المقالات
السياسة
لم امت يومها!
لم امت يومها!
06-05-2013 11:02 AM



لروح الشهيد / عبدالحكيم عبدالله موسي في عليائه، ولارواح كل الذين مضوا بصمت ضحايا غياب "الضمير الانساني" علي امتداد ارض الوطن. وللسودانيون جميعا ليحافظوا علي ماتبقي من ارواحهم، وعلي امل ان يدركوا قيمة السلام ويحبوا بعضهم كاخوان في الانسانية اولاً؛ وشركاء في المستقبل والوطن والتاريخ من بعد.
كان ذلك بعد الخامسة عصر يوم الخامس من أبريل في العام الماضي 2012م. قبلها بثلاثة ايام كانت السلطات قد اغتالت الشهيد / عبدالحكيم عبدالله موسي الطالب بجامعة ام درمان الاسلامية بعد أن تم اختطافه من امام منزله، والقت به جثة في مستشفي امدرمان.
ولحين وصول والده من دارفور، ظل جسد عبدالحكيم في المستشفي لم يواري الثري. وفي تلك الايام الثلاثة كان الناشطون يعلقون علي الجريمة في المواقع الالكترونية ويدعون للمشاركة في تشييع الشهيد، وتحدد اخيراً للدفن نهار الاربعاء الخامس من أبريل.
لم يكُّن بوسعي فعل شئ للتضامن الانساني غير المشاركة في الدفن وربما الكتابة من بعد، وعندما يكون الضحية من دارفور فالواجب يصبح اكثر الحاحاً، فدائماً ماترتبط ذكري دارفور عندي "بغياب ضميري / ضميرنا الانساني".
اكملت يومها كل ما استطيع انجازه من التزامات قبل الثانية عشره نهارا واتجهت للتشييع متوكلاً علي ربي ان يحميني، وزادي اني اناصر مظلوم : "ياعبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلاتظالموا" فكيف بالقتل الذي لاظلم بعده !!.
وفي مثل تلك اللحظات احتاج لما يقويني لاني اعرف جيداً كم باطشة ومتجردة من كل ضميرٍ هي تلك العصابة. تحتاجُ شجاعة الفطرة في تلك الاوقات لجرعات اليقين والروح الخارجة من تلك الاعماق السحيقة التي لانعرف كنهها (والمسؤولة عن صمودنا في تلك اللحظات التي كان من الممكن ان نرفع فيها رايات الاستسلام).
بعد ملاحظتي ان الزمن بدا يمضي مع زحام نهارات الخرطوم وكسل مواصلاتها العامه، اوقفت اول عربة اجرة امامي وتوجهت لمستشفي ام درمان الذي وصلته قرابة الواحده ظهرا. تجولت في كل اطرافه لاعثر علي المشيعين ولم اجد لهم اثراً (تضع في بالك ان الامن يملا باعينه كل زواية في تلك المواقف فتتردد الف مرة قبل ان تسال من لاتعرف). علمت بعدها من احد الناشطين ان المشيعين اتجهوا نحو الفتيحاب وسيتم الدفن بمقابر حمد النيل بعد قليل.
كنتُ حريصاً علي كسب الوقت، فقمت بايجار عربة اجرة مرةً اخري اوصلتني للمقابر قبل الساعة الثانيه بكثير. لم يكن هناك احد ولكن مُحدثي كان يؤكد ان المشيعين سياتون بعد قليل. قضيتُ اكثر من ساعتين بالمقابر وانا انتظر، ومن سؤ حظي أن كل من اعرفهم غيروا مسارهم نحو المستشفي للاطمئنان علي حالة الصديقه / نجلاء سيد احمد التي علمتُ ان الشرطة اعتدت عليها.
اخيراً وبعد ان تجاوزت الساعه الرابعه ابلغني احد الاصدقاء عبر الهاتف ان الدفن بمقابر (27) بدار السلام وليس في مقابر حمد النيل التي كنتُ انتظر عندها وحيداً.
وانا امضي خلف ارادتي وقدري كنتُ اكثر اصراراً علي المشاركة في التشييع، وللمرة الثالثه في ذلك اليوم قمتُ بايجار سياره وكانت الاجرة اكبر هذه المرة.
لم نستطع معرفة المكان رغم الاسئلة المتتالية للماره والتلفونات التي كنتُ اجريها من وقتٍ لآخر، ومع ارتفاع تكاليف الاجرة وتبرم السائق قررت النزول من العربه. بعد امتار قليلة جاء الفرج بعد ان أكد لي سائق ركشة انه يعرف المقابر جيدا ومر بها قبل قليل ورأي جموع المشيعين هناك.
منذ العام 2003م وانا اعمل مع شباب وطلاب دارفور واتابع الوضع هناك باهتمام، جمعتني معهم مواقف وذكرياتٌ لاتنسي. اذكر منها انني كنتُ واحداً من المشرفين تنظيمياً باسم طلاب مؤتمر البجا علي التظاهرة التي اندلعت يوم عيد الانقاذ (30 يونيو 2004م) من داخل جامعة الخرطوم.
كانت الخرطوم وقتها موعودة خلال ثلاثة ايام بزيارتين متتاليتين لوزير الخارجية الامريكية كولن باول ومن بعده الامين العام للامم المتحده كوفي عنان. قررت رابطة دارفور رفع مذكرة لكوفي عنان عن الوضع في دارفور، وتم اخطارنا بالفكرة باعتبار مؤتمر البجا اقوي حلفائهم في تلك الفترة.
يوم تسليم المذكره كان عطلة عامه في كل السودان، والشوارع لا أثر للمارة فيها، والجامعة خالية تماما من طلابها، وهي ظروف لاتصلح تكتيكياً لنجاح التظاهرات وكان الامر مغامرة كبري بكل الحسابات.
حضرنا حوالي 30 شخصا من البجا و 70 من طلاب وطالبات دارفور، فكانت معركة بدات عند الحادية عشره نهاراً وانتهت بعد التاسعة ليلا باتفاق مشهود حضره حقوقيون وصحفيون، تم السماح بموجبه للمتظاهرين بالخروج سالمين وذلك بعد ان وصل مدير الجامعة البروفيسر / ابراهيم غندور لقناعة ان الجامعة ستحترق تماماً ولن يبقي فيها شئ، وبعد ان امطرت الشرطة الجامعة بالبمبان لعشر ساعات متواصله وعجزت عن تفريق المتظاهرين.
وصلت اجهزة النظام الامنية لقناعة ان رابطة طلاب دارفور باتت تشكل خطورة قصوي فحركت عناصرها بسرعة وتقسمت الرابطة بعدها بايام قلائل لثلاثة اجنحة، ولكن النضال الدارفوري تواصل. كشف ذلك اليوم عن معدن شرس واصيل لطلاب دارفور يستحق التوثيق، وللانصاف كان عدد الطالبات كبيراً علي غير العادة في مثل هذه المواقف وكان صمودهم دافعاً لزملائهم الشباب للثبات.
والعلاقة بين الطلاب الدارفوريين والشرقيين كانت عميقة جدا بسبب وجود الداخليات المشتركه في منطقة جغرافية واحده بامدرمان، والاحساس بالمصير المشترك. وندين في مركزية مؤتمر البجا التي ظهرت للعلن في العام 2003م بالكثير لروابط دارفور التي قدمت لنا الدعم المادي والمعنوي.
كنا نعقد اجتماعاتنا داخل دور الروابط الدارفورية وتتمتع منابرنا في الجامعات بحمايتهم وحضورهم الكثيف، وهذا واقعٌ كنت ضمن سياقه واثر كثيراً في طريقة تفكيري وتحليلي للازمة السودانيه، والمامي بقضية دارفور.
هو مشوار اعمق وليس هذا آوان ومكان التفاصيل، ولكني اردتُ ان اقول ان هذا الماضي كان دافعي لحظتها ولم اكن احس بخوف او تردد حتي وانا امضي وحيداً لمنطقة لم اكن اعرف فيها احداً، وفي محفل مغضوبٍ عليه ويمكن ان تستخدم السلطة ضده كل ماتملك من بطش.
2
بمجرد وصولي لبوابتها الشماليه كان المشيعون يخرجون لتوهم من المقابر بعد أن دفنوا شهيدهم، لم ينتظروني حتي للحظات النزول من الركشه ودفع الخمسه جنيهات لسائقها.
وجدتُ نفسي مُحاطاً بجموع بشرية من النساء والاطفال والشباب تُحملني المسؤولية عن قتل الشهيد، والظلم الواقع عليهم، والعنصرية وتهم اخري لم استطع الاستماع لها جميعا فالكل كان يتحدث، ويشتم ومعظمهم "كان يسأل ثم يُجيب بنفسه علي سؤاله".
حاولت جاهداً ان اشرح لهم انني جئت لاشارك في دفن الشهيد، وتعزية اسرته، وانني صحفي كنتُ اعمل بصحيفة تدافع عن المهمشين وأنني وأنني، .. الخ.
لم يكن هناك احد علي استعداد لان يسمع، وكانت الاسئلة والتعليقات الساذجة ـ والمؤلمة في نفس الوقت ـ تهطل عليَّ كالمطر لا اعرف كيف ومن اين اجيب عليها : انت الجابك هنا شنو؟ عرفت كيف انو في زول ميت؟ رسلوك عشان تتجسس ؟ تكتلونا ليه ؟ تاني مادايرين اضان حمراء في البلد دي .. الخ.
ثم قام عددٌ منهم بتفتيشي واستولوا علي هاتفي واجروا منه مكالمات هاتفية بغرض التاكد من شخصيتي، وارجعوا مبلغ مائتي جنيه كانت بحوزتي بعد ان اكملوا تفتيشي.
ظللنا علي هذا الوضع قرابة الخمسة عشره دقيقه، اكثر من مائتين من الشباب والشابات والاطفال وانا وحيداً في مواجهتهم، ومُطالب ان ابحث اجابات لاسئلة الهامش الدارفوري عن عقود من الظلم وجرائم المركز ضده. كان عليَّ انا ابن الشرق الجغرافيا الكائنة خارج التاريخ الاجابة علي اسئلتهم تلك !!.
وعلي فداحة الموقف لم يكن هو مايشغلني فقط، فعلي بعد اقل من مائة متر كانت سيارات القتلة الحكوميين تحيط بالمكان شمالاً، وفي حالة وقوعي في يدهم فهو سيناريو لايحتاج لشرح.
ومع حالة التجمهر الكبيرة والحركة يميناً ويساراً اثناء التحقيق معي، والتي لم يكن سببها معروفاً لهذه السيارات بدات تقترب اكثر واكثر وبدأ بعض الشباب الذين يحاصروني الهتاف : " ناسك وصلوا جايين يفكوك"، وآخرين كانوا يهتفون "الليله موت مافي طلعه من هنا".
احدهم وبموافقة خمسه او سته منهم قال لي بهمس : "انه ليس امامي من حلٍ سوي الخروج بسرعة جرياً وانهم سيحاولون حمايتي"، ولكن الذين سمعوا هذه النصيحة من الشباب الغاضبين كانوا الاسرع وانهالوا عليَّ ضرباً بالايدي والعصي، بينما كنت اهرب وسط محاولات الستة لحمايتي.
وفي رحلة الهروب شرقاً تعثرت بالرمال التي اعاقت حركتي، واضطررت للنزول في منخفض امامي والقفز بعدها من جديد، وكدت ان افقد الوعي لحظتها من السقوط والضربات التي كانت تاتي من كل الاتجاهات.
بغريزة حُّب الحياة وبما تبقي ربما من قوة الشباب استطعت القفز لاعلي وواصلتُ الفرار، وبدات اعداد من يطاردني تقل بعد ان ابتعدت عن مركز التجمهر وانشغالهم بشبح سيارات القتله التي كانت تقترب لفك طلاسم الهرج الكبير. ولكن الفضل الاكبر في نجاتي يعود للقلة التي دافعت عني واستطاعت منع "حادثة موتٍ محقق".
لم يستمر مشهد العنف اكثر من دقائق معدوده، ولكن الاثر في اجزاء جسمي وهئيتي كان بالغاً بسبب كثرة الايادي، وحالة الغضب والهستيريا التي كانت تعم من كانوا يقومون بذلك.
كانت اقرب نقطة للشارع العام تستغرق اكثر من عشر دقائق، وكنتُ امضي خائفاً من الوقوع في يد جحافل الظلاميين والعنصريين الذين ينتظرون مثل هذه اللحظات ليستثمروها في زراعة الكراهية والحقد (لن يتورعوا عن قتلك مثلاً في تلك اللحظة ليشيعوا بعدها ان الطرف الاخر هو الذي قام بتصفيتك، ويُكتبُ لصحيفة العنصرية عمراً وقضيةً جديدة).
بعدها وصلتُ منزلي واعدت ترتيب مظهري وخرجت مباشرة برفقة احد اصدقائي للمستشفي. وبعد ان جاءت نتيجة الاشعه تفيد بسلامتي من اي كسر في الراس واليدين، اكتفي الطبيب باعطائي مسكنات وحرر لي روشته بعدد من الادوية.
حمدتُ الله علي السلامه وتحول المشهد كله مع صديقي لمادة سخرية وهزل من حالي (الجلده المحترمه، ومنظر الوجه المتورم، وسذاجة وطيبة الطبيب الذي كان يهنئني بالسلامة بعد سقوطي وانا اعلق الستارة علي الحائط !!).
في مساء نفس اليوم تحول المنبر العام لموقع "سودانيز اون لاين" لساحة جدال وحرب، بسبب كتابات بعض الناشطين الدارفوريين التي اتهمت من سمتهم (بالجلابه) بعدم المشاركة في تشييع الطالب الشهيد، وكان للبعض ممن ارتضي التسمية والمفهوم ردوده.
بالنسبة لي كان من الضروري ان اروي ماتعرضت له لنفكر ونناقش بصوت مسموع ووضوح واقعنا الذي وصلنا اليه، ولكن الكتابة في لحظات الخلافات والاجواء المشحونة سيكون ضررها اكبر من فائدتها، حيث لا احد لديه الاستعداد للحوار والاستماع.
والاخطر من ذلك ان شهادتي قد تتحول لمصلحة احد الاطراف المتصارعة ويتم تصنيفي في خضم صراعات الانحطاط هذه "لغرابي" او "جلابي" !!.
كما ان ظهوري في تلك اللحظة قد يحولني لمادة اعلاميه تصرف الانظار عن القضية الاساسيه وهي حادثة القتل البشعه، حيث دائماً ماينجح النظام وبمساعدة اعدائه في صرف الانظار عن القضايا الرئيسية وشغل الساحة بقشور واعراض الازمات والمشكلات.
وفيما يتعلق بذلك الخلاف بمنبر سودانيز اونلاين، ففي اعتقادي ان من تحدث بغضب عن غياب اهل المركز (اوالجلابة بذلك التعبير) عن التشييع كان علي حق في احساسه بالظلم ولكنه لم يحسن التعبير، وطرح الامر بسطحية لاتليق بمن يطرح نفسه داعيةً للتغيير ومدافعاً عن حقوق الانسان.
فقبل تشييع الشهيد عبدالحكيم بايام واسابيع قليلة خرجت جموع الجماهير والمعارضين منهم علي وجه الخصوص باعداد كبيرة لتشييع الفقداء وردي وحميد ونقد، وليس هذا بمستغرب فللثلاثة تاريخهم وبصمتهم في ذاكرة ووجدان اجيال متعددة.
ولكن خروج خمسين شخصاً فقط من تلك الجماهير ومشاركتها اسرة الشهيد والدارفوريين في التشييع الذي يُفترض انه لـ "شهيد سوداني" كان سيكون له مردوداً ايجابي. ولكن وبشهادة اثنين ممن اثق فيهم لم يتعدي الحضور غير الدارفوري في التشييع ثلاثة اشخاص، اثنين من الصحفيين مراسلين لوكالات انباء عالميه وشخصي، بجانب عدد اصابع اليد من ناشطي قرفنا كان يُفترض ان يكونوا ضمن المشيعين ولكنهم اضطروا للتخلف لمرافقة زميلتهم نجلاء سيد احمد.
اقصد ان المشاركة الرمزية للعشرات فقط من غير الدارفوريين كانت ستكون ايجابية، ولكن ليس هذا موضع المزاودة علي احدٍ من شخصي وهو ليس غايتي ولامن شيمي، فلكل ظروفه وهو واجبٌ بمثابة فرض كفاية. وانا نفسي لاتتيح لي ظروف الحياة المشاركة في عدد كبير من المحافل واشارك من فترة لاخري حسب طاقتي.
المثير للحيرة اكثر من ذلك، غياب الحركة الطلابية بالعاصمة عن تشييع زميلهم. كانت وماتزال الروح الطلابية الثورية والانسانية هي الاسرع دائماً في التفاعل مع القضايا، وكان الشهيد قد قضي ثلاثة ايام بالمستشفي قبل تشييعه وتناقلت المواقع الالكترونية والاجتماعية الخبر ولهذا كان غيابهم محيراً.
في سنين ماقبل انتشار وسائل الاتصالات كان الطلاب يتفاعلون مع حدث بعد دقائق من حدوثه حتي ولو كان في مدينة اخري. اذكر في ابريل 2005م ان احد طلاب جامعة الدلنج تم قتله. في اليوم الثاني خرجت عدد من الجامعات بالخرطوم في تظاهرات استنكار ليوم او يومين. ومن جديد فقد الطلاب زميلا لهم في التاسعة عشره من عمره من مدينة كسلا ويدرس بجامعة النيلين وهو الشهيد / خالد محمد نور اكد.
هتف طلاب البجا في مقابر الصحافة ضد وزير الداخلية الحالي الذي حضر التشييع ومعه عدد من قيادات المؤتمر الوطني، واشتعلت الخرطوم بعدها في احتجاجات عنيفة استمرت لعدد من الايام. كنا في مركزية طلاب مؤتمر البجا في واجهة المشهد، ولكن التضامن كان مذهلاً.
لم يكن لنا كمبيوتر للطباعه والآت نسخ فقام اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عبر الصديق / وائل طه بطباعة بياننا سريعاً وتصوير الآلاف النسخ مجاناً، وتراصت الايدي سريعاً فكانت الخرطوم المثلثة كلها قد وصلها بياننا وتحول وسطها لساحة حرب.
تشتكي بعض التنظيمات السياسية والناشطين في المركز من ان المجموعات الدارفورية بدات خلال السنين الماضية تتجه للتطرف خصوصاً تنظيم طلاب الجبهة الشعبية المتحده الذي يدين بالولاء لرئيسه عبدالواحد محمد نور، وقد يكون هناك قدراً من الصحة في هذا الادعاء.
قناعتي ان اتخاذ مواقف متطرفة ضد المركز واعتباره كتلةً واحده لن يؤدي لحل وسيزيد المشهد تعقيداً، وانا اتحدث هنا من الناحية الواقعية فقط وليس من منطلق المشروعية للموقف حيث للكل الحرية في اتخاذ مواقفه حتي ولو كانت متطرفة.
ولكن علي كل حال، ليس هذا مبرراً لاحزاب وناشطي المركز للغياب عن تشييع شهيد تم اغتياله غدراً في انتهاك واضح لابسط اسس العدالة والقانون.
اتمني من كل الاطراف ان يراجعوا مواقفهم ويخضعوها للتحليل وسيجدوا ان لا تطرف الهامش سيبني دولة ويحل ازمه، ولا استعلاء المركز سيوقف انهيار الوطن الوشيك !!، وهذا ماساتطرق اليه تفصيلاً لاحقاً.
3
كنتُ يومها اكثر حرصاً علي الحياة وفرحاً بسلامتي من اي يوم مضي في عمري، لغريزة حُب الحياة اولاً ولسبب آخر.
فلو تعرضت لاي أذيً جسيم او حتي كنتُ في عالمٍ آخر كان ذلك سيكون دفعةً ومادةً للعنصريين الذين يبثون سموم الكراهية ضد الدارفوريين، ويحولونهم في آلة الاعلام العنصري لمجرمين بدلاً من حقيقة كون أغلبيتهم ضحايا.
و لما قدرَّ الله ان يُكتب لي عمراً، فان واجب الاخلاق يفرض علي البوح بما استطيع مما هو مسكوتٌ عنه "ويفرقنا ويُنبت بيننا بذور الكراهية والحقد المدمرة"، وهو في الاساس موضع اهتمامي منذ زمن طويل كمهتم بالهم العام، ولاني اعرفُ ايضاً الجُرح الغائر والاثر المدمر للعنصرية، وإن كنتُ لا ادعي اني ادفع ثمنها بنفس درجة الدارفوريين ولكن ماعرفته يكفي.
من حيث الفكرة والمفهوم، لم يكن ماحدث يشكل صدمةً او مفأجاة لي، فانا علي قناعة من زمنٍ طويل اننا وصلنا لهذه النقطة وأكثر. ولكن ان تعتقد وتتنبأ شئ، وأن تكون انت الضحية شئ آخر مختلف تماماً، ذلك أننا نتنبأ ونُحلل وفي ذهننا الاخرين (حتي ولو كنا جزاءً من سياق زمان ومكان التحليلات).
ولزمن طويل وانا علي قناعة ان التحدي الاكبر الذي يواجه السودانيين هو اعترافهم بالانتماء الانساني والبشري المشترك في المقام الاول، ومن ثم الاعتراف ببعضهم البعض كمواطنين متساويين.
السياسيون ومن بينهم دعاة السودان الجديد والديمقراطيين وغيرهم يرفعون شعار المواطنة ويضعونه في مقدمة اهدافهم، وهو مطلب سياسي واقعي نبيل لاخلاف حوله، ولن تمضي الامور دون الالتزام بالمفهوم الشامل للكلمه.
ولكني أعتقد ان هناك مطلباً اعمق نتحاشي التطرق اليه في اغلب الاحيان، وهو الاعتراف بانسانية بعضنا البعض. يجب ان نتحلي بالشجاعة ونتحدث عن ذلك، وسيكون الطريق بعدها لمفهوم المواطنة مشيداً.
فالحقيقة ان عقلية المركز وخطابه السياسي لاتشكك في مواطنة الفور والنوبة والانقسنا علي سبيل المثال، ولكنه يستبطن ماهو اشدُّ واعمق أثراً تجاهها وهو مفهوم : "الدونية والانسان من الدرجة الثانية".
وعندما تستقر هذه النظرة في مؤخرة وباطن عقل الممسكين بزمام الدولة ومن تبعهم من مجتمع المركز، فان الاعتراف بالمواطنة او نفيها لن يكون شاناً ذو اهمية.
الناشطون ومنظمات المجتمع المدني والمعارضين بالمركز (وحتي احيانا في الهامش) لايضعون ذلك في مقدمة اولوياتهم ويقفزون عليه، باعتقاد ان المشكلة سياسية سببها نظام الانقاذ وبزواله ستحل، ويجب ان تتوجه الانظار والمجهودات نحو هذا الهدف.
صحيح بزوال النظام سيكون هناك امل في حل المشكلة، ولكن ليس من المستبعد ان تتعقد الامور أيضاً بشكل اكبر.
النظام ساقط قريباً لامحالة، هذه قناعتي لاسباب كثيرة اهمها أنه يمضي عكس دوران عقارب ساعتي التاريخ والمستقبل، ولكن لااحد يعرف في اي يوم سيكون ذلك. واثناء ذلك ولحين السقوط يتفكفك المجتمع بسرعة وتتزايد مساحات الفرقة بينه.
والاوضاع علي الارض والحراك اليومي بين طبقات المجتمع واعراقه هو الذي يحكم مشاعر الناس ومواقفهم، وليس خُطب وبيانات السياسيين، وكما هو معلوم فان هذا الحراك يمضي في الاتجاه السلبي.
عدد الضحايا والجرحي والاغتصابات بالملايين في دارفور وجبال النوبه والنيل الازرق، وفظائع الحروب كشف الاعلام عن جزء يسير منها، وستظل حاضرة في اذهان شهودها طوال حياتهم وتتوارثها عنهم الاجيال القادمه.
الاحصائيات تُشير الي ان هناك مايقارب 4 ملايين نسمة مابين نازح ولاجئ من دارفور بسبب الحرب، وعشرات الالاف مثلهم من جبال النوبه والنيل الازرق هجروا مساكنهم التي ورثوها عن آبائهم واجدادهم وفيها ذكرياتهم وتاريخهم.
هم الآن في العراء، يستجدون الاغاثات، ولايذهب صغارهم للمدارس، وتحصد الحروب شبابهم، والامراض والطبيعة ضدهم، الفتيات والنساء تركوا اسرهم ليعملن كبائعات شاي يقاسين من رهق العمل زهيد الاجر وفوق ذلك وصمة المجتمع "وتحرشات الذئاب".
في حديثه للاعلام قبل شهور قليلة يقول احد النازحين بمعسكر ابوشوك في شمال دارفور وهو يصف وضعهم في المعسكر : " هناك معاناة حقيقية داخل معسكرات النزوح، نحن نعانى فى هذا التوقيت بسبب البرد وعندما يأتى الصيف تزداد معاناتنا ، وفى الخريف لا تقوى هذه البيوت المتهالكة على الصمود".
ويقول آخر : " نحن نعانى معاناة كبيرة، نقيم فى رقعة ارض لا تتجاوز مساحتها عشرة امتار، لم نعد نحتمل البقاء هنا ولو ليوم واحد، ولكننا لا نستطع العودة إلى مناطقنا دون التأكد من توفر الأمن والخدمات وتعويضنا عن الاضرار التى لحقت بنا وبممتلكاتنا ، اذا تم توفير هذه المطلوبات فلن يبق شخص واحد داخل المعسكر". ويضيف : " هناك نقص فى الغذاء والدواء والمياه ، هذه الاوضاع تضطر حتى الاطفال للعمل فى اسواق المعسكر فى مهن هامشية لتوفير المستلزمات اليومية" .
والعاصمة الخرطوم يُقيم في اطرافها ثلاثة ملايين وربما مايزيد من أهل الهامش يمتهنون مهن ثانوية، وتتعامل الحكومة مع مناطقهم وتجمعاتهم وكأنها مناطق حرب.
ومابينهم وبين الصفوة الخرطومية في احيائها المعزولة جدارٌ، بحيث ان احداً لن يُصدق انه في مدينة واحده عندما يتجول في مناطق و احياء العاصمة المختلفة.
نظرة واحده أيضاً لمن هم في السجون، والمشردين، والفاقد التربوي، وعمال النظافه، والاورنيش ... الخ تُعطي مؤشراً لطبيعة التمايز والاصطفاف الاجتماعي الواضح والجلي.
وللامانة فان جزاءً من هذا الوضع ليس وليد الانقاذيين بل هو تراكم لعهود طويلة من التمييز والسياسات الخاطئة، ولكن الانقاذ في سنينها الاخيرة حولت العنصرية والتمايزات الاجتماعية لسياسات مُعلنة وممنهجة لفتت انتباه اهل الهامش واصابتهم بصدمة.
واذا كان للمهمشين في العقود الماضية سعة الصدر التي جعلتهم يتحملون حياة المواطنة من "الدرجة الثانية" تحت افيون وجودهم الرمزي في الدولة؛ ودخولهم مع مواطني المركز تحت عباءة الطوائف الختمية والانصارية والتجانية .. الخ وماتعطيه هذه الطوائف من احساس المساواة الشكليه، فالواقع تغير الآن تماماً والجيل الجديد من الشباب لن يرضي بغير ان يكون مواطناً من الدرجة الاولي يتمتع بحياة متساويه في التعليم والصحة والوظائف وحتي رئاسة الجمهورية نفسها!!.
عاش الدارفوريين ازمتهم لوحدهم، لم يساندهم سوي المنظمات والاعلام الغربي (مع أن مساندة بعضهم لم تكن تخلو من غرض وسلبيات)، بينما غاب عن مساعدتهم ابناء جلدتهم في مناطق السودان الاخري. ونفس المشهد حدث من قبل لجبال النوبة والنيل الازرق ويتكرر الآن من جديد (هذا مع كامل تقديري لمجهودات البعض الفردية والجماعية التي بالطبع سيحفظها لهم التاريخ).
ومن يتعرض للابادة والقتل والمطاردات ولايجد من يتعاطف معه انسانياً، لاتتوقعوا منه ان يفكر بتسامح. سيكون مفهوماً ان يفكر برد العنف بالعنف واكثر، او ان يفكر بالانسحاب تماماً كما اختار 99 % من الجنوبيين الاستقلال.
سيمضي الدارفوريون وعدد من المناطق الاخري اذا استمر هذا الوضع في طريقين لاثالث لهما للاسف : العنف والانتقام، او الاستقلال.
المعادلة في ذهن كل ضحية ببساطة ستكون : هناك حكومة تقتلنا وتنهب اموالنا وتشردنا وتغتصب النساء وتسعي لابادتنا، يقتلوننا، وينهبون ثرواتنا، يحكموننا كالعبيد، يفرضون علينا ثقافتهم. الشعب لايتضامن معنا في الشمال والوسط وتمضي حياتهم بشكل اعتيادي وكان لم يكن هناك شئياً !!.
ومن حق الدارفوريين ان يفكروا اذا ارادوا بهذه الطريقة، لان هذا هو الواقع العملي بدرجة كبيرة. سيكون مفهوماً ان يمضي بعضهم في طريق الكراهية لكل ماهو قادم من الخرطوم والجلابه، وساكون اول المؤيدين لمطالبتهم بدولة مستقله اذا اعلنوا عن ذلك وكان محل اجماعهم (طبعاً اذا كان تاييدي ذا قيمه)، رغم قناعتي بان تقسيم السودان لن يحل مشكلة وسيولد المزيد من الازمات.
ولكن في المقابل، من الظلم بفداحة ان يتم تحميل سكان وسط وشمال السودان المسؤولية عن الجرائم التي ترتكبها الحكومة والمليشيات. الكثيرون منهم مقيدون في دورة الحياة الاقتصادية الطفيلية التي لاترحم ولاتتيح لاي شخص زمناً للتفكير حتي في مصير اسرته الصغيرة احياناً ناهيك عن قضايا اقليم بعيد منهم جغرافياً، تُمارس اجهزة الاعلام تعتيماً علي اخباره ولاتتحدث عن حقيقة الوضع فيه.
غير أنه وفي بلد تسودُّ فيه روح العشيرة والتصنيفات الاجتماعية، علي اهل المركز وساكنيه التفكير بجدية والتأمل ـ حتي من هم معارضين للنظام ـ لكون ان كل ماهو مهم واستراتيجي في الحكومة والدوله بهياكلها الضخمة ومؤسسات القطاع الخاص يقف في قيادتها ابناء جلدتهم. وهو وضع يضطر الآخرين تحت تأثير القمع والحرمان والامية، لوضع تصور ومفهوم معين في اذهانهم للدولة يرتبطُ (بالجلابي) او (المندكورو) اينما وُجد.
سيكون من الصعب علي الضحايا القادمين من مستنقعات الحرمان والامية والانتهاكات، التمييز بين الافراد المنتمين للمركز : ان كانوا مع الانقاذ او ضدها، وستختلط الامور.
وفي رحلتهم للقضاء علي دولة الجلابه قد يتم التعامل مع الجماعة باكملها كوحدة واحده، بحيث وكما قال الاستاذ الصديق فايز السليك خلال حديثه في منتدي لقوي الاجماع الوطني المعارضه كان يحضره عدد من قياداتها بينهم د.مريم الصادق : "اذا لم تتحركوا بجدية لاسقاط النظام وظلت مواقفكم بين بين فقد ياتي يومٌ لايميز فيه اهل الهامش بين د.نافع و د.مريم الصادق"، وهو تشبيه قد يثير غضب البعض ولكن من الافضل ان يُقال منذ الآن شفاهة ويُطرح للنقاش والتداول، قبل ان ياتي يومٌ تتعطل فيه لغة المنطق والحوار.
وعن نفسي، لاتصيبني الدهشة عندما اسمع افكاراً متطرفة تخرج من بعض أهل الهامش وتري ان الحل للازمة السودانيه يتحقق عبر كنس (دولة الجلابه) واقامة دولة جديدة بالكامل علي انقاضها، او تفكيك السودان لدويلات.
وعلي العكس من ذلك، ارفع قبعتي احتراماً للدارفوريين والنوبة وغيرهم من المهمشين وهم يتعاملون بنقاء سريرة وتجرد، ويحافظون علي تعايشهم الاجتماعي مع أهل المركز رغم الدمار الكبير والابادة التي يتعرضون لها من (دولة المركز).
وحتي لاينخدع اصحاب النيات السليمة والمتفائلون ويعلقوا شماعة آمالهم في تماسك المجتمع علي الاجسام السياسية التي تعمل تحت مظلتها احزاب وتنظيمات تمثل المركز والهامش (اوتدعي) مثل ميثاق الفجر الجديد والجبهة الثوريه، أري من التجارب وقراءاتي للواقع أن التوقيعات السياسية والمهرجانات مثل تلك التي تمت في كمبالا ليست بالضرورة معبرة عن الواقع، والراجح عندي ان قادة الحركات المسلحة الدارفورية بعيدون عن نبض الشارع الحقيقي الذي يتحدثون باسمه، او ربما يمضي بعضهم علي طريق التكتيكات التي تشتهر بها السياسة السودانية (وكسب الوقت والمساحات).
ولستُ بأي حال ضد ميثاق الفجر الجديد وتحالف كاودا وأعتقد انها تجمعات ضرورية وملحة سياسيا، ولكني أتحدث هنا عن ماهو أعمق من تحالفات الساسة وتقلبات السياسة، أتحدث عن العلاقة بين مكونات الشعب / أو الشعوب السودانية.
في اعتقادي، ان علي المعارضين والناشطين بالمركز النظر بعمق للامور هذه المرة وعدم تكرار تجربة علاقتهم مع الجنوبيين، لان السودان ليس بمقدوره بعد الآن التضحية بأي اقليم من اقاليمه.
فالحركة الشعبية بقيادة الراحل د.جون قرنق كانت علي علاقة وثيقة بالاحزاب الشمالية المعارضه منذ مطلع التسعينيات ووقعت معها ميثاق اسمرا في العام 1995م، ولكن هذه العلاقة كانت فوقية بعيدة عن القاعده الجماهيرية، وبعيدة حتي عن القيادات العسكرية للحركة الشعبيه.
ولهذا وبمجرد غياب د.قرنق تبدل الحال، واصبح الصوت العالي للقوميين وأختار الجنوبيون الاستقلال بالاجماع، ولم تجد الوحدة من يتذكرها ويبكي عليها حتي من تلاميذ الراحل د.قرنق المقربين انفسهم وقائدهم فاقان اموم الذين اضطروا لركوب الموجة والسباحة مع تيار الاستقلال / الانفصال!!.
وليس في الامر عجب، ففكرة السودان الجديد والوحدة كانت علوية وغير مفهومة للمواطن الجنوبي الذي يعرف حقيقة واحده وهي أن النيل في جريانه العكسي من الشمال للجنوب حمل إليه المندكورو ـ وترجمتها وسخ البحر ـ ليعيث في ارضه فساداً.
وهي نظرة متجذره تكونت بتراكم السنين والاحداث، ولم تكن خدع والاعيب سياسيي المندكورو قادرة علي تغييرها عبر المهرجانات، واللقاءات، والاتفاقيات، والخطب.
والآن اذا كان سياسيي ومعارضي وناشطي المركز ـ سواءً من كان تاريخه قائماً علي الخداع والاكاذيب او من كان صادقاً ـ يريدون سوداناً موحداً فعليهم ان يمضوا وقبل كل شئ في طريق الحوار والمصالحة بين الشعوب السودانية، وخلق تاريخ وذاكرة جديدة نقية.
وهي مهمة ليست بالسهلة بعد عقود من ممارسات وفظائع الحكومات المركزية المختلفة والشرائح الاجتماعية المستفيدة منها، ولكنها ايضاً ليست بالمستحيله.
كنتُ اتمني لو ان هناك مجتمع مدني واعلام قوي يقلل الفوارق والمساحات بين السودانيين، اويقيم جسور الصلة علي أحسن الفروض عبر الحوار.
لو كانت هناك قنوات حوار فستخرج الصدور اثقالها من كل ماهو صادمٌ ومزعجٌ للصفوة الخرطومية.
ومن خلال تجربتي المتواضعة فهناك اسلوب بسيط وممكن العمل به، افتحوا منابر ليتحدث عبرها المهمشين وتحلوا بسعة الصدر لسماع الحقائق والافكار.
لن تستطيعوا الوصول لدارفور وجبال النوبة والنيل الازرق لتشاركوا اهلها مأساتهم بسبب قيود النظام، ولكنكم تستطيعون اقامة جسور التواصل مع الملايين منهم موجودين علي بعد امتار منكم في الخرطوم وبقية المدن والقري بالوسط والشرق.
اجلسوا اليهم واكسبوا ثقتهم، سيخرج كل واحد منكم بقصة وثقافة جديده يمكن عكسها عبر وسائل الاعلام الجديد والمنابر والمنتديات بكل بساطة. وعندما يجد الانسان المظلوم نفسه موضع اهتمام وقضيته يتحدث بها آخرون سيكون بلاشك في وضع نفسي افضل يُتيح له النظر للازمة بعمقٍ اكبر. والبدايات قد لاتكون سهلة ولكن اصحاب العزائم يصلون لمبتغاهم في نهاية المطاف.
قبل ايام كنت اتحدث مع دارفوري صاحب متجر صغير عن دارفور والمستقبل. وبطريقة الاستهبال والهروب من الحقائق التي انتشرت وتحولت لموضة في عهد الانقاذ عند فئة واسعه من المجتمع، بدأ صاحبي يعزف لي ويُسمعني اسطوانة الاعلام الحكومي المشروخه : عن ان السلام والاستقراراقترب من دارفور !!.
رددت عليه بتكتيك وطريقة الصدمه وتحديته ان السلام لن ياتي حتي ولو وقع كل قادة الحركات علي اتفاقية للسلام، لان الامر اصبح يتعلق بانهار من الدماء تحتاج لمصالحات ولابد من العدالة والقصاص وحيادية الدوله والميزانيات .. الخ، وهذا غير متوفر حالياً.
بعد دقائق كان صاحبي قد غير مضمون حديثه بالكامل، وأصبح يروي ويحكي الفظائع التي تم ارتكابها ضدهم وانهم لن ينسوها، وكان في اشد الغضب والحزن وهو يروي قصة بقر بطن حامل والقاء وليدها في الماء الساخن في أحد مناطقهم بواسطة الجنجويد.
لم اكن سعيداً بالطبع للقصص التي رواها صاحبي ولاثارة ذاكرته بهذا القبح، ولكن علي كل حال نشأت بيننا علاقة انسانية اعمق من علاقة البائع والمشتري، وقد يكون الضحية احيانا كما يعرف المختصون في حوجةٍ فقط لمن يستمع اليه لااكثر!!.
ضيع المجتمع المدني والمعارضون فرصة هامش الحريات الذي اتاحته اتفاقية نيفاشا لستة سنوات، كان يمكن خلالها مد جسور التواصل مع الملايين من اهل الهامش الموجودين في وسط السودان، ولكن لايزال بالامكان فعل اشياء.
ليس من المستحيل نقل الانشطة الفردية والجماعية لاطراف المدن وهوامشها وخلق قنوات تواصل، وسيؤدي ذلك لتخفيف حالة الاحتقان وخلق ذاكرة جديدة وعلاقات مشتركة.
علينا أن نجتهد لتاسيس وسائل اعلام حرة بما هو متاح من أمكانيات، لتكون وسيلة لايصال صوت المهمشين والمظلومين ولغاتهم وثقافاتهم وتاريخهم.
فعندما لايجدُّ الانسان ذاته في المكان الذي يُفترض فيه انه وطنه، ويُمسي ويُصبح علي اعلامٍ لايرد ضمن نشراته واخباره الا كمجرم، وفي اوضاع يتم عكسه خلالها كانسان من طبقة وظيفتها الانتاج لمصلحة الساده "الاستهلاكيين"، سيتجه بلاشك للدفاع عن ذاته وتاريخه بالسلاح والمقاومة ومعها الكراهية او سيضطر للانزواء والشعور بالدونية، وللحالتين نتائجهم الكارثية.
وكثيرون بالطبع اكثرُ مني خبرة ومقدرة علي خلق وولادة الافكار وانا ارمي فقط حجراً في البركة، ولكني الفتُّ النظر أنني اعني اصحاب الضمير الانساني باقتراحاتي ليسود الحوار والسلام بين الشعوب السودانية، ولكني لم أنسي اهم مطلب للسلام : محاكمة المجرمين !.
يتبع


4
زادتني تجربة الخامس من ابريل مابعد تشييع الشهيد / عبدالحكيم عبدالله موسي قناعةً ان ازمتنا تكمن في غياب الفرصة للحوار والتعارف، وانه لاحل سوي اخراج ماهو حبيس الصدور والاستماع الجيد لبعضنا البعض؛ خصوصاً من طرف من تعودوا دائماً علي الارسال ولم يتعودوا ابداً ان يكونوا مستمعين !!.
وفي زمان وبئية الطغيان الانقاذي وسيادة الفقر، والامية، وانسداد افق الحوار، والتطرف تتنامي افكار العنصرية وممارساتها ضد اهل الهامش العريض.
ومن المتوقع والمفهوم في ظل هذا الوضع ان يمضي الضحايا في طريق العزلة والانزواء، او يفكروا في مواجهة العنصرية "بعنصرية مضادة".
ولكن هل كل هذا مفيد في نهاية المطاف لكل الاطراف : للضحايا، ولحاملي السلاح، وللعنصريين وحتي للاغلبية الصامته في كل السودان ؟.
ما اود توضيحه هنا ان الجميع خاسرون في حروب الكراهية، وليس امام كل الاطراف سوي الحوار والتعايش، والافضل ان يكون ذلك الآن قبل ان ننجرف في موجة حرب أعنف تقضي علي ماتبقي من الارواح والاخضر واليابس.
العنصريون في المركز، ومن يردون بعنصرية مضادة في الهامش، او من يفكرون في الانفصال : يحتاج ثلاثتهم للتفكير العميق في مواقفهم ومستقبلهم ومستقبل السودان، قبل أن يمضوا في طريقهم.
ليست العنصرية والكراهية بدعةً سودانية ولكنها سلوك موجود في البشرية منذ القدم، ويمكن لمعتنقيها بهذا الفهم التراجع عنها في اي لحظةٍ اذا ارادوا بناءً علي تغيير قناعاتهم او طريقة تفكيرهم.
ومن حيث المبدا الافضل ان نحب بعضنا بعضاً كرفقاء واخوة في الانسانية وشركاء في الوطن، ولكن اذا تعذر ذلك فلتكن لغة المصالح والواقعية هي سيدة الموقف.
وبحسابات لغة المصالح هذه وبعيداً عن الاخلاقيات آتساءل : هل هناك مستفيد من الكراهية وتقسيم ماتبقي من السودان؟.
*يعتقد العنصريون الذين يستمدون قوتهم من النظام ان السودان دولة عرق عربي، ويسعون للتخلص ممن يرونهم افارقة وتحويلهم لمواطنين من الدرجة الثانية وربما العاشرة، او علي احسن الفروض طمس هويتهم وضمهم لتابعية المركز العربي.
واذا سلمنا بوجهة النظر التي تتبني تقسيم السودانيين لافارقة وعرب علي بؤسها ومخالفتها للحقائق التاريخية والعلمية، فالحقيقة التي يقفز عليها هؤلاء هي ان السودان دولة اغلبية افريقية عرقياً، يتبني جزاءً مقدراً منهم الثقافة العربية المرتبطة بالاسلام.
يدخل العنصريون انفسهم في مغالطة مع الواقع عندما يعتقدون ان العنصر العربي يشكل اغلبية، يكفي لانهي هذا النقاش ان اذكر ان نسبة قبيلتي الفلاته والهوسا الافريقتين تساوي في احصاءات مانسبته 10 % من عدد السكان وربما اكثر (واوردتهم هنا كنموذج، لانه في الكثير من الاحيان لايتم ادراجهم في خارطة الصراعات الاجتماعية الماثلة الآن رغم ثقلهم العددي) ناهيك عن النوبة والدارفوريون والفونج وغيرهم، بجانب البجا ونوبة الشمال الذين اصبحوا اكثر تمسكاً بتاريخهم الآن في مواجهة الهجمة علي ثقافاتهم.
يكفي العرب في السودان ان لغتهم وثقافتهم هي المسيطرة، وهي لغة التواصل لمن اراد وحتي لمن أبي، وأن قطاعا واسعا من غير العرب يتبني هذه الثقافة طواعية وبحب وعاطفة لهذه الثقافة المرتبطة عنده بدينه.
وعندما تكون انت صاحب الثقافة واللغة المسيطرة فلعبة الصراع محسومة لصالحك حتي ولو تم من بعد تغييبك عن السلطة، وشواهد التاريخ القديم والحديث تُثبت ذلك.
اقصد بحديثي هذا ان العروبة كثقافة ومفهوم ليست في خطر وجذورها راسخة ولن يصيبها شئ، ولكن ادعيائها هُم من في خطر حقيقي اذا لم يقدموا تنازلات ويعترفوا بالآخر صاحب التاريخ والارض والاغلبية العددية؛ واخيهم في الانسانية قبل ذلك.
كما ان الازمة السودانية تحولت مفاتيح التاثير فيها منذ سنين للمجتمع الغربي والدولي ولم يعد السودان حكومةً وشعباً (للاسف) اسياد انفسهم كما كان يغني المغنون، وفي حالة ادارة الصراع بمفهوم عرب ـ افارقة فسينحاز المجتمع الدولي بثقله للاغلبية الافريقية وسيجد من يتبني نظرة الاقصاء العروبي نفسه وحيداً في مواجهة عالم مدجج بكل مقومات القوة، مع الاشارة لخروج مصر والعالم العربي من اللعبة الدوليه وتخليهم عن السودان.
ولابد من التذكير بحجم الخسارة التي لحقت بالمركز العروبي بعد تبنيه للخط العنصري والقبلي الصارخ في السنين الاخيرة، حيث استيقظت كل مكونات الهامش واطراف السودان تُطالب بحقها ولم تعد ترضي بحكم الخرطوم، بعد ان كانت في سُبات لاتأبه لهوية من يحكمها ويُسيطر علي مواردها.
كان المركز واحزابه يرسلون حكاماً وموظفين وحتي نواباً !! لكل اقاليم السودان فيتم قبولهم والتعاون معهم باريحية في الكرمك او نيالا اوكسلا وغيرها.
والآن لايقبل حتي منسوبي وقيادات حزب المؤتمر الوطني ان يحكمهم اي شخص من خارج منطقتهم، وكل يوم تضيقُ المساحات علي المركز ويخسر اراضٍ جديدة، واذا استمر هذا الوضع فقد يتم حصر المركز واهله في مساحات جغرافية ضيقة اغلبها صحراء قاحلة.
كان يجب ان يكون الاستقبال الجماهيري التاريخي للدكتور جون قرنق في التاسع من يوليو 2005م محطةً لتصحيح مسار التاريخ المظلم لدولة المركز العروبية واستغلال اجواء المصالحة وقتها، فقد اوضح الاستقبال بجلاء ان المشروع العروبي والاسلامي في جهة واغلبية السودانيين في جهةٍ اخري.
ولكن بدلاً من ذلك تم التعامل مع المناسبة بطريقة مختلفة تماما بولادة تيار يتبني لاول مرة في تاريخ السودان الحديث مفاهيم العنصرية بشكل رسمي، وعبر آلة اعلامية ودعائية يقودها وزير سابق وشخص مقرب من الرئيس نفسه ومن أسرته.
واذا كانت المؤامرات الاقليمية والدولية قد انهت حياة د.قرنق وانتصر العنصريون في الخرطوم مؤقتاً، فالاحداث بدات تكشف ان ذلك لم يكن من مصلحة السودان، والنتيجة كانت تمدد تيار "العنصرية المضادة" و "الانفصاليين" ومشروع تفكيك السودان وصوملته.
لو كانت هناك مراكز ابحاث مستقلة وعاقلون في تركيبة الحكم في الخرطوم لتوصلوا بكل سهولة الي ان قتل داود يحي بولاد في العام 1993م وقمع اهالي وشباب دارفور لم يؤدي الا الي اندلاع النزاع بصورة اوسع واكبر في العام 2003م.
وأن الفرح لرحيل د.قرنق لم يستمر طويلاً مع انفصال الجنوب الذي يُعطي الشرعية لانفصالات اخري (ماالذي يجعل انفصال الجنوب مشروعاً ويُحرمه علي شرق السودان مثلاً ؟).
وأن د.خليل الذي قتلته طائرات ورصاصات الاجندة الدولية المشبوهة وخرجت المسيرات الحكومية تُهلل لمقتله لم يدرس من فرحوا الحادثة بكل ابعادها.
وسيتضح فيما بعد أن د.خليل افضل لها الف مرة من جحافل المتمردين التي ستاتي للخرطوم من كل جهةٍ، وليس هناك ضمان لدخولها او خروجها بنفس طريقة دخول د.خليل وجنوده لامدرمان القريبة من المثالية في تاريخ الجيوش واستلائها علي المدن (ضعوا في بالكم انه جيش من المحرومين واصحاب المرارات وضحايا او وليدي ثقافة العنف، وجياعٌ وعطشي لايام في الصحراء.. الخ).
*اما الذين يردون من اهل الهامش بعنصرية مضادة ويُفكر بعضهم في الانفصال، فانا كما قلت لا الومهم رغم اختلافي مع النهج، ولكني ادعوهم للامساك بورقة وقلم ووضع خريطة السودان امامهم ليتأملوا حال اوطانهم ودولهم الجديدة التي يطمحون لتاسيسها.
تتواجد اعداد تقدر بالملايين من الدارفوريين والنوبه في ولايات الجزيرة، الشرق، الخرطوم وعدد آخر من الولايات. والملاحظ ان هناك فاصلاً ومساحة جغرافية واسعه بين مناطق الجذور الدارفورية والنوبية غرباً وجنوباً، ومابين مناطق الكثافة الحاليه في الجزيرة والخرطوم والقضارف مثلاً.
وفي المساحة بين مناطق الجذور والانتشار الحالي يوجد المركز ومكوناته الاجتماعية بقوة، اي ان الهامش مقسم جغرافيا وتفصله كتلة المركز لاقسام وجيوب.
وفي المساحات والجيوب المتباعدة التي خلفتها الهجرات الكبيرة، تتواجد مجموعات تتحدث العربيه وذات ثقل وتاريخ في دارفور وجبال النوبة يمكن ان تلعب دور النائب عن المركز، وتنقل الحرب لمناطق الهامش نفسها كما يحدث الآن في دارفور؛ وفي جنوب كردفان بشكل جزئي.
لن يكون انفصالاً سلساً هذه المرة - كما انفصل الجنوب الذي تعزله الجغرافيا تماما عن الشمال- بل حرباً ضروساً لاتُبقي ولاتذر بين اهل الهامش والمركز، او كارثة بشرية يضطر خلالها الملايين للعودة لدولهم الجديدة، والعودة ستكون تأثيراتها اكبر بكثير علي كل الاطراف من عودة الجنوبيين لوطنهم التي تمت وتتم خلال السنين السابقه.
وستؤدي اي هجرة كبيرة لانهيار الاقتصاد بالكامل في كل انحاء السودان حيث اغلبية المزارعين والعمال من الهامش، كما لن تستطيع الاوطان الجديدة الخارجة من مستنقعات الحروب الطويلة وسنوات الجفاف ودمار البئية من استقبال العائدين، وهي اساسا التي يعيش اهلها علي اقتصاديات بسيطة ومعونات ومساعدات.
التجارب ايضا اثبتت ان المراكز التي حكمت بلدانها لسنين طويلة تقاوم بشراسه للتمسك بالسلطه، وحتي في حالة هزيمتها تحتفظ بما لها من خبرات نوعية بادوات وآليات قوة تستطيع نشر الفوضي وحالة عدم الاستقرار.
ومن النماذج الحية لذلك الاقلية العربية السنية التي ظلت تحكم الاغلبية الشيعية بالعراق لسنين طويلة واستطاعت حتي بعد انهيار حكمها نشر حالة عدم الاستقرار في العراق. وفي جارتها سوريا الوضع معكوس حيث الاقلية الشيعية تحكم الاغلبية السنية وماتزال تقاوم بشراسة رغم الدعم والقوة للثوار الساعين لاسقاطها.
وللمركز نقطة قوة اضافية وهو تماسك افراده ثقافيا، حيث تراكمت ثقافته العروبية ـ الاسلاموية علي مر سنين طويلة، وهو مايتيح له المقدرة علي استقطاب الكثيرون حتي من خارجه وحفظ تماسك مجموعته التي تجد ثقافتها حاضرة في مناهج التعليم، والمساجد، واجهزة الاعلام، ومؤسسات الدوله، علي العكس من حالة التباعد بين ثقافات ولغات الهامش المتناثرة والتي لم تجد رعاية واهتماما يحولها لثقافات مسيطرة وذات تاثير.
واضيف لذلك عدم وضوح رؤية المجتمع الدولي صاحب التاثير الكبير في الشان السوداني، حيث هناك مؤشرات عملية علي انه لايسعي بجدية لاسقاط النظام بشكل جذري ويرتب لتغيير هادئ تتواصل خلاله استمرارية دولة المركز، مع تعديلات في الوجوه الحاكمة، وتغيير طفيف في تركيبة الحكم، واعطاء بعض الاقاليم الحكم الذاتي.
وفي ظل حالة التوازن هذه وامتلاك كل طرف لمقومات قوة وبقاء فستكون كلفة الحرب الشامله وتفكيك السودان باهظة، وليس أمام الجميع اذا كانوا يعرفون قواعد اللعبة السياسية من حل سوي الجلوس للحوار والمصالحه، مصالحة الشعوب اجتماعيا التي تمضي بالتوازي مع مصالحة السياسيين.
والآن يقف السودانيون في نقطة دقيقه وحرجة، مابين العبور او السقوط. وصلت كل الاطراف لقناعة أنه لابد من تغيير جذري هذه المرة، اما دولة الحرية والعدل والمساواة او الانهيار والتفكيك.
لقد أنهكت الكراهية والحرب السودانيون ودفعوا ثمنها غالياً، وحانت الآن اللحظة ليتحابوا ويودعوا سنين البؤس، او يصبح وطنهم ذكري من التاريخ.
من حق كل مظلوم وسياسي حمل السلاح كوسيلة لحل الازمة والدفاع عن نفسه، ولكني اعتقد اننا نحتاجُ "لمسيح جديد" يُعيد للسودانيين انسانيتهم ويخرجهم من عوالم البغضاء والكراهية لينشر بينهم قيم المحبة والتسامح.
"غاندي" جديد ينشر بين الناس دعوة السلام والمحبة، ويخاطب قلوبهم وينير لهم الطريق، ومن بعد ستصيب الجميع الدهشة والندم عندما يكتشفوا ان مساحة السودان وموارده لايكفي لاستغلالها 40 مليون نسمة، وإنما تحتاج لثلاثمائة مليون نسمة آخرين !!.
وحتي تلك اللحظة هذه دعوتي صادقة لتتذكروا شهدائكم من المدنيين العزل الذين لم يحملوا السلاح وحصدتهم حروب الكراهية، من حقهم علينا أن نتذكرهم، فقط مجرد الذكري.
في عالم اليوم من السهل ان تنشئ موقعا الكترونيا، ثم يقوم كل صاحب ضمير بالاجتهاد والتوثيق لمن يعرفهم من الضحايا ونشر صورهم التذكارية.
من العار علينا ان نقول ان ضحايا الحروب الاهلية في السودان منذ العام 1955م بالملايين، ولانجد في اي مرجع او موقع واحد اسماء الف فقط منهم لنحفظ ذكراهم !!.
هذا ولكم محبتي واحترامي
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 796

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صالح عمار
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة