المقالات
منوعات
بدع الزمان في بكى النسوان
بدع الزمان في بكى النسوان
06-06-2013 08:14 PM


عم الصمت الثقيل وعلت الوجوه الكآبة بينما إنهمك أهل الدار من النساء في حركة ماكوكية سريعة وصامتة كخلية نحل فالفتيات منشغلات في همة ما بين الكنس والمسح وتنظيم البيت وشد الملايات بينما انشغلت النساء في (النكتي) واخراج حلل القيزان والصواني والطشاتا الجديدة من مخزن العدة، تسلل صوت نشيج مكتوم من صغيرة البيت وحبيبة جِدها (نورا) وسرعان ما تحول نشيجها لبكاء (حُرقة)، أخرجت أمها رأسها من باب المخزن وانتهرتها بصرامة شديدة:
لا يابت .. إنكتمي .. وقفلي خشمك ده!!
لاذت الصبية بالصمت من صرامة النهي وتحول بكائها لنهنهة متشنجة تلاحقت معها أنفاسها حتى ضاق صدرها بها بينما عاودت الخلية نشاطها في صمت.
توجه رب البيت (سالم) لدكان الحي وبينما كان ينزل له صاحب الدكان صابون (الفنيك) من أعلى الرف أسر له )سالم( بخبر وفاة والده في البيت ثم حمل الصابون وقفل عائدا.
أذاع سيد الدكان خبر الوفاة بسرعة البرق وتناقلته نسوة الحي فتهيئن وتجمعن في انتظار التوجة لبيت البكا ما أن ينطلق صوت (الثكلي) معلنا بداية العزاء، بينما ترددت بينهن شمارات (النبيشة) في أهل بيت الميت، تسائلت أحدى القادمات من بعيد في همس:
لسة ما طلقوا البكا.
أجابتها النسوة المجتمعات في بيت مجاور:
لسة ..
تسائلت في حيرة:
لمتين ليهم .. الراجل ده ما قالوا ميت من العصر؟
قالت إحداهن في (شناف):
تقولي شنو في خمالة النسوان .. الراجل ده قالوا ليك مصنقع من أمبارح للموت .. مالم ما سترن حالن من بدري ؟!!
وداخل بيت البكا، تلقت عمات نورا (بنات المرحوم) من أمها وشقيقاتها إشارة الإنتهاء من الترتيبات كما بلّغهن )سالم( بإتمامه ( حمّام خراج الروح ) لجثمان والده، تجمعن في منتصف الحوش وتحزمن بالتياب ولففنها حول خصورهن جيدا ومع بعض الحمحمة والنحنحة إنطلق صوت الثكلي:
وروروروك .. الليلة ياآآآ حليلو كبيرنا!!!!
هذا المشهد ليس جزءا من مسرحية أو مسلسل (كحيان) ولكنه واقع عايشته في محيط علاقاتي الإجتماعية .. رأيته (بعيوني البياكلا الدود) وسمعتو بي إضني ما جابوهو لي، فلقد ظلت تحيرني وتحملني لمساحات الدهشة و(فتح الخشم) إستغرابا، مقدرة النساء العجيبة على التحكم في عواطفهن وإلجامها بلجام العادات والتقاليد ، فرغم يقيني من صدق مشاعرهن وأحساسهن بفداحة المصاب، إلا أنهن قادرات على التحكم في مواعيد البدأ في التنفيس عن هذا الحزن.
رأيت مشهد طريف في بيت عزاء عندما توفت شابة من الحي فجأة في حادث مؤسف، فلقد دخلت للبيت بنت خالة المتوفاة، والغريب أنها كانت سيدة محجبة (وشكلها كده مرة عاقلة)، إلا أنها دخلت من الباب في صمت ووضعت حقائبها على الأرض واوصت إبنتها الصبية بمراقبة إخوتها الصغار والعناية بهم جيدا ثم انزلت الثوب من على رأسها ولفته بإحكام حول خصرها و(تحزّمت)، ثم رفعت يديها للسماء ودعت بصوت عالي:
ياربي تغفر لي في الماشة اسويهو!!
إنحنت الي الارض و(خمشت) كومة من التراب أهالتها على رأسها ثم رفعت يديها أعلى رأسها وبدأت في (الشلوحة) بهن وهي تولول بإخلاص.
كذلك كنت قد ذهبت في مرة مع أسرتي للعزاء في أحد المعارف فجلسنا وجموع المعزيات مصلوبين في صمت لأن زوجة المتوفي قد إرتأت أن لا (تفتح البكا) ولا يُشيع الجثمان إلا بعد قدوم (كتيرتها) أهلها وعِزوتها من البلد، وبعد مرور الساعة والاثنين دون وصولهم ما كان من الرجال سريعين (النهمة) وبعد أخذ الإذن من إبن المرحوم، إلا أن جهزوا الجثمان في (الديوان) وحملوه دون مشورتها أو علمها وخرجوا به، بينما كانت تجلس في الداخل (متمحّنة) وخاتا الخمسة في الاتنين!!!


[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2958

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#690009 [ودرجب]
1.00/5 (1 صوت)

06-07-2013 02:19 PM
اللة يحفظك وتقدر تعكسي حال الواقع الاجتماعي في بلدنا كمان وكمان-وطلعتى تربية حبوبات


#689857 [ابوعاصم]
3.00/5 (2 صوت)

06-07-2013 10:56 AM
تحياتى منى سلمان ياأصيلة........إنت السودان الجميل ...إنت السودان ،متعك الله بالصحة والعافية.


#689699 [ahmmed]
1.00/5 (1 صوت)

06-07-2013 01:22 AM
صورتك صادقة،لكن الانا متاكد منها طب كضب السودانيين،علي بالطلاق البموت يفقد رقبتو ويحزن عليه قلة اقل من قليلة في دائرة ضيقة من ذوي الحس الرهيف،الرجال فارغيين مناسبة ونسة وقطيعة وسفسفة وديك ياقهاوي وشايات،والنسوان فشخرة وتطقم وتمسح وكضب،ما رايت في بكا السودان الا سيركا ومسرحا للاكاذيب كبير،ليس هناك من حزن،وسط كل هذه الماكلة والفارغة لا اري من يمسح علي ابناء المتوفي الصغار روؤسهم،يتعهدهم بالرعاية يحنو عليهم ويحرص علي ان يعرف الي ماذا يصيرون.
لا جلال للموت عندنا،لا حزن واسي حقيقي يحفان ظله،كلها تمثيلية سمجة يشارك فيها الجميع.
حين موتي اتمني ان لا يتبعني الا ظل غيم يبرد قبري،وانفاس رحمن تراف بي،وليتوكل كل امرئ علي بيته،فهم حين يجتمعون في احتفالات موتي يحرصون علي ان يذكروا ملك الحساب بظنونهم في،ويشددوا عليه ان يراجع دفتر السيئات جيدا،والتي ابدا لا يعرفها ان وجدت الا الرحيم،والذي بفضله نساله الرحمة وحسن الماب.


#689673 [التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائه]
3.00/5 (2 صوت)

06-06-2013 11:55 PM
فرح مصطنع وعزاء مصطنع وضحك بالرى الصناعى ..
ياحليل زمن السكله والسكاليب وزمن البكاء من جوه الجوه ..
زمن النسوان بتمرق مع الجثمان مسافه وترجع ..
زمن البنات البعملن الشاى ..
زمن الديوان والاهتمام بالضيوف المعزيه الباكيه ..
يعزى المعزى ويمضى لشأنه (الزال مكسوره )
ويبقى المعزى فى احر من الجمر ( الزال فاتحه )
شكرا ام اسامه والعزاء موصول لاهل السودان فى السودان بسبب الكيزان


#689654 [ابو مازن]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2013 11:13 PM
ده واقع العادات التي تتحكم في حياة مجتمعنا ، على كافة المستويات يستوي في ذلك المتعلمين وغير المتعلمين....
نتمنى ان تندثر مثل هذه العادات ...


#689653 [Sear]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2013 11:13 PM
كنت أتوقع الموضوع عن دموع تابيتا


#689633 [اماني شاخيتو]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2013 09:55 PM
يا بت سلمان تاني بقولها ليك انت حكاااااااااااااية وذاكرتك غيغاتها كتااااااااااااااار وحسب حكاويك انك من سكان الثورة وحاااااااااااااااااضرة الانتفاضة وشفتي بعيونك البياكلن الدود نسوان الثورة ودورهن في نجاح الانتفاضة يا ريت تكتبي في يوميات الانتفاضة عشان جيلنا الما شافها يسمع بيها ويقراها بي عيونه البياكلن الدود لانو حكاويك دي لبن بعد العشاء ونحن الفطور ما لاقنو ان راجياك


مني سلمان
مني سلمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة