المقالات
السياسة
عبث السياسة والأحلام المزورة
عبث السياسة والأحلام المزورة
06-08-2013 08:56 PM

المجتمع السوداني شأنه شأن المجتمع المسلم، كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، يتقاسم حالات الحزن والألم بذات تقاسم الفرح وهي سمات تقتضيها الأخوة والتضامن الاجتماعي وشد البنيان الإسلامي، والعالم كله شهد لأهل السودان مواقف نبيلة عبر التاريخ في التضامن واستقباله لهجرات الشعوب من الدول المجاورة التي وفدت إليهم واحتضنوها بقلوب مطمئنة في غرب السودان وشرقه وجنوبه وحمل أهل السودان أثقالاً مع أثقالهم وتحملوا كل أعباء الهجرة بسبب الحرب في إثيوبيا وإريتريا وكذلك تشاد في تضامن شعبي ورسمي بصدور وقلوب منشرحة، سقت كل هذه التقدمة لأقول شكراً لكل أهل السودان الذين تضامنوا مع أهلهم في أبو كرشولا إثر المحنة التي وقعت عليهم جراء الاعتداء الغاشم الذي تعرضوا له من قوات التمرد التي أساءت في حق الغلابى والمساكين في تلك الفيافي والوديان!.
والعالم كله تابع كيف اصطف أهل السودان بكل ولاياتهم وحكوماتهم ومجالسهم النيابية في ميدان نصرة أبو كرشولا وإيواء المتضررين، وكيف أن أهل شمال كردفان قد اضطلعوا بمسؤولياتهم تجاه اخوانهم في جنوب كردفان محققين شعار مجتمع الخير والفضيلة بتفاعل أحرج الذين ارتكبوا الجرائم وأخرس ألسنتهم الى الأبد، وعلموا أن أهل السودان بكل تياراتهم الفكرية وأحزابهم السياسية ما عدا «المخمورين سياسياً» قد أدركوا أن الطريق إلى كرسي السلطة لا يمر عبر أبوكرشولا وأشلاء المساكين الذين ذبحتهم سكين التمرد بدم بارد هناك، وأن شعارات الديمقراطية والحرية والتنمية ما هي إلا ذريعة لتحقيق أجندة سياسية وعقدية متقاطعة تماماً مع موروث وبنية المجتمع السوداني النبيل!
انعطاف الشعب وشراكته مع القوات المسلحة ووحدة الصف خلف القضايا الوطنية كانت من أبرز المكاسب والأرباح التي حققتها محنة أبو كرشولا، لكن بالمقابل هي ذاتها تدعو كل التشكيلات السياسية في الحكومة والمعارضة بشقيها المدني والمسلح الى التعقل وقراءة وبحث الطرق الكفيلة التي تمنح أصحاب الكفاءة الفرص المتكافئة والمتعادلة في الحكم والإدارة بشرط اتخاذ التأهيل والكفاءة آلية للمنافسة وليس القبيلة ولا الجهة ولا الحركة المتمردة، كل هذه معايير لا يمكن وضعها في معادلة المشاركة أو عناصر الاختيار!!
المتمردون اتحدوا على إشباع حاجاتهم في التخريب وفشلوا في إسماع صوتهم حول قضيتهم حتى ولو افترضنا جدلاً أن بعضاً من أجزائها وتفاصيلها موضوعية لكن الممارسات الطائشة كانت أكثر ضرراً وتأثيراً على المواطن نفسه قبل الحكومات والممتلكات العامة، ولن تؤثر في يوم من الأيام على مراكز صناعة القرار ولا حتى تقاليد الحكم والإدارة التي تصادق عليها أهل السودان عبر مسيرتهم في الإدارة الوطنية بقدر ما يظل أثرها النفسي والمادي ماثلاً بين المجتمع..
المسؤولية الوطنية تقتضي أن يعي من يمارسون السياسة أن بلادنا قد تضررت كثيراً من خداع وغش البعض منهم، وعليهم أن يفكروا بروح وطنية وثابة في كيفية استقامة شؤونها وتقدمها في كل المجالات، والسودان اليوم بحاجة إلى أن يطهر نفسه من أدعياء الديمقراطية الذين لا يستجيبون إلى خياراته ولا يستمعون إلى من يريد خدمته ونهضته!!.
إن المجتمعات المتحضرة والواعية في سباق وحرص دائم على التوافق وتنظيم الخلاف تحت قيود القانون والدستور وفوق كل هذا المصالح الوطنية العليا ومبادئ المجتمعات، وليس كما يقوم به المتمردون الذين يمارسون أسوأ الأوهام وهم غارقون في تنفيذ مخططات تقسيم وتقزيم البلد، وإذا نظرنا لكل دول العالم فهي ليست بمنأى عن النزاعات والخلافات السياسية الداخلية لكن فلننظر كيف يديرون نزاعاتهم باحتكامهم للمؤسسات دون سلاح وتمردات، وكيف تساهم المعارضة قبل الحكومة في تقوية المؤسسات وتمكينها من ممارسة دورها وسلطاتها على الجميع دون تخوين أو تشكيك على خلاف ما نشاهده اليوم من النوع الذي يقوم به المعارضون في وطننا!!.
لا بد من الرأي المعتدل بدون غطرسة أو عناد سواء كان من هم في «الحكومة» أو «المعارضة»، فالشعب السوداني لا يستحق كل هذه المعاناة والمظاهر السيئة التي رصدها الجميع لنازحي أبو كرشولا الذين استظلوا تحت أشجار مدينة الرهد ووضعوا ظهورهم على جدران حيطانها ومدارسها، وقد أحسن الأهل في شمال كردفان حكومة ومواطنين استقبالهم واحتضانهم بكل أريحية وكرم أهل كردفان.
وقد أحسن الإخوة في اللجان جميعها استقبال أهل السودان ووفود الولايات التي تقاطرت على شمال كردفان مجسدين قوة روح التضامن والأخوة التي قد تجرَّد عنها المتمردون بفعالهم، نعم نسي الناس قبائلهم وعشائرهم وهم يحققون قيم الإسلام في أصدق تعبير وقوة وتماسك لحمتها بمبدأ الخير وشد الأزر للمجتمع ووحدته.
صدقوني حتى كثيرون من أهل السودان لا يعرفون بالضبط مرتكزات خطاب وأهداف المسلحين مبدأ القناعة والمعتقد، ولا يمكن أن تنوي قيادة مجتمع وهو لا يعرف بأي الأساليب والمناهج أنت تقوده، وبالتالي على المعارضة إقناع «المواطن» أولاً برؤاها قبل أن تنوي الجلوس لمفاوضة الحكومة لأن عامة الشعب هم أوعى من الحكومة ومعارضتها وفيهم أميز النخب والمفكرين تجدهم آخذين راحتهم داخل قاعات الدرس بالجامعات وبعضهم على ضفاف النيل.. صدقوني حتى المقاهي العامة والمنتديات تجدها تضم من بين عضويتها عقلاء يفكرون برشد وتروٍ وهم مدخرات البلاد الحقيقية؟!

فضل الله رابح
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 519

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فضل الله رابح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة