في تذكر الفنان الذري وهيثم ككوا
05-28-2013 01:23 PM

في مثل هذه الايام قبل سبعة أعوام تشاء أقدار الله أن يغادر هذه الفانية أحد أهراماتنا الفنية وظاهراتنا الغنائية، المفاعل الذري للغناء السوداني الفنان صاحب البصمات والصولات والجولات التي لم ولن تنمحي من ذاكرة الامة، وببلوغرافيا نخبة الابداع ابراهيم عوض عبد الحميد، وبمرور هذه الاعوام على رحيله المر تأبى الذاكرة أن تبارح ذاك الحدث الاليم فتجتره وتجر معه ذكري انسان سوداني بسيط اشعث اغبر تعلق حبا وهياما بإبراهيم عوض لدرجة جعلتنا نحن من نعرفه لا نذكر ابراهيم عوض الا وفي معيته هذا الراهب المتبتل في محرابه.
كان أكثر ما يحيرني في كاريزما إبراهيم عوض الغنائية، هو مقدرته بل سطوته التى تجبر فيما أدعي كل السودانيين بلا استثناء بمختلف شرائحهم العمرية، ومختلف مستوياتهم التعليمية، وعلى اختلاف مشاربهم الثقافية، ومرجعياتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، على إرهاف آذانهم لغنائه وشدوه الطروب ، والتمايل طرباً مع أنغامه وألحانه بما جعل منه بوتقة تلتقي عندها كل الأذواق، ومحطة تأتلف في رحابها جميع القلوب وداً ومحبة لهذا العملاق الذي وحَّد وجدانهم وأجج مشاعرهم، بالنظم الحلو الجميل المموسق واللحن الشجي العذوب، والأداء الرائع المعبر الذي يضيف الى الكلام واللحن بعداً ثالثا.
وكان شدّ ما يحيرني في الجبروت الغنائى الذي يتمتع به هذا الفنان الفلتة، هو إجادة ذلك (التلشاوي) المنحدر من جبال تلشي وعاصمتها قرية رأس الفيل وما ادراك ما تلك الاصقاع الهامشية المنسية، نوباوي قصير القامة اسمه (ككوا) في الاوراق الثبوتية إن كانت له أوراق، ولكنه اشتهر باسم (هيثم الخلاء) يجيد أغاني إبراهيم عوض ولا ينفك من ترديدها آناء الليل وأطراف ألنهار، رغم أنه لم يكن يعرف شيئاً عن العربية فصيحها ودارجها، ولا حتى عربي جوبا، لا يفرّق بين حروفها، يتساوى عنده الواو الضكر واللبان الضكر، إلا أنه رغم كل هذا (العي) فصيح (لضيض ولميض وشديد) عند الترنم بأغاني هذا العملاق يحفظها (صم) عن ظهر قلب ، ويجتهد ان يؤديها بذات الطريقة التي يؤديها بها صاحبها. ولم يقف أمر (ككوا) عند هذا الحد، بل كان يجتهد في تقمص شخصية إبراهيم عوض في هيئته وملبسه ومشيته، لدرجة انه حاول تقليد (شقة) الشعر التي اشتهر بها فناننا الراحل العظيم. ولمّا باءت محاولاته بالفشل لأن شعر رأسه مثل حب الفلفل لم يسعفه على ذلك، إضطر لعمل مجرى بحد الموس قسّم رأسه الى نصفين، تأسياً وتشبهاً بحبيبه وصفيِّه إبراهيم عوض، طب حياً يا ككوا إن كنت لا تزال تكافح من أجل لقمة العيش الشريفة، فرغم الضنك والرهق لم تكن تبالي ولا تضجر، ودائما ما تضرب الهم بالفرح.. وطب ميتاً إن كنت غادرت هذه الفانية التي لم تكن تملك فيها شيئاً غير حبك لكل الناس وهيامك بإبراهيم عوض.
أما أنت يا ملك الشجن، فقد كنت علامة فارقة في تاريخ الغناء السوداني، وأحد أفذاذ بناة نهضته الحديثة، عمرت وجدان الشعب بفن راقٍ عذب، وغمرت مشاعره وعطرت لياليه، وأعنته بجرعات من الفرح والطرب تمكن بها من تجاوز مراراته واحباطاته.. لن نقول لك وداعاً في يوم رحيلك، فأنت باقٍ بيننا بما خلّفته من تراث ضخم سيظل سلوانا وملاذنا. وإن غبت عنا جسداً فإن روحك ستظل مرفرفة فوقنا، وصوتك يصدح بيننا لن يغيب أو يصمت. و..
صابحني ببسمة ومسيني بأماني
افديك بحياتي واغمرك بحناني
ابقي ظالم ابقي قاسي ابقي ناكر ابقي ناسي
تلقي حبك في عيوني ونغمة في رعشة حواسي

الصحافة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1550

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#680154 [ركابي]
3.00/5 (9 صوت)

05-28-2013 03:41 PM
جرحي الأليم الشايلو تذكار
طول حياتي أسى وهموم
جرحي الدفين العذبك يا قلبي
طول عمرك أنين
داريتو في الأعماق سنين
غنيتو للعشاق حنين
شكوى وشجون
غنيتو أصدق أغنيات
أصبح مجرد ذكريات
وين الصلات وين الشموع
الفي دروبنا منورات
وبقت هموم
أصلو القلوب الهايمة تعبد في الجمال
بتضيع سنينها الحلوة بالريد إبتهال
ولهانة تحلم بالوصال
مسكينة تحلم بالمحال
لي متين بتبني قصور رمال
ما كفاية يا قلبي الجمال
خلاك تذوب شكوى وسهر
ودر شباب عمرك هدر
شال النضارالكان مفرهد ومزدهر
خلا الشقا وخلا اليباب
الكل ثانية بعيشو لحظات من سراب
أحسو في روحي إغتراب
أحسو شوق وشقا وعذاب
نار في الضلوع وجرح أليم


http://www.sm3na.com/audio/9b133d4c54b8

ربنا يرحم ابراهيم عوض ويسكنه فسيح جناته ويرحم زمن الفن الجميل ويصبرنا علي زمن القبح وفساد الذوق


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة