حركات دارفور متى توقف الإنجاب..؟ا
12-01-2010 12:38 PM

في الشأن العام

حركات دارفور متى توقف الإنجاب..؟!

د.سعاد ابراهيم عيسي

من الملاحظ أن كل الحركات التي حملت السلاح ضد السلطة، جعلت من وصولها إلى السلطة مفتاح الحل لكل المشكلات التي قالت إنها حملت السلاح من إجل معالجتها. فما من حركة جلست للتفاوض لمعالجة قضيتها إلا وتعثرت المفاوضات، متى بدأت مناقشة السلطة والثروة طبعا. ومتى تم تخطي مشكلة السلطة وتحديد حق الحركات فيها، ومن بعد تحديد من يتقلد مناصبها، نيابة عن الجماهير التي يقال انه تم حمل السلاح من أجل استرداد حقوقها العادلة في ذات السلطة، حتى ينصرف المستفيدون من تقلد تلك المناصب، إلى ممارسة سلطاتها التي كثيرا ما يحجب الانشغال بالتمتع بنعيمها، عن الكثير منهم، واقع الجحيم الذى يعيشه مواطنوهم في معسكرات النزوح بالداخل واللجوء بالخارج.
عندما خرجت مشكلة دارفور للعلن، وفى بداياتها، وقبل أن تخرج من النطاق الداخلي للسودان إلى العالم بالخارج، كانت هنالك حركتان رئيسيتان، تمثلهما حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وحركة العدل والمساواة، بقيادة دكتور خليل إبراهيم. وعندما تقرر جلوس الحكومة مع هاتين الحركتين بأبوجا لأجل معالجة تلك المشكلة، كان واضحا جدا أن هنالك تعجلاً للوصول إلى اتفاق أياً كان نوعه، وبأية صورة كانت، دون ان ندرى السبب لتلك العجلة. وبسبب ذلك التعجل، لم يتم الصبر حتى يصل الجميع إلى اتفاق يرضي الحركات المتمردة ويحقق أهدافها التي من أجلها حملت السلاح، ومن بعد يحقق للحكومة هدفها في الوصول إلى اتفاق يؤدى إلى سلام عادل ودائم يسكت صوت الاقتتال نهائيا. ورغم أن الحكومة قد صبرت على التفاوض مع الحركة الشعبية بلا كلل أو ملل، إلا انه تلاحظ فى تفاوضها مع حركات دارفور مستوى التعجل للوصول إلى نهاية حتى إن كانت غير ناضجة. وبسبب ذلك التسرع بدأت عملية الانشاقاقت بين الحركات المتفاوضة في الظهور إلى العلن.
فقد رفض رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، التوقيع على ذلك الاتفاق لأسباب حددها، وقبل أن يتم النظر في تلك الأسباب، كانت المفاجأة أن يتم تقديم البديل له ليوقع مكانه، وهو منى أركوى مناوي الذى انشق عن حركة عبد الواحد وأعلن عن حركته الخاصة، ومن بعد حصد ثمرة ذلك الاتفاق بتقلده منصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية. بينما استمرت جذور المشكلة في عمقها، واستمرت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد في ذات خط سيرها السابق، استمرار رفع السلاح في وجه الحكومة. كما وفي ذات الوقت وقبل ضياع الفرصة الماثلة باهتمام الحكومة بالوصول بتلك المفاوضات إلى غايتها اتفاق سلام والسلام، انسلخت مجموعة أخرى من قيادات حركة العدل والمساواة، معلنة موافقتها على التوقيع على ذلك الاتفاق الأعرج، بعد أن رفضت الحركة الأصل التوقيع عليه أيضا، وهكذا امتنعت الحركتان الأساسيتان والمهمتان عن التوقيع على ما سموه اتفاق أبوجا، بينما قبلت أفرعهما بفعل ذلك. والحكومة تدرى أن المثل يقول «لو إتنين قالوا ليك رأسك مافى ألمسه» ولكنها لم تلمس رأسها، لتدرك أنه ما دام الحركتان الأساس قد رفضتا التوقيع على تلك الاتفاقية، فلا بد من أن يكون للرفض مبرراته، ومن ثم كان لازما عليها، أي الحكومة، التريث حتى معالجة أسباب الرفض، وفى ذلك الوقت المبكر، بدلا من الرجوع لمعالجتها وبعد فوات الأوان. لكل ذلك فإن تلك الاتفاقية لم تكن فاعلة أو ذات قيمة، ما دام أصل المشكلة لازال قائما. فما الذى حدث؟ فقد أعلنت الحكومة تمسكها بتلك الاتفاقية رغم أنف فشلها، بل أعلنت بألا تعديل ولا تبديل في بنودها، بل أقسمت بألا تسمح بإضافة أو حذف حرف واحد من حروفها، فاستمرت الحرب في حالها وأسوأ من حالها القديم، واستمر مواطنو دارفور في معسكرات نزوحهم بكل بؤسها وشقاء الحياة فيها. واستمر السودان وسمعته على ألسن كل وسائل إعلام العالم، بينما أخذت اتفاقية أبوجا في الانزلاق إلى قاع الاتفاقيات التي كثرت حتى لم يعد يعرف أيها لمن.
واتفاقية أبوجا التي لم تثمر أكثر من منحها منصب كبير مساعدي الرئيس لمن قبل التوقيع عليها، منى اركوى مناوى، إضافة إلى بعض المواقع الأخرى لبعض من معاونيه، إلا أن تلك الاتفاقية لم تقدم لمواطني دارفور شيئا يذكر. وطبعا ما دامت حركتا العدل والمساواة وتحرير السودان وهما الحركتان الأساسيتان، استمرتا في السير على ذات نهجهما القديم، استرداد الحقوق بالقوة، فليس من السهل إحراز أي تقدم في اتجاه إنهاء مشكلة دارفور في غيابهما، كما أن تلك الثمرة اليتيمة التي استأثر بها قاطفها منى اركوى مناوى، تم تجريده منها أخيرا، دون أن يعلن عن السبب. وبما أن الاتفاقيات التي تبرم مع هذه الحركات أساسها الوصول إلى السلطة، فبالطبع يصبح ضياع السلطة، يعنى انتهاء اجل الاتفاق، لذلك خرج مناوى من القصر الجمهوري غاضبا، بعد أن لم تشمله مكرمة الوظائف الدستورية الأخيرة، واتجه صوب حكومة الجنوب كما تقول الصحف، وربما من اجل الاستعداد لجولة جديدة لاسترداد المقعد المفقود. ولكنه أصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ ينظر إلى استجارته بحكومة الجنوب وكأنها محاولة من حكومة الجنوب للاستفادة من وجوده بأراضيها، في المساومات السياسية التي تملأ الأفق حاليا، والتي متى تم انتهاء اجلها، بأى اتفاق بين الشريكين حكومة الجنوب وحكومة الشمال، فلن يكون سيادته بأفضل حالا من رئيس حركة العدل والمساواة، الذى حرم عليه دخول الأراضي التشادية، وبعد أن حطت طائرته بأرض مطارها، ذلك لأن حكومة تشاد قد توصلت إلى اتفاق مع حكومة السودان، ومن ثم لن تسمح أي من الحكومتين لمتمردي الدولة الأخرى بمجرد البقاء بأراضيها، دعك من محاولة الاعتداء على الدولة الأخرى. والعاقل من اتعظ بغيره.
وملاحظة أخرى، أن يتم توقيع اتفاقية سلام مع حركات متمردة، ولم يحسم الاتفاق موضوع القوات العاملة مع هذه الحركات ومستقبلها، وفى حينها، ومن الجدل الدائر بالصحف حاليا، حول قوات مناوى، يبدو أن سيادته وقع على اتفاق سلام مع الحكومة، ولكن مع الاحتفاظ بقواته بعدتها وعتادها وكما كانت، حتى تسهل العودة إليها لاستخدامها مرة أخرى، متى دعت الضرورة. فتصريحات سيادته الأخيرة بأنه لن يتورع عن العودة إلى الحرب، ما دام قد فقد موقعه طبعا، خير دليل على ذلك الأمر. ونسأل عن الاتفاق الذى تم توقيعه بأبوجا مع سيادته، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، لماذا ظلت قواته بأسلحتها وتحت إمرته، حتى وهو بالقصر الجمهوري كبير مساعدي رئيس الجمهورية، ولمَ لمْ تقدم الحكومة ولم يقدم هو على تجريد تلك القوات من أسلحتها بعد أن وصل الجانبان إلى اتفاق سلام قوامه إلقاء السلاح لوقف الاقتتال؟، ويبدو أن الحكومة «يادوب» فطنت لذلك الأمر وخطورته، بعد أن أخرجت مناوى من القصر الجمهوري فيمم سيادته شطر جنوب السودان، الذى تم النظر إليه كبداية لخلق مشكلات جديدة ستصبح إضافة للقديمة، وهى «غير ناقصة»، لذلك أصبح من الضرورة تجريده من قواته التي ساوم بها من قبل، حتى لا يعود للمساومة عبرها مستقبلا، فأعلنت الحكومة الدعوة إلى تجريد قواته من أسلحتها بموجب ما سمُّوه اتفاق الترتيبات الأمنية. لكن يظل السؤال عن لماذا غضت الحكومة الطرف عن هذا الأمر ومنذ توقيع اتفاق السلام بأبوجا، ثم قررت ذلك الآن بعد أن غادر مناوى القصر الجمهوري؟ وهناك بدعة أخرى تستوجب المساءلة، تتمثل في قصة بعض الأراضي التي تظل تحت سيطرة هذه الحركات، حتى بعد توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة، لماذا لم يتم التخلي عنها مجرد توقيع اتفاق سلام حتى تعود تلك الأراضى إلى وضعها ومكانها الطبيعي الخاضع لسيطرة الحكومة؟ لكننا نسمع ونقرأ عن قوات زيد التي اعتدت على مواقع قوات عمر، وكأنما هنالك دول أخرى داخل دولة السودان.
نعود لمحاولات الوصول إلى حل قضية دارفور، التي تجرى حاليا عبر المفاوضات بدولة قطر والتي طال أمدها واستطال، إذ كلما اقتربت تلك المفاوضات من التوقيع على اتفاق ما، تعود إلى مربعها الأول، إما لأن الحركات المفاوضة اختلفت مع الوفد الحكومي المفاوض حول الرؤية لمن يحق له التفاوض أصلا، مثل اعتراض حركة العدل والمساواة على إشراك حركات أخرى معها في التفاوض بحجة أن حركتها هي الأصل وأن غالبية الحركات الأخرى إما أنها بلا قاعدة وقوات بالميدان أو هي مصنوعة صناعة بأيدي ذات الحكومة، للضغط عليها وإجبارها على القبول بما تصل إليه المفاوضات. ثم الاختلاف حول ملفات السلطة والثروة أم المشكلات، الذى تمثل أكبر العقبات التي تعترض أي من المفاوضات سابقها ولاحقها. غير أننا نتفق تماما مع الرأي القائل بأن فتح الباب لكل حركة منشقة عن أصلها لتفاوض باسم الأصل أو باسم جديد أطلقته على نفسها، سوف يشجع الآخرين على المزيد من الانشقاقات التي سوف لن تنتهي ما دامت كل حركة جديدة، مهما كان حجمها ووزنها، لها نصيب جديد في قسمة السلطة بالذات، ومن ثم أصبح على كل من يطمع في موقع بالسلطة، أن يعلن خروجه على حركته الرافضة للتفاوض، وإعلانه الحرص على سلام دارفور، ومن ثم الجلوس للوصول إلى نصيب دارفور في السلطة الذى سيذهب رأسا لصالحه.
فقد جاء بصدر إحدى الصحف أن حكومة ولاية غرب دارفور قد وقعت اتفاق سلام مع حركة باسم الأحرار والإصلاح. وقد تم توقيع الاتفاق بجبل مون. وأضاف الخبر أن مسؤولين حكوميين قد وصفوا ذلك الاتفاق بأنه وليد شرعي لاستراتيجية دارفور، بل أكد السيد مستشار رئيس الجمهورية والمسؤول عن ملف دارفور د. غازي صلاح الدين، أن هذا الاتفاق سيكون مفتاحا لاتفاقات أخرى. وقطعا ستتم مع أفرع أو أجنحة للحركات الأصل، وبموجب ما سمَّاه السلام من الداخل. ورغم أن السلام من الداخل هو الأجدى والأفضل، إلا أن لذات هذه الحكومة تجربة مع سلام الداخل هذا، عندما يبرم مع حركات منشقة عن أصولها، حالما ينتهي أجله بمجرد أن تعود تلك الحركات إلى قواعدها، بعد أن تعجز الحكومة عن الإيفاء بكل ما التزمت به في إطاره لها. كالذي حدث بالنسبة لاتفاقيتي سلام الخرطوم وفشودة، اللتين لم تدوما طويلا، فعادت قيادتهما إلى حركتها الأم، ليتم الوصول لاحقا إلى اتفاقية السلام الشامل، ولكن من الخارج طبعا، عندما تم توقيعها بنيفاشا بكينيا، فلماذا العودة لذات التجربة الفاشلة، تجربة السلام من الداخل، بالنسبة لسلام دارفور، عبر عقد عدة اتفاقات مع مجموعة حركات، كل على حدة «بالقطاعي»، ومن ثم لن تقود إلى نهاية المشكلة، بل إلى المزيد من تعقيدها، ما دام أصلها قائما. فالذي يجب فعله توجيه الجهد نحو تجميع هذه الحركات تحت مظلة أكبرها وأقواها ميدانيا، وهو ما دعت إليه حركة العدل والمساواة، حتى يسهل التفاوض معها. كما لا بد من أن تعلن الحكومة عن رفضها التفاوض مع أية حركة منشقة، أو أخرى جديدة، طبعا بعد أن توقف جهدها هي ذاتها، أي الحكومة، في عملية الانشقاقات، حتى تضع حدا لهذا المسلسل الذى أصبح مملا. كما لا بد من فكرة السلام مقابل السلطة، حتى إن كانت سلطات ولائية مثل ما طالبت به الحركة الأخيرة. ونتمنى في هذه الحالة الأخيرة من الاتفاقيات الجارية هنا وهناك، أن يكون التفاوض قد شمل تخلي الحركة المفاوضة عن التمسك بما تسميه أراضيها التي تتجمع بها قواتها، ومن بعد الإبقاء على قواتها ذاتها وبأسلحتها، وإلا ما معنى اتفاقية سلام لا تعيد الأوضاع إلى مجاريها الطبيعية؟، وحتى لا نسمع بعد حين أن الحركة التي اتفقت أخيرا قد شكت من أن حركة أخرى قد اعتدت على موقعها بجبل مون.

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1342

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.سعاد ابراهيم
د.سعاد ابراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة