كيف نتعامل مع العنصرية؟
06-04-2013 04:36 AM


أثارت قضية الطبيبة السودانية التي قتلت في مصر ضجة كبيرة، خاصة على ضوء التغطيات الأولية للإعلام المصري، والتي شابتها كل عيوب وأخطاء إعلام الإثارة، من التسرع في الحكم وإصدار النتائج المتعجلة، وتقديم الصور النمطية السالبة، ثم الانحياز الأعمى للطرف المصري في القضية بصورة لا تخلو من العنصرية، وتبني أقواله رغم أنه هو الطرف المتهم بالقتل.

وقبل ذلك أثار برنامج تليفزيوني مصري غضبة جمهور كبير من السودانيين، لانهم رأوا فيه اساءات عنصرية وسخرية غير مقبولة. شاهدت البرنامج وأعدت المشاهدة، وتكونت لدي ملاحظات على البرنامج ، قد لا تصل لمرحلة اتهامه بالعنصرية، بتعريفها القانوني أو حسب الأدب السياسي، لكنه يتعلق بعملية التنميط (ستيريو تايب) التي يستسهلها الإعلام العربي عموما، سواء للشخصية السودانية أو غيرها.

الشئ المهم أيضا هو أن ردود الفعل نفسها نضحت بعنصرية أقوى وأشد من تلك التي اشتكت منها، ولجأت للتعميم ووصف المصريين بعبارات وصفات لا تليق، ولا تقبل ممن يشتكي من العنصرية.

اضفت لملاحظاتي قاعدة ترسخت لدي منذ فترة طويلة، هو أننا شعب حساس جدا تجاه البرامج أوالأفلام الكوميدية أو الساخرة التي قد تتعرض لنا أو تقدم لنا نموذجا لا نقبله، وتابعت من قبل ضجة أثيرت حول أكثر من فيلم أو برنامج، ولم اتفق مع ما كتب وقيل، وعزوت ذلك للحساسية المفرطة.

والحقيقة أيضا أننا لا نخلو من العنصرية في مجتمعنا، سواء ضد بعضنا البعض، أو ضد شعوب دول أخرى، نراها لسبب ما أقل مننا، وأقل ما يجب فعله في مقاومة ومكافحة العنصرية التي يمكن أن تمارس ضدنا، هو ألا نمارسها ضد الآخرين.

شاهدت في قضية الطبيبة السودانية بوادر وعي إيجابي، وتحرك فاهم ومدروس، وقرأت كتابات مستنيرة، تهدف للرد على ماكتب وقيل، وتحاول تحليل الأسباب، بدلا من الاتجاه التقليدي القديم الذي يتجه للرد بشتائم مماثلة، لا تخلو هي أيضا من عنصرية مضادة. تكونت مجموعات على "فيسبوك" وعرفت أن كثير من الناشطين بدأ بالكتابة للصحف وأجهزة الإعلام المصرية الأخرى محتجا، كما بدأ من لهم صلة بالصحفيين المصريين بالاتصال بهم ومحاولة توضيح حقائق أخرى لها صلة بالحادثة.

هذه هي التحركات التي يمكن أن تثمر عملا إيجابيا، أن تشعر أجهزة الإعلام أنها تحت الرصد والمتابعة، وأن هناك من لا يقبلون الاستسهال في الكتابة وتحريف الوقائع وتوزيع الاتهامات المجانية على الناس وتلويث سمعتهم. ويجب أن ينطلق هذا العمل من قاعدة معروفة ومجربة، أن المجتمعات ليست كتلة واحدة صماء، وليس من سبب لافتراض أن سوء النية هو الذي يحركها دائما، وإنما هناك افتراضات يمكن معالجتها بالتواصل والتوضيح المستمرين. كما أن كل المجتمعات لا تخلو من أناس حسني النية والطوية، ولهم مشاعر إنسانية قوية لا تقر الظلم ولا تقبل به، على نفسها أو على غيرها.

متبت قبل أيام عن حادثة وقعت في مدينة يورك البريطانية، بعد حادثة مقتل جندي بريطاني على يد اثنين من المسلمين المتطرفين والمهووسين، بلا سبب أو دافع شخصي. اثار الحادث مشاعر شتى في بريطانيا، وفتح بابا لليمين المتطرف المعادي للجاليات ذات الأصول الاجنبية، فنظمت مجموعة يمينية اسمها "رابطة الدفاع الإنجليزية" مسيرة أمام مسجد يورك تطالب بطرد المسلمين من بريطانيا.

استقبلت لجنة مسجد يورك المتظاهرين بالحلوى والخبائز والشاي أمام المسجد، وتحدث ممثلو المسلمين معهم مبينين أنهم أيضا يدينون العنف، وانتهت المسيرة بحوار وصور أخذت طريقها لصحيفة القارديان، مع وعد من المجموعتين لاستمرار الحوار.

لو استسلم مسلمو يورك للعنصرية المضادة لانتهت تلك المسيرة بتبادل العنف، ولفتحوا بابا جديدا يصعب سده. لكنهم، وبوعي اكتسبوه من الحوار مع قيم وثقافة الديمقراطية والحوار التي يتسم بها المجتمع الغربي، اتجهوا للتعامل الإيجابي المثمر مع الحادثة.

لا أحد يقبل أن يعامل بأي نوع من العنصرية، ولا يجب أن يقبل، لأن في ذلك إهانة للإنسانية ولأرقى قيمها وتجلياتها، والتصدي للممارسات العنصرية واجب مقدس يجب أن ينهض به الجميع. لكن فلنبدأ بأنفسنا، وبالصور الذهنية التي نكونها عن الآخرين. نحتاج أن نتخلص من مخزون وإرث تاريخي ثقيل تشبعنا به زمن، ومن القابلية للدونية التي يمكن أن تصور أي إشارة بأنها إهانة عنصرية، وأن نملأ أنفسنا بالثقة في ذواتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 4870

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#688023 [شطة خدرا خدار شديييييييييد]
2.00/5 (3 صوت)

06-05-2013 02:51 AM
ردا على البعض الذين يتهمون كتاب راي في هذه الراكوبة بالعنصرية حتى أن أحدهم ذكر أسماء مثل شالوكا و عاطف نواي و بريش الليمي لهم أقول ما رايكم فيما يحدث من حرب و إبادة في مناطق الهامش دون سواها و التشريد و الاغتصابات بل ما رايكم في التعيين في وظائف الخدمة المدنية و ما رايكم في القبول بالكلية الحربية و كلية الشرطة و الامن لماذا نرى في كل دفعة جديدة من الضباط أن لا وجود لاهل الهامش و لماذا أن كل الضباط من الشمال و الوسط بينما الجنود الكادحين الذين يداوسون و يموتون هم من جنوب كردفان و دارفور و النيل الأزرق بل وكيف تفسرون الإختيار في وظائف وزارة الخارجية الذي يقوم على أساس القبيلة و الأثنية و أنها وظائف مفتوحة حصريا لأبناء الشمال و الوسط من المستعربين لتضمنوا إستمرار إدرار اللبن في أفواهكم من هذه البقرة الحلوب التي إسمها السودان و لتضمنوا إقامة الإنقلابات حصريا لكم فمرة يجينا معتوه على صحوة دبابة و مرة يجونا متطرفين تكفيريين و مرة حرامية شذاذ آفاق و عنصريين و هكذا دواليك إلى يوم تشرق الشمس من المغرب حقيقة أقولها أن العنصرية لم تاتي مع الكيزان بل أنها كانت موجودة و لازالت منذ أن عرف السودان نظام الدولة الحديثة و أن تجارة الرقيق الذي مورس على أهلنا في الجنوب أكبر دليل على ذلك و هو السبب الأكبر في إختيارهم الإنفصال عن عقلياتكم الخربة هذه و أما بني كوز فكل ما فعلوه أنهم قاموا بجعل عنصريتكم أكثر وضوحا و أصبغوا عليها شرعية قدسية فجعلوا وفق ذلك يقتلوا و يغتصبوا و يشردوا على العلن .و خيرا فعل الكيزان بتوضيح عنصريتكم حتى تتمايز صفوف الحق و الباطل و يتخذ كل سوداني موقفه الذي سيحاكمه عليه التأريخ و حتى يستطيع المعالج أن يصف الدواء بعد أن شخص بك وضوح الداء


#687880 [basbar]
4.69/5 (7 صوت)

06-04-2013 09:27 PM
هذه هي التحركات التي يمكن أن تثمر عملا إيجابيا، أن تشعر أجهزة الإعلام أنها تحت الرصد والمتابعة، وأن هناك من لا يقبلون الاستسهال في الكتابة وتحريف الوقائع وتوزيع الاتهامات المجانية على الناس وتلويث سمعتهم. ويجب أن ينطلق هذا العمل من قاعدة معروفة ومجربة، أن المجتمعات ليست كتلة واحدة صماء، وليس من سبب لافتراض أن سوء النية هو الذي يحركها دائما، وإنما هناك افتراضات يمكن معالجتها بالتواصل والتوضيح المستمرين. كما أن كل المجتمعات لا تخلو من أناس حسني النية والطوية، ولهم مشاعر إنسانية قوية لا تقر الظلم ولا تقبل به، على نفسها أو على غيرها.
كلان موزون وعلملي شكرا استاذ فيصل


#687401 [أخو سودانى]
2.00/5 (3 صوت)

06-04-2013 11:58 AM
و الله لن يتم ارساء تلك الثقة و بث الوعى بكل ما هو خير لصالح هذه الامة الا بذهاب تجار الدين ذينك الذين يجثمون على صدر هذا الشعب البطل الأبى، و بالعودة الى دين الله، دين الاسلام ذلك الذى قتل فى سبيل احيائه أمير الدعاة فى عصرنا الحالى الشيخ محمود محمد طه... نسأل الله تعالى ان يطيب ثراه و يغفر له و يجعله من الصديقين و ان يجعلنا هداة مهتدين من بعده... أنا نوباوى و أفتخر انه لا يزال لدينا ما نفتخر به من عروبة فى بلاد السودان!


#687330 [أبو الكدس]
3.75/5 (4 صوت)

06-04-2013 10:44 AM
والحقيقة أيضا أننا لا نخلو من العنصرية في مجتمعنا، سواء ضد بعضنا البعض، أو ضد شعوب دول أخرى، نراها لسبب ما أقل مننا، وأقل ما يجب فعله في مقاومة ومكافحة العنصرية التي يمكن أن تمارس ضدنا، هو ألا نمارسها ضد الآخرين.

إنت كده جبتها من الآخر هذا هو بيت القصيد كما تدين تدان


#687294 [ام مالك]
3.25/5 (8 صوت)

06-04-2013 10:22 AM
متعك الله بالعافيه أستاذ فيصل..كتاباتك دائما تنضح حلولا راقية لمشكلات تشرح أسبابها بدقةوموضوعية..


#687170 [ود الأقالــيم]
2.88/5 (4 صوت)

06-04-2013 07:46 AM
هذا صحفي حقيقي...وليس اشباه الكلاب اسحق مقت الله والطيب مصطفى


#687165 [عثمان خلف الله]
4.24/5 (7 صوت)

06-04-2013 07:39 AM
حساسيتنا المفرطه ناتج من الواقع المزرى الذى نعيش فيه فلو كنا فى وضع افضل كانت تولدت فينا ثقه فى النفس تجعلنا نتقبل ما يقال فينا بصدر رحب وايضا يجعل الاخرين يفكرون الف مرة قبل ان من شعب يفوقهم ماديا وعلميا وثقافيا
الافه الكبرى فى عنصريتنا بين بعضنا البعض وهو امر اعزيه الى الاميه والجهل فقط ومحاربتها تكون اولا بالاعتراف بها وتسليط الضوء عليها ومن ثم محاربتها والاعلام يلعب دورا كبيرا فى ذلك ومن ثم ياتى دور القوانين ونشر التعليم لتتساوى الطبقات بينها وبعض
السودان افتيه العظيمتين الفقر والعنصريه ولو نجحنا فى محاربتهما لن يجد اصحاب المشروع الحضارى ولا الحركات المتمرده مكانا بيننا


#687150 [ود الدمازين]
4.38/5 (4 صوت)

06-04-2013 07:06 AM
بصراحة العنصرية لم نعرفها الا من بعض الكتاب امثال المدعو.. شالوكا وعاطف نواى وبريش مش عارف ايه اليمى وعبد الغفار بطيخ المهدى وكم واحد بخربشوا فى الراكوبة


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة