المقالات
السياسة
المسكنات المغشوشة تحطم مناعة الاقتصاد السوداني
المسكنات المغشوشة تحطم مناعة الاقتصاد السوداني
06-06-2013 01:51 PM



تؤكد المؤشرات المرئية وصول الاقتصاد إلى حالة غير مسبوقة من الدمار البنيوي والهيكلي أدت إلى انكماشه بمعدل 4.4% حسب أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي. والثابت أن الوضع المأساوي الذي وصل إليه حال بلد كان ينتظر منه أن يكون سلة غذاء العالم جاء نتيجة السياسات الحكومية التي اعتمدت على استخدام مسكنات مغشوشة لم تفعل شيء سوى تحطيم مناعة الاقتصاد السوداني المحتضر. وولد البرنامج الثلاثي للإنقاذ ميتاً قبل أن يخرج إلى الملأ فقد افتقر تماماً لأية مقومات أو أفكار تدفع في اتجاه إصلاح الاقتصاد الحقيقي واعتمد على رؤى أقل ما يقال عنها أنها ضعيفة ووهمية.
وتبرز ملامح ضعف البرنامج الثلاثي من خلال لأداء الضعيف للربع الأول من العام الحالي والذي قدم عنه وزير المالية قراءة مرتجفة لاقت التصفيق داخل البرلمان والاستهجان من الشارع السوداني المغلوب على أمره. وبحثت عن أي إنجاز يعطي وزير المالية ميزة إيجابية واحدة تأخذ طريقها إلى دفتر الأحداث الملئ بالإخفاقات والأخطاء المليونية التي ارتكبتها حكومة الإنقاذ في حق الاقتصاد السوداني ولم أجد. وافتقد تقرير وزير المالية للموضوعية وانجرف نحو تبرير الإخفاقات، ولا اعتقد أن الوزير كان يعرف مدلولات حديثه عندما تحدث عن مجال الاستثمارات الحكومية مؤكداً استمرار الدولة في خصخصة مرافق القطاع العام ومواصلة التخلص من الشركات المملوكة للوحدات الحكومية. وهنا يبرز السؤال المهم هل الاستثمار الحكومي هو بيع مؤسسات الدولة المبنية من عرق الشعب السوداني ومن ديون تجر أبناء أبناؤنا إلى هاوية غير معلومة النهاية. ويعرف الجميع بمن فيهم الوزير نفسه ومن كانوا يصفقون له في البرلمان أن بيع المؤسسات الحكومية هو أمر يراد به توفير تمويل آني لبنود الصرف البذحي على أجهزة الحكومة العليا وحزب المؤتمر الوطني – أول لنكون أكثر مصداقية للصرف على مؤسسات حزب المؤتمر الوطني الذي أصبح هو الدولة والحكومة وكل شيء في ظل فلسفة جديدة حق لها أن تدرس في علوم السياسة، فعندما يختلط حابل الحزب بنابل الدولة نقول على الشعب المطحون السلام.
وأشار الوزير في تقريره إلى أن الأداء في اربع الأول اعتمد على المصادر الذاتية والتي شملت الايرادات غير البترولية لتمويل الموازنة، وهذا أمر يفوق في حصافته وذكائه ذكاء حكومة البشير التي تصدق أفلامها الكوميدية اليومية. ونتساءل هنا كيف لدولة راسخة مثل السودان عرفت الزراعة والحرف في العصر الحجري وأسست أولى الحضارات البشرية تأتي لتتحدث عن بدائل لإيرادات البترول التي عرفناها في العام 1999 فقط. هذه الإيرادات يجب أن ينظر إليها باعتبارها شيء تكميلي أو نزهة عابرة وهي بالفعل كانت كذلك لأن جلها الأكبر أرصدة في الخارج وبنايات اسمنتية في الداخل لأصحاب الحظوة أما بالنسبة لعامة الشعب فقد كانت وبالاً لأنها زادت من معدلات التضخم والهوة الطبقية واعطته الفقر والجوع والمرض. لم أرى في تقرير الوزير أية ملامح جهد عن إصلاح الدمار الهائل الذي أحدثته الإنقاذ في القطاع الزراعي أو أي حديث عن مشروعات صناعية أو خدمية بعينها. كل ما احتواه تقرير الوزير هو تحقيق الايرادات الضريبية 116%. نعم إنه خير نجاح حق أريد به باطل فالشعب المحاصر بالسيوف يجد نفسه مرغماً على دفع كل إنتاجه ضريبة تذهب بقوة واقتدار لتصب من جديد في خزائن الحزب الحاكم ولا يجد مليماً منها طريقه إلى المستشفيات المنهكة التي تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة أو إلى الطرق مغشوشة المواصفات التي تحصد أرواح العشرات منا يومياً أو إلى مؤسسات التعليم المليئة بكل ألوان الطيف من الزل والهوان. كيف لنا أن نتحدث عن نجاح ضريبي بنسبة 116% وبيئتنا مليئة بالأمراض والآفات وشوارعنا مهدمة ومعلمونا يقتاوتون الفتات وعاصمتنا في زيل مؤشر المدن العالمية الصالحة للعيش.
تحدث تقرير الوزير عن مواصلة الجهود لخفض الواردات غير الأساسية لتقليل لضغط على العملات الحرة والالتزام بسد الفجوة في السلع الاستهلاكية الاستراتيجية ومقابلة النقص في المحروقات نتيجة للظروف التي احاطت بقطاع البترول .نعم يحق لوزير المالية أن يقول ذلك لأن الدولة أوجدت من الوسائل ما جعل السودان يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع. قبل أن تفصل الحكومة البلد عن الواردات الاستهلاكية وغير الاستهلاكية عليها إحياء ما دمرته من مؤسسات إنتاج وعليها أن توقف بيع مصانع الشعب وأن تعزز الإنتاج المحلي وتحبب فيه الناس بدلاً من فرض الجبايات والأتاوات التي انتهت بآلاف المزارعين والمنتجين في الريف إلى بائعوا مياه ومناديل ورقية في شوارع الخرطوم.
وكان المناسب لهذا البرمان الصوري قبل أن يستمع إلى اسطوانة وزير المالية المكررة أن يبحث في ملفات الفساد وإعادة حقوق الشعب المنهوبة وأن يسأل الوزير عن القروض التي يبدأ قلمه بالتوقيع عليها كل صباح وبشروط مجحفة ودون حسيب أو رقيب أو جهاز تشريعي يوافق عليها لكن برلماننا لن يفعل لأنه باختصار جزء من منظومة الحزب المتسلط على خيرات البلد والراهن شعبه لتحقيق إيرادته هو لا غيره.
بهذه الفلسفة التي أتى بها وزير المالية سيظل الاقتصاد السوداني أسير المسكنات وسيظل الشعب يعاني الأمرين وستتواصل مسيرة بيع مقدرات الشعب وسيستمر الدمار والخراب الذي تزداد قوته يوماً بعد الآخر.

kamal@albayan.ae


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 699

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#689511 [radona]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2013 06:41 PM
بالله اتامل .. تقوم الحكومة بزياده سعر المحروقات وضريبة القيمة المضافة ..
يخرج اليكم احدهم بعبقرية مراكزالبيع المخفض وتخفيف اعباء المعيشة .. ومن هذا الباب وتحت غطاء حكومي تقوم الحكومة بممارسة التجارة في الاسواق والشوارع ... وفي ذات الوقت تغمض الحكومة عينها من دورها الاساسي بقرض الرقابة على الاسعار بالاسواق .. يعني شركة وافتسام الحكومة تاخذ ماتريد والمستوردين ياخذوا مايريدون وكل ذلك من جيب المواطن المسكين .. حكومة لها صيدليات ولها فنادق ولها مصانع ولها اسواق عشوائية .. اليك المحليات هي تصدق بالعرض الخارجي والفريشة وتاتي هي لتحاربهم باسم تنظيم الاسواق .. ثم تجبي اموالهم وتعود في العام الفادم هكذا .. توسيع الماعون وكده ..


كمال عبدالرحمن مختار
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة