المقالات
السياسة
أكسح..أمسح.. ما تجيبه حي!
أكسح..أمسح.. ما تجيبه حي!
05-29-2013 07:33 AM

في مناخ جاف و أرض يابسة خاصمتها السماء منذ زمان طويل، نبتت في قلوب الرجال كراهية قاحلة. تسير أمامهم و بينهم الأبقار بأضْلُع بارزة، لم يكونوا يبحثون عن الكلأ.. كانوا يطاردون الدماء. يتردد النشيد القاتل في الفضاء اليابس وراءهم.. يتردد
أكسح ..أمسح .. ما تجيبه حي
ما دايرين أضان زرقا
سُمْرٌ في اسمالٍ لوَحَتها الشمس، كساها التراب بالهزائم و ضجّت حولهم العفونة خليطٌ من رائحة اللبن المتخثر، العرق المتيبس و الشواء القديم البائت. صهوات الخيول تحتهم تنوء بحمل ثقيل. الابقار تلك التي ترافقهم مدفوعة الثمن فهي ليست سَعِيّة بل كاسحات ألغام.
إدريس ود أب دبوس نشأ في الأبيض، اكمل تعليمه فيها و من (خور طقت) قُبِل في قائمة حزب الامة القومي الجديد في الكلية الحربية. أب دبوس زعيم وسط أهله و مهم عند أهل المركز من الرجال الذين تعرفهم البادية أيام الانتخابات فقط. لم يكن عند أب دبوس نفسه من همّ في السياسة غير مركزه وسط أهله و رضا آل المهدي. نشأ إدريس في هذا الجو و تعلم فيه كيف يدافع عن مذبحة الضعين في مارس 1987 و كان يقول "ما دايرين أضان زرقا..العبيد النجوس محل ما يمشوا تتبعهم العفونة و الرذائل.. ليس عندهم في كردفان إلا الجحور في الجبال أو ما وراء بحر العرب". تزايدت و تكاثرت ثم أصفرّت النجوم في كتفه علي اللباس العسكري الأخضر . أجواء الخرطوم في ذلك الزمن دفعت بالعديد من ابناء المنطقة في الجيش إلي عتبات المساجد. إدريس مسنود بثِقَلٍ قبلي و معروف لدي رجالات حزب الأمة في وزارة الدفاع و القيادة العامة للجيش. في مساجد الخرطوم قابلته أيادٍ أخري بالسلام و المصافحة.أياد ساقته هذه المرة إلي عتبات البنوك المسلمة الوافد منها و المحلي.
غنت الحكّامة يوما في حضرته فقالت:
ود أب دبوس جيبك
بالريال مدفوس
كلامك.. كلام الله
داواي للنفوس
ما داير النجوس
ليهم تكوس الما بتقرضو الدانة
تلفاهو الفئوس
عينك للنجوس ..بتكوس
يا ود عز القبائل
رصاصك للدواس متروس"
لم يكن إدريس معهم في ذلك المُرْحال، لكنه لا يغيب كثيراً ، يجيئهم في سيارة لادنكروزر بالتمباك، السجائر و التموين. إذا لم يصادف قدومه وقت صلاة أمّهم في صلاة النافلة. كثيرون يُصَلّون وراءه من غير وضوء. الصلاة خلفه بالنسبة لهم صلاة خلف النجوم الصفراء . مرةً قال أحدهم لرفاقه سائلاً هل يتوضأ أدريس قبل ركوب اللاندكروزر؟ و سأل آخر قائلا هل سنسلمه سلاحنا بعد إتمام المهمة؟ إعتبر الجميع إن الإجابة علي السؤال الثاني هي " لا"، لم يقولوا شيئاً و كان هذا ما يضمرونه.
مرّ المُرحال بدربه المعروف. في هذا اليوم و الشمس قد لملمت أضوائها و استعدت للذهاب و ضجّت السماء بألوان الشفق، حُمْرةٌ غاضبةٌ تبعت الشمس في غروبها. أمامهم قرْية غارقة في بحر أخضر من اعشاب غنيّة، انتشرت في الجوار بِرَكٌ إنجَمّ فيها الماءُ صافياً. في ايام السلام التي غربت كشمس اليوم يكون هذا نهاية المُرْحال. فيمكث الراحلون قليلا الي أن تسمن الأبقار و تمتليء ضِرْعَاتها باللبن، تستقر الانغام في الآذان و يتدفق الحب نهرا من اشتهاء يشمل بعزّه الانسان و الحيوان، في هذه التخوم يطلب الراحلون الخصوبة و الرواء فيجدونها نديّة ويانعة. كان في أسماعهم في هذا المساء ما قاله ادريس ود أب دبوس:
" سكان هذه القري هم الخوارج..
نساؤهم واطفالهم طابور خامس..
دمائهم مستباحة..
واملاكهم غنائم..
كفّار لا يحترمون ود المهدي الإمام ..
كفّار ونجوس.. فتياتهم عاريات بأمر الشيطان"
في قلب أي واحدٍ منهم حجر و في الأفق أمامه غنائم أهمها السلاح الذي في يده و المال الذي سيوزع بعد انتهاء المهمة.في صلب أي واحدٍ منهم نطفة معتدية تبحث عن رَحِمٍ مستباح بأمر الله.
أحاط المراحيل بالقرْية، بادر الشيوخ من الرجال الذين لا ينسون ، بادروا بالخروج بصدور عارية تاركين البيوت وارءهم و في أياديهم فؤوس و رماح قديمة بنصال ميتة، وقفوا بجسارة تستقبل صدورهم الطلقات المرقومة. أنتهي أمر الشيوخ سريعاً، خرجت الجدّات متسلحات بالغضب فلم يصمدن كثيراً امام البنادق الموسومة بعلامات الجيش. أضرم المراحيلُ النارَ في القطاطي، خرج من بالداخل ، خرجوا من نار إلي موت الصغار يبكون و النسوة يندبن سوء الطالع. أعمل الرجال سلاحهم في الصدور الفتية، قتلوا.. و قتلوا.. و قتلوا. ساد في الانحاء صمت إلا من دوي لغمٍ أرضي لامسه ظلف ما لبقرة أو ثور هارب، أو من دوي طلقات البنادق الرسمية في أيدي فتيان القبيلة في المرحال المجاهد . حتي هذا الدوي سكن أخيراً. في الانحاء يسمع النشيج المكتوم و البكاءالمر. آذانهم تعرف صوت النادبات. كن يافعات في بداية نضجهن أبكاهن الخوف مما ينتظرهن في الدروب المظلمة بعد إغتيال رجالهن من الإخوة، الأزواج، الآباء و ابناءالعمومة ،بعضهن يبكين اطفالهن المقتولين. جمعوهن بلا حياء أمام عيون الأبقار الخائفة و الثيران المتحفزة و الخيول المندهشة و تحت سماء متواطئة وعلي أرض جلب خصبها عليهن الهجائم. تناوبوا عليهن بالإغتصاب.. ثم الذبح. لم ينسوا بطونهم فحملوا ما تيسر من مريسة و خراف و اغنام بحثوا في حطام القطاطي عمّا يفيد لم ينسي ود أب دبوس أن يمدهم بالبطاريات المنيرة لتعينهم علي ظلمات الهجوم . حملوا غنائمهم و غادروا الناحية. شمالاً و في الصباح الباكر كان إدريس ود أب دبوس في انتظارهم. صلوا خلفهم بجَنَابتهم وبالدماء علي أثوابهم، صلوا خلفه صلاة الشكر ركعتان.. ركعتان إلي أن بلغن عشرة ركعات. قال إدريس ود أب دبوس: "إن مسيرة الجهاد ماضيةّ بإذن الله". قاطعه البعض ة قالوا: لقد اكتفينا و قال آخرون .. الله أكبر ... الله أكبر .... و مضوا ليجهزوا مرحال آخر فلقد كان الخريف في بدايته.
.................................
المراحيل: هي قوافل عرب البقارة في غرب السودان عندما يذهبون جنوبا بحثا عن الكلأ و الماء في الخريف
الضِرْعَات: جمع بالعامية السودانية لمفردة الضَرْع
إنْجَمّ: أي تجمع الماء و يسمي مكان تجمع الماء الجَمّام
الحكّامة: مغنية تنشد مكارم أسيادها من رجال القبائل في غرب السودان
تكوس: تبحث و تفتش
متروس: محتشد و مرصوص



طه جعفر الخليفة
[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 2904

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#682625 [ghada]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2013 11:45 AM
تصوير رائع .. سرد ممتاز

متروس دي شكلها كلمه عمانيه :)
لك التحيه


#682162 [kordofani]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2013 01:54 AM
Al deein Masscre .Dr aushari.
Alsadig Almahadi is reponsible.south sudan should open that case .


#681740 [ابو محمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 05:24 PM
قصة تحكي واقع مرير وحاصل فى السودان ولايختلف عما يفعلة النظام فى دارفور بمليشاته من جانجويد مع اختلاف الظروف والامكنة ولا حول ولا قوة الا بالله اجدت ايها الكاتب القاص الفذ


#681701 [يابلدى يا حبوب]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 04:59 PM
هل تريد ان تقول ( ان يسرق فقد سرق اخ له من قبل )..؟ وعينك فى الفيل وتطعن فى ضلو ..عموما سرد غير موفق بالمرة ..رؤينى كقارئ .. حظ سعيد فى المرة الجاية ان كان الموضوع مطروق بحسن نية .


#681689 [ود الجاك]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 04:50 PM
اي خليفة هذا الزي سمي اباك جعفر واي جعفرا هذا الزي اسماك طة اسم نبينا الكريم صلي الله علية وسلم القائل الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها والقائل انها نتنه فاتركوها نسأل الله ان يهديك من هذا الضلال ولا داعي لمثل هذاء المقال في هذا الوقت والوطن مجروح ومكلوم واباءة يتقاتلون في بعضهم من اجل الكراسي باسم القبيلة والجهوية والدين


#681595 [تمر الفكى]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 03:57 PM
اسمك ارتبط عندى بقصة مضاجعة الحمير التافهة


#681527 [فلان]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 03:13 PM
اتقي الله و اعلم انك مساءل امامه يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من أتي الله بقلب سليم.
ما مناسبة هذا الكلام الآن؟ إنها الفتنة لعن الله من أيقظها؟
لماذا هذه النعرة العنصرية يا أبناء الغرب؟ الا يكفيكم موت المئات منكم بالامس بين القمر و بني هلبة؟ اعلموا ان النار التي تصبون الجاز عليها لا محالة حارقتكم. ألستم مسلمين؟ حسبي الله و نعم الوكيل


#681509 [عصمت تربى]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 03:04 PM
الاستاذ طه جعفر قاص بارع وله قصة فائزة بجائزة الطيب صالح والحصول على مؤلفاته غير ميسر لى ولغيرى


#681301 [ود يعقوب]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 12:31 PM
هذا كان فى ايام الحكم الديمقراطى ايام حزب الامة

والاتحادى .

اذا كلهم سواء لا فرق بين الامة والاتحادى او المؤتمر الوطنى

وكذلك هو حال الجبهة الثورية الآن فى الاتجاه العكسى

انها حروبات داحس والغبراء

القتل والقتل المضاد

والدما ر والحرق ثم الدمار والحرق المضاد

وكل هذا فى االوطن الواحد وابنائه

لعن الله الجهل والجهالة

ما رأيك يا من اسمك تاج السر الحسين؟؟


#681041 [adam dredy]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 10:14 AM
ما هذا الكلام الفارغ ولمصلحة من ايها المدسوسين من الخواجات وغيرهم والله انها فتنة قاتله لعن الله من ايقظها ز....ما هذا الخطرفات اتقي الله يا هذا


#681011 [سايكو]
0.00/5 (0 صوت)

05-29-2013 10:03 AM
معقول في ناس بالقسوه و الوحشيه دي !!!!!
اعوذ بالله من تجأر الدين العنصريين


طه جعفر الخليفة
طه جعفر الخليفة

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة