرا عندما تقبل فتاة باقة أزهار من فتى فهذا يعني موافقتها على الزواج منه، وقد عاش الورد كرمز للشباب والحب والجمال. أما بروز الوردة في حالات الحرب فقد كانت أشهرها حرب الوردتين التي استمرت ثلاثين عاماً في إنجلترا أثناء حكم هنري السادس وإدوارد الرابع وريتشارد الثالث بين أمراء أسرة لانكستر وشعارهم الوردة الحمراء، أما شعار أسرة يورك فقد كانت الوردة البيضاء، وانتهت الحرب عام 1476م بزواج إليزابيث سليلة أسرة يورك وابنة الملك إدوارد الرابع بالملك هنري السابع سليل أسرة لانكستر الذي أطلق عليه لقب ملك الأزهار.
وقد احتكرت المرأة التشبيه بالوردة، وذلك لما جاء ذكره في الميثولوجيات القديمة من أنّ الزهور لم تكنّ إلا صبايا قتلهن الحب فتحولن إلى زهور. ثم ارتبط الورد بالشباب والنضرة والحسن. أما الزهرة التي ارتبطت أسطورتها بالمرأة فهي زهرة النجمة التي تقول الأسطورة إن أستيريا ملكة السماء أخذت تبكي عندما نظرت إلى الأرض ولم تجد نجوماً، فنبتت زهرة النجمة في المكان الذي سقطت فيه دموعها. وجاء في الحكم القديمة: «النجوم شعر السماء، والأزهار شعر الأرض، فإذا لم تتمكن من القريض فازرعه».
وهناك قصة أخرى من قصص الزمان وعبره هي قصة «أنس الوجود» مع محبوبته «الورد في الأكمام» كما حكتها شهرزاد في ألف ليلة وليلة. وفي تفضيل الورد على الزهور تقريب للجانب الرومانسي في تشبيه المحبوبة بالوردة لرقتها ونعومتها كما بطلة شهرزاد «الورد في الأكمام». وتفضيل الورد وتتويجه ملكاً على الأزهار اشتُهر به العرب عموماً كما جاء في قول أبو الطيب العلمي:
ورد الربيع فمرحباً بوروده
وبنور بهجته ونور وروده
وبحسن منظره وطيب نسيمه
وأنيق ملبسه ووشي بروده
والورد في أعلى الغصون كأنه
ملك تحف به سراة جنوده.

الشرق


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1219

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#680598 [um ahmed]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 11:08 PM
اخى 00 ادريس 00 هون عليك ولا تفهمنى غلط انا هنا لا اتكلم عن زوجى نعم هو مقعداه الريالات لكن يا اخى وما طالبنى حليفه عشان تتهمنى بالكذب والنفاق انا بتكلم عن نفسى ودى شيىء بعلم به الله وليس انت فى امكانى بدل الغربه اجلس اطول مده فى السودان وارجع ولو كنت فى ايى منطقه فى المملكه غير المدينه لفعلتها ولكن لانى بالمدينه قلت هذا الكلام . اما بالنسبه لكلمة حياك الله مالها تحية الله هل هى مخصصه للخلايجه؟ سبحان الله . صراحه هذه الراكوبه اصبحت ارى فيها العجب العجاب ناس فقط مترصده لى بدون لا ادرى ما السبب لكن برضو بقول الله يسامحك لان ربنا هو البعلم النوايا وليس انت لتصفنى بالنفاق والكذب


#680192 [um amed]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 04:07 PM
اختى الكريمه 00 منى 00 حياك الله . كل ما قلتيه عن مكه صحيح لكن ستزداد دهشتك عندما تاتى مدينة الحبيب المصطفى صلوات ربى وسلامه عليه . جمال فى كل شيىء خضره وزهور وراحه نفسيه وروحانيات شيىء لا يوصف غير ان اقول 00 الحرم المكى به جلال تهابه النفس والحرم المدنى به جمال تستريح له النفس 00 وهذا هو سبب جلوسنا فى المملكه


ردود على um amed
[ادريس] 05-28-2013 10:09 PM
ما في سـبب ثاني مقعدكم يا (أم احمد) غير الروحانيات؟ يعني الريالات ما ذات أهمية عندكم؟!! ياللنفاق والكذب!! حتى لغة الكلام عندكم تغيرت وصـرتم تقلدون (الخلايجة) في كل شئ وتحيون بتحيتهم (حياك الله)!! يا أم أحمد دقي المحلب في توب أحمد ..أحمد غايب في الركايب ..جانا كلب سنونو صُفر .. حلب الناقة..


#680044 [ليدو]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 02:23 PM
وردة تتحدث عن الورد ، والله كأنك يامنى تتكلمي عن نفسك ،، حفظك الله يا نضيرة .


#679994 [يوسف خير]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 01:51 PM
ما اجمل الورد ايتها الرائعة-ولكن الاشكال اننا -معظم السودانيين-لا نهتم بان الورد طريق للجمال والمشاعر الطيبة-وايضا المراة السودانية لا تحترم تقديم الورد-المراة السودانية تحب الذهب فقط--عايزة بالورد شنو؟


#679938 [عبود]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 01:16 PM
الآن فقط عرفت سـبب صداقتك ومودتك لمصطفى البطل الذي كشف الغطاء عنه بعض الكتاب المحترمين ومنهم (شوقي بدري) المعروف بالكرم والنزاهة والحب الخالص لهذا البلد لا يشك في ذلك عاقل.. لقد أثبت هؤلاء النفر الكرام بما لا يدع مجالا للشك بأن بطلك من كبار المرتزقة المأجورين وذكروا أنه كان مايويا ثم صار كلبا من كلاب الصادق المهدي وللصادق كلبات من النساء أيضا ومنهن قريبات النسب ثم أخيرا صار البطل كلبا للكيزان يسـتكتبونه ويحرشـونه للإساءة إلى معارضـيهم.. ومع حبي وتقديسي للبيت الحرام لكني أشـك في مقالك هذا يا منى عبدالفتاح أن يكون صادقا لوجه الله أو نابعا من فطرة سـليمة لأن صديقك البطل لا يفعل شيئا إلا أن يكون مدفوع الأجر والأجر هنا ليس بمعنى الثواب الذي عند الله..


#679651 [abbas]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2013 10:41 AM
واللة انتي الوردة ال ممكن الواحد يتغذل فيها ويستنشق منكى الروائح الحلوة ربنا يحفظك لجمالك ...... مغالك سمح زى سماحتك دى


ردود على abbas
United States [ادريس] 05-28-2013 09:53 PM
لماذا لم تصحح جميع أخطاء الاخ (ناجي) يا (abbas)؟ دعـني أواصل التصحيح وكان الله في عوننا جميعا.. الـلـه بالهاء لا بالتاء المربوطة (ة) - (أنت) هكذا من غير ياء - وأيضا (منك) من غير ياء ..

United States [ناجى] 05-28-2013 08:38 PM
مقالك وليس مغالك-يتغزل وليس يتغذل-شكلك قادى عربى وعينك قوية كمان.الكاتبة شكلها ملتزمة مابتاعة غزل وكلام من النوع دا.


منى عبد الفتاح
منى عبد الفتاح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة