المقالات
السياسة
حرب الإيقاف .. الميدان في الميدان
حرب الإيقاف .. الميدان في الميدان
06-08-2013 08:59 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت قبل فترة قصيرة علي قناة فرانس 24 العربية، خبر عن إيقاف السلطات السودانية، لصحيفة الميدان التابعة للحزب الشيوعي السوداني، وهو سلوك مشين دأب النظام علي ممارسته عند كل ملمة او مشكلة يتعرض لها، وأصبح طبع يختص به النظام المنتج والمصدر للمعضلات، أي ترحيل المشاكل وأسبابها للطرف الآخر، للهروب من تحمل مسؤولية نتائج أعماله وخَلقِه لهذه المشاكل! ومسألة إيقاف الصحف واحدة من آليات وطرق تكميم الأفواه، ومصادرة هامش الحريات، الضيِّق أصلا والمتحكم فيه بطرق ظاهرة او مستترة! وكل ذلك من أجل إفساح المجال، أمام الصوت الواحد، الذي يهتف بإسم النظام، ويسبح بحمد أركانه صباحا ومساء! ويسعي بجد وإجتهاد منقطع النظير، لقلب الحقائق وعكس الحالات وتزييف الواقع! حتي يستقيم ظل النظام الأعوج! ولكن هيهات!؟ طالما شمس الواقع الفاقع المغبون والحال الممكون تنتصب عموديا في سماء بلاد الإستواء! وإيقاف الصحف تكرر كثيرا، خلال الفترة الأخيرة، وطال العديد من الصحف، إلا أن صحيفة الميدان بالذات، نالت الجزاء الأعظم عكس جنس العمل، وطالها العقاب الأفدح! حتي ظننا أنه يتم إيقاف الصحيفة أولا، ثم بعد ذلك يتم تدبير أمر الأعذار أو الأسباب او إختلاقها علي مهل!! مما خلق جو من الإرهاب يحيط بالصحيفة ويشكك في إمكانية صدورها كل يوم! وساعد علي ذلك موقف الصحيفة الواضح(الدغري) ضد ألاعيب النظام وخدعه، وعملها علي كشف أخطائه، والأهم من ذلك أنها تنظر برؤية أشمل، أي أنها غير معنية بأخطاء النظام، كأخطاء حزبية تخصه، وإنما لآثار تلك الأخطاء الكارثية علي حاضر ومستقبل البلاد، إضافة الي تعقيدها للمشاكل والقضايا، التي يعاني منها الوطن، وذلك بدلا عن حلها، وفي الحقيقة هذا ما لا يمتلكه ويقصر عن تحقيقه!! وبمعني آخر أن منطلقات الصحيفة، منطلقات وطنية، ذات نظرة كلية تشاركية وإحساسٍ عالٍ بالمسؤولية، ولا تسعي لتوظيف أخطاء النظام من اجل مكاسب حزبية ضيقة، أو بقصد إحراج نظام عديم الإحساس!
وقضية إيقاف الصحف بصفة عامة والميدان بصفة خاصة، تعكس جزء من أزمة النظام المزمنة والمرافقة لمسيرته العرجاء، إلا وهي فرض الوصاية، او تصوير قرارات النظام او مساهمته في الشأن الوطني، كأنها الصواب المطلق او المرجعية العليا، التي علي ضوءها يتم تقيِّم أداء الآخرين، والسماح لهم بالمشاركة في الشأن العام، بمعني آخر تم تخصيص الشأن العام وأصبح شأن خاص يخص النظام! والذي في النهاية يؤول الي مصالح أفراده! والتي من خلال السلطة المطلقة والمال المطلق او السائب لا فرق! تكسب سلوكهم نوع من الوطنية الفائضة والأخلاقية السياسية المتجاوزة! وعند هذه النقطة بالتحديد، تتم إعادة إنتاج المواقف والآراء، بل حتي المفاهيم والشرعية التي إكتسبت سلطة فعلها وإحترامها عبر التجربة والزمن، لتصب كلها في مصلحة النظام، بعد إكسابها تلك الإيحاءات والأغطية الوطنية والقدسية(من القداسة)، وبإكتسابها تلك الأبعاد، يغدو الإختلاف معها ليس إختلاف سياسي او وطني او فهم مغاير للدين! ولكنه خيانة للوطن وإبتذال للسياسة وإهانة للدين! وتاليا يجوز في حق مرتكبه الإبعاد والإقصاء، إذا ما تم التعامل معه بالحسني(المتوهم أنها مستمدة من مشروعهم السياسي الأخلاقي المستند علي الدين، والغريبة أن الدين يستدعي فقط عند الأزمات والخطوب، كقوات الإحتياط المركزي او قوات مكافحة الشغب اومن أجل التحشيد، ومن بعدها ينسي أمره! ولحسن حظهم فهو لا يكلف ماديا كثيرا، لنظام مالي ربحي! أما الجانب المعنوي فهو غير مهم أساسا، لنظام معادي للأخلاق بل حتي الذوق والجمال! وهل مع الإنغماس في ملذات الحياة، وسيطرة شهوة السلطة والجسد مكان لمثل تلك الأحلام والأوهام؟!! وهكذ دواليك من خطبٍ الي آخر!) وفي الحالات القصوي، يتم الحذف من المشهد السياسي والوطني، وفرض حالة من التهميش والإزدراء المستمر، او الإلغاء من الوجود، كنجاسة يجب تطهير الارض من شرورها! والنتيجة تحول النظام الي سلطة مستبدة! وخطور الإستبداد ليس في ممارسته المفارقة للمنطق والشرعية والقيم الإنسانية، وتسفيه القوانين عندما تتعارض مع مصالحه، او تطويعها وإستغلالها وتعديلها إذا ما دعت الحاجة الي ذلك! ولكن وتأكيد لما سبق، تكمن الخطورة و المأساة في أنه يوجد التبرير لفعل ذلك! والأسوأ من ذلك هو إكساب ذلك التبرير، نوع من الإخلاقية والشرعية الدينية و الوطنية، أي تتحول رغبات المستبدين والحصول علي المكاسب مجانا والسعي لإستدامتها، بوعي او بغير وعي منهم، الي نوع من العمل المقدس الذي يُشكروا عليه في الدنيا، من قبل الشعب القاصر الجاهل المُتعِب، ويثابوا عليه من قبل الإله في الآخرة، اي يتطلع المستبدون الي إمتلاك الآخرة بعد أن ضمنوا الدنيا في حوزتهم! والسؤال الذي يفرض نفسه ماذا تركوا للآخرين؟ وما هي مبررات وجودهم في الأصل؟!!
لذلك نجد أن صحيفة مثل الميدان، أشتهرت بمواقفها الجريئة ووقوفها مع الحق اولاً، وسعيها لنشر الوعي والتعريف بالحقوق ثانياً، وإهتمامها بقضايا وهموم وحقوق العمال والكادحين ثالثاً. كل ذلك شكل صدمة لعقلية ونفسية النظام المستبد! وتشكيك في تلك المسلمات التي بني عليها سلطته وشرعيته! وعبرها إستباح البلاد وشعبها! ليجد النظام نفسه في مواجهة عريه وإفلاسه الإخلاقي والسياسي والتنموي! وعند هذه المرحلة يجد النظام نفسه غير مخير في ترك مثل تلك الصحيفة لتقوم بدورها، وهي التي تعيش علي قضايا الجماهير، وتتنفس برئة السعي الجاد لنيل الحقوق المشروعة لكل المواطنين، في أن ينعموا بالوجود اللائق بهم، كبشر كرمهم الخالق. ليتم الإيقاف دون تفكير أو خوف من تساؤل او مساءلة! ولو خالفت إجراءات الإيقاف الدستور، الذي كتب بيد النظام نفسه وفي حدود سلامته الشخصية! بإعتبار ان هنالك دستورا آخر غير مكتوب وهو المطبق بالفعل، ويستند هذا الدستور المتوهم علي سلطات تقديرية مطلقة، مثبتة في أذهان السلطة الأمنية والمجموعة الصغيرة المتنفذة، وغيرها من أدوات حماية النظام! ويتوسع مجال عمله الي كل الإمتدادت السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية...الخ أي يطال كل من يسبب للنظام أي نوع من المضايقات اوالتهديدات مهما صغرت! وهذا الدستور المتخيَّل! هو ما يجد الحماية والحصانة بحكم الفعل والواقع، من كل أفراد التظيم! والمبررات الجاهزة بالطبع، هي أن البلد في حالة حرب، كأنما الحرب حالة إستثنائية! لنظام شكلت الحروب محطة ثابتة في تاريخه ولغة ثابتة في خطابه، كنظام حربي بإمتياز! يعشق حالات الطوارئ وشعارات من شاكلة، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة(معركته بالطبع بعد تخليص الشعب من التصورات المسقطة عليه وتحويله الي قاتل لنفسه)! كأنما تلك الحروب نبعت من الفراغ! او تنزلت علي البلاد من السماء! وليست بسبب أخطاء النظام وسياسته الفاشلة، وهو اللأعب الأساس في تفجيرها، بل خلقها وبعثها من العدم! او تحويل القضايا الصغيرة، التي يمكن حلها سلميا، وبأقل تكلفة وبطريقة أكثر إستقرار ورسوخ، الي قضايا إنشطارية تحمل مضاعفات تفككية، تنذر بالصوملة، بعد النفخ فيها وتسعيرها وتعظيمها، للتكسب من وراءها! والتعامل معها بإنتهازية مغيتة وإتخاذها كذرائع، لتبرير كل ما لا يمكن تبريره، بغرض إكتسابهم لشرعية غائبة عنهم منذ الميلاد سفاحا، او عبر السطو المسلح علي السلطة الشرعية! والسبب الأساس في كل ذلك، أن النظام ينظر الي الخارج(المعارضة) وتحميلها كل الأخطاء!! بدلا عن الرؤية الي الداخل مكمن الخلل الرئيس، لمعالجة الأخطاء وما أكثرها! ومنبع ذلك انه يتعامل مع سلطة مسروقة! تجبره علي التشكك والخوف من صاحب الحق! وكل ذلك حرمه من الهدوء والإطمئنان والتواضع لإشراك الجمع الوطني في حل مشاكله، وإزالة نظرة القصور الشاملة في رؤية الآخرين! وإنزالهم منزلتهم الي يستحقونها كشركاء في الوطن، يملكون فيه مثلهم تماما، وعلي قدم المساواة، وأن الميزة او الحق يكتسب علي قدر البذل والعطاء في ميزان تقدم الوطن او حمايته ضد الأخطار(الخارجية وللأسف الداخلية من إنقلاب ونحوه!) بحكم وإرادة ورغبة الشعب، الذي يجيد معرفة مصالحه، دون وصاية او توجيه من الأنبياء الكذبة! الذين ابتلينا بهم، ليعطلوا الصالح العام، ويسهموا في إزدهار الصالح الخاص، الذي تحول بدوره الي مرض أو فساد، أصاب حيوية البلاد ومقدرتها في مقتل!
وأيضا عملية الإيقاف لا تقتصر علي الجانب السياسي فقط، ولكنها تحمل تبعات إقتصادية مدمرة للصحيفة من جهة، والعاملون بها من الجهة المقابلة، أي كأن أيقاف الإعلانات والحرب الخفية لا تكفي! ولا بد من إظهار وجه القباحة والعبوس والقهر والتسلط! بإبراز فورمانات الإيقاف، لذبح الصحيفة في وضح النهار، وليذهب دورها التنويري والوطني، أو علي الأقل كرأي مختلف، يعكس تنوع الساحة وإحتمال الإختلاف، كقناع يجمل وجه النظام القبيح أدراج الرياح! وليتشرد العاملون بها واسرهم، جزاءً لهم، بعد أن عجز النظام عن مساومتهم أو شراء ضمائرهم الحية، او حرفها وتوجيهها تلقاء مناصرة النظام او مداهنته او الصمت علي جرائمه وأخطائه. لذلك الوقوف مع الصحف الموقوفة ظلما بصفة عامة، وصحيفة الميدان بصفة خاصة، هو من أجل الدفاع عن حرية الكلمة كشئ مقدس، وذلك لأن الحرية الصحفية، كجزء من الحريات العامة، هي حق لكل مواطن، إضافة الي أن الحرية هي البيئة الوحيدة الصالحة لعمل الصحافة، ولتقدمها ولقيامها بدورها الواجب عليها، أي أن صحافة بلا حرية، تعني إلغاء لدور الصحافة التنويري التعريفي، الكاشف عن الحقائق والمدافع عن حقوق الجماهير، وإعلان صريح لموت الكتابة، وتاليا ضمور العملية السياسية الطامحة، لمعالجة وإدارة وترتيب وتنظيم حياة الشعوب، لإكساب الدولة معناها والأنشطة الإنسانية جدواها. والوقوف مع صحيفة الميدان، يتجاوز الموقف من الحزب الشيوعي، سواء بالإتفاق معه في اطروحاته ونشاطه ومساهمته في الحياة العامة او بالإختلاف معه كليا اوجزئيا، أي هو وقوف مع حق الكلمة المنشورة في أن تصل الي القارئ، وحق القارئ في أن يختار، بمحض إرادته ووعيه، ما يوافق قناعاته ورغباته، أي إتاحة الفرصة والحرية للقارئ والكاتب، ليتم التفاعل الحر بينهما، لأنه الوسيلة الوحيدة والكفيلة ببث الوعي و(تثمير) او تخصيب العقل ولتحَمُّل المسؤولية، والمحصلة أن يجد الإنسان بوصفه إنسان ذاته في الحياة! ويلعب فيها دوره كما يعتقده، في حدود إحترام العقائد والقوانين والأعراف المرعية، المتراضَ عليها من قبل الجميع. وذلك لا يمنع بالطبع، من الإشادة بالدور المشهود الذي لعبه الحزب الشيوعي طوال تاريخه، علي الأقل علي مستوي أفراده، والتضحيات العظيمة التي قدمت من قبل نخبه، ومساهمتهم الثرة في نشر الوعي، والوقوف بحزم ووضوح ضد إستغلال الدين، علي الرغم من التكاليف العالية لذلك الموقف! إجتماعيا وسياسيا علي الأفراد والحزب! إضافة الي كفاحهم وجهدهم الذي لا يعرف الإنقطاع او الكلل او الملل، من أجل العمال وجموع الكادحين، علي إمتداد الوطن الحبيب. وهذا لا يعني بالطبع التسليم للحزب الشيوعي بقيادة الركب مجانا، او عدم الإختلاف معه، او الصمت حيال مشاركته ومساهمته ، في الأداء المتردي للعمل الجماعي والسياسي العام، الذي رافق مسيرتنا الوطنية منذ الإستقلال(الاصح بحكم الواقع هو الاستغلال! عبر الدولة المختطفة بيد النخب السياسية بدرجة أقل، والعسكرية بصورة شبه مطلقة). لذلك وجود هذه المنابر الإعلامية كالميدان وصحبها من الصحف المصادمة، أنها تتيح الفرصة لتدارك الأخطاء وتصحيحها لكل من القَ السمع وهو شهيد! وبذل الجهد ولو قليل لتغيير الأوضاع البائسة الحالية، الي أوضاع اكثر تقدم وتنمية وإستقرار، اي تعمل كنافذة او كوة في جدار الظلام الإنقاذي، الذي طال وإستطال، او تعمل كشمعة تنير درب الخلاص الموعود، والذي نأمل ألا يكون مخضب وممهور بالدماء والخراب، او أقله تساعد علي التماسك وإحتمال أوضاع لا يمكن إحتمالها! وأيضا من المآخذ التي لا يمكن اغفالها في شأن الحزب، او غض الطرف عنها، إجلالا وإحتراما لتضحيات الحزب وقاماته العالية المقام، مسألة ديمومة القيادة، التي إنتظمت مسيرة الحزب، وهي مسالة شاذة وتتعارض، مع كونه اكثر التنظيمات السياسية في الساحة حداثة وتقدم، علي الاقل علي مستوي كوادره وما تطرحه أدبياته او شكل القضايا التي يتبناها. فوجود شخصية بحجم المرحوم نقد، ومكانته ومقدرته وكارِزيميته وتاريخه الحافل، كانت تحمل في جوفها، بوادر عقمها وعدم تجديدها من جديد، وأهمية التجديد لا تكمن في كونه، يُبرِز قيادة جديدة شابة نشطة طموحة ومجتهدة، ولكنه يتيح الفرصة أمام الجميع، ويخلق شروط التحدي المحايدة، وبالتالي إبراز أقصي الإمكانات والمقدرات الموجودة، لدي الجمع المتنافس، مما يقوي من شروط المنافسة، وإفراز الأعلي مقدرة وصلابة وقدرة علي التحمل( الصبر والنفس الطويل المطلوب سياسيا) و يجد نفسه محاصر بمنافسين أشداء وتحدي أكبر، مما يجبره علي بذل جهد اكبر وأعلي معدل من العمل الذي قد يصل مرحلة الإبداع، للمحافظة علي المكانة المهددة بفعل أي تقاعس او فشل! هذا من ناحية، ومن الناحية المقابلة، أنها تحقق شروط المساواة أمام الجمع المتنافس مما يجبر بخاطر العدالة المجردة، المفتري عليها تاريخيا وعمليا! وتقلل كثيرا من حالة التمييز المتضخمة والمتوهمة او المفروضة! التي تعاني منها معظم القيادات، وكل من يتسنم مركز او رئاسة او سلطة، او يحرز درجات عالية في أحد المجالات! ومهما كانت موضوعية وشروط ذلك التميز، أي قد يستحقه صاحبه عن جدارة، إلا أنه يختلط بشئ من الشخصنة والإعجاب بالنفس في ظروف مجتمعنا! مما يهدد كل طاقات الإحساس بالمسؤولية، تجاه المنصب والوطن والمواطن، ويؤسس بدوره لحالة التعالي، المفضية بدورها للإستبداد والطغيان! وليس بالضرورة ان يكون ذلك الإستبداد متعلق بالشأن السياسي، ولكنه قد ينداح ويشمل كل مؤسسة او نادي او عائلة او مجتمع، حتي ولو شلة ونسة! والمحصلة أن عدم التجديد، أحدث نوع من الإنسداد التاريخي في قنوات الترقي الحزبية! وبالعودة لرئاسة المرحوم نقد، نجدها لعبت من جانب آخر، دور مثبط في إيجاد قيادة بديلة، بعدم التدريب والتأهيل والإعداد لقيادة بديلة، أي وجوده أضعف آلية إنتاج القيادة، علي الرغم من وجاهة الأعذار من شاكلة الظروف المحيطة! إلا أن ذلك لا يقلل من التقصير، في جانب التداول المنتظم للسلطة داخل التنظيم بما فيها القيادة، بل الأسوأ أن طرح الأمر بصورة علنية كان من المحرمات، او التابو الداخلي للحزب، ولذلك كان الطريق الأسهل، هو الهروب من مناقشة تلك المسألة وتأجيلها بصورة أبدية! والإستعاض عنها بأشياء أهم! كتركيز الجهد في مواجهة الأنظمة الشمولية، وتقديم إرث نضالي قل نظيره، وبمعني آخر أن الحزب ركز علي الجهاد الخارجي(جهاد الأعداء) وأهمل جهاد النفس، وهو الأولي والأعظم أثرا في مسيرته! ولو أنه أكثر مضاضة، علي النفوس التواقة للجهاد الخارجي! وعلي القيم الأخلاقية الإجتماعية والمجاملات السودانية! والمسألة لا تخص القيادة فقط، ولكنها تطال كل المراكز والمناصب داخل التنظيم، التي إكتسبت شئ من التوازن، بين السلطات اوالمناصب الحزبية، وتوزيع الإمتيازات والتي ليس بالضرورة ان تكون مادية، لأن للسلطة المعنوية لها أهمية أيضا، داخل التنظيم او خارجه، أي كل منصب او مركز محجوز او مخصص لمجموعة محددة، تتوافق فيما بينها للحصول عليه، وإدارته كتركة مستحقة! ولو أنها تتخذ طابع المؤسسية، سواء في طريقة الإختيار او شكل المردود، ولكنها لا تقوي بأي حال من الأحوال، علي إمتلاك طاقات التجديد القادرة علي إخراج الحزب، من تقوقعه وفقدان أراضيه ومساحة تأثيره بإطراد! وساعد علي ذلك الأمر تبدل القضايا والإهتمامات، التي ترافقت مع صعود الحزب وقوته وتوهجه، ونشاطه الجم وتأثيره الخلاب في النفوس، وبمنظور آخر أصبحت اللجنة المركزية(وهي لا تختلف كثيرا عن مسألة ومركز القيادة) كعقل مفكر ومدبر ومخطط وكدينمو محرك فعليا لأنشطة الحزب! خارج دائرة التفكير والتساؤل والتقيِّم والمحاسبة! في طريقة عملها وإختيارها ومواكبتها للمستجدات، ونفس الشئ فيما يخص المؤتمرات الربع قرنية! هل هي الأخري تمتلك القدرة، علي الرؤية والمتابعة والتأثير في المتغيرات المتسارعة او مواكبتها! وكل ذلك يطرح سؤال هام، هل دور الحزب يتمثل في إيجاد تصورات وخلق برامج، او إعتناق أيديولوجية صالحة لكل زمان ومكان! لمعالجة كل الإشكالات الوطنية والمجتمعية، بكل تعقيداتها وتشابكها، أي في هذه الحالة يلعب دور المرشد الموجه! أم دوره يتمثل في الإختلاط بالجماهير، وتلمس مشاكلها وهمومها ومخاوفها، وهي بالطبع متباينة ومتعارضة احيانا! ومن ثم الإنطلاق منها وعبرها لصوغ برامج، تلبي تلك التطلعات وتحلل تلك الإشكالات، وتزيل سوء الفهم أن وجد، وهو لابد موجود! أي أن يتعلم الحزب من الشارع العريض، ليس الإمور التنظيمة، فهذا شأن يخص الحزب، ولكن أن يتعلم الإصغاء لصوت أناته وما أكثرها، وإحترام مرحلته التاريخية، وقيمه وعاداته وتقاليده وعقائده، والصبر عليه والأخذ بيده الي بر الأمان! بعيدا عن أوصاف، كالرجعية التي الصقت ببعض الأحزاب وجماهيرها! والتخلف والجهل وغيرها من الفاظ التصغير والإزدراء! وبقول واحد، التخلص من إحساس الإمتلاك الحصري للوعي والإستنارة، ورفع لواء الحداثة وروح التقدم، وتقلده لمنصب شيخ الحداثيين وعمدة إتجاه اليسار، والقائد الأوحد او الأب الروحي لكل تنظيم حديث، والذي يفقد هذه الصفة إذا لم يعترف الحزب به! وأنه الوكيل الحصري للحديث بلسان الشعب الكادح! ومسؤوليته كالرجل الابيض في تخليص مجتمع التخلف والرجعية، من ظلامه وجهله وتأخره، والأخذ بيده لمركز وعالم الحضارة! وهي بالطبع وعي الحزب وقراءته وتصوراته لكل الإمور! وبمعني آخر إمتلاكه لخاصية الوعي و الإحساس بهموم الشعب أكثر من الشعب نفسه! وتاليا مقدرته للتعبير عنها ومن ثم معالجتها! قد يحمل هذا الحديث شئ من التناقض، أي قد يناقض الدور التوعوي (التضحوي) والنضالي الجبار، الذي قام به الحزب ممثل في أعضائه، لدرجة أنه أصبح مدرسة لتخريج أمثال أولئك الرجال الأبطال، ولكن المقصود هنا، هو التوسع في تقدير ذلك الدور والأهمية والمكانة، بصورة شوشت علي إخضاع نشاطه لمزيد من الفحص والنقد وتصحيح أوجه القصور! وهذا الحديث بالطبع يحمل طابع التعميم، او معاملة الحزب ككتلة واحدة او كحالة ثابتة عبر التاريخ! ولكن المقصود بصورة أدق، هو المحصلة التاريخية، وهي الحكم في إعتقادي ودليل علي سلامة المنطلقات ودقة التطبيق! والدليل كما أسلفنا إسهامه كغيره من الأحزاب، في المآل السياسي المتأزم الذي وصلنا إليه! بوصفه مشارك في الحياة السياسية منذ تكوينه، مع الوضع في الإعتبار محدودية حركته، والظروف الصعبة المحيطة به، التي فرضتها الانظمة العسكرية بما فيها نظام الإنقاذ الحالي! ولكن للحقيقة والتاريخ، فالمسؤولية جماعية وكلنا شركاء في هذا الواقع المزري! والسماح لهذا النظام العاق والمعيق، من التمكين والإستمرار دون إزعاج، طوال هذه الفترة الحامضة من تاريخنا الحديث! إلا أن الأحزاب السياسية أكثر مسؤولية! لأنها معنية بهذا الأمر أكثر من غيرها من التكوينات والأفراد! بإعتبار أن هذا دورها بشكل أساس في منظومة الدولة الحديثة وتوزيع المهام، وهو دور عظيم يشكرون عليه، ولكن الأعظم هو دفع إستحقاقته كما يجب! وهذا ما لم يحدث، والواقع المحيط بنا يفصح عن ذلك، ودون حاجة الي إبانة! هذا الحديث إذا حمل طابع القسوة، فهي بالتأكيد نابعة عن محبة وأمنيات، برؤية الأحزاب بصفة عامة والحزب الشيوعي بصفة خاصة، في أوضاع أكثر إشراق، والبلاد في مكانة أفضل علي الدوام، ومرد التقدير الخاص للحزب الشيوعي، يرجع كما ذكرنا أكثر من مرة، لتضحياته من جهة، ولعطاء كتابه ومفكريه وشعرائه، الجاد والملامس لحد الروح ولب العقل وطاقات الجسد من الجهة المقابلة، وقد تكون مشاعر خاصة، قد يشترك فيها البعض او لا يشترك، ولكنها تظل بعيدة عن برودة طقس الجدل والنفي والإثبات، ببساطة لأنها شأن داخلي وكفي!
وبعيدا عن أجواء الإحباط، او حالات جلد الذات، لأنهما من العوامل المساعدة علي إستدامة الأوضاع الحالية! التي بلا أدني شك تصب في صالح النظام، وتنعكس فقرا وخرابا ودمارا وظلاما علي جموع المواطنين غير المنضوين تحت لواءه، فأن مسألة ديمومة القيادة لا تخص الحزب الشيوعي وحده، ولكنها إنتظمت كل أحزابنا السياسية، اي مثلت جزء من إجتماعنا السياسي، وبصورة أكثر تأكيد ظلت مسألة ديمومة القيادة وغياب الممارسة الديمقراطية داخل إنتظامنا السياسي، هما الثابت الوحيد في حركة احزابنا المتغيرة والمنقسمة بإستمرار! بل حتي منظمات المجتمع المدني، او التنظيمات ما بعد السياسية او العابرة لها، والساعية للإستفادة من أخطائها وإقالت عثراتها وسد ثغراتها، خاصة علي مستوي النهج الديمقراطي بما فيه تغيير القيادات وتداول المناصب...الخ، لم تنجُ من هذا المصير المحبط والصادم! أي النتيجة النهائية كما في مدرسة النجاح الشهيرة لم ينجح أحد! وإحتمال مرد ذلك يرجع الي التربية الأبوية او السلوك الأبوي الذي وسم إجتماعنا الأهلي، لقرب عهدنا بالقبلية والعشائرية والأسر الممتدة(و ثقافة الماعندو كبير يشوف ليه كبير) وضعف تغلغل التربية الديمقراطية او قيم الحداثة في وعينا ونفوسنا وتجذرها تاليا في مجتمعنا! وحتي الإشراقات القليلة التي تحصلنا عليها بشق الأنفس، وكان يمكن البناء عليها وتطويرها، قضت عليها الأنظمة العسكرية المتهورة، وعلي رأسها وأكثرها دمارا نظام الإنقاذ الأهوج، الذي أرجعنا القهقري عشرات السنين الي الوراء، لدرجة تاهت فيها الخُطا وأظلم الطريق وأنكرنا الزمان! والمحصلة المؤسفة الدخول في الدائرة الشريرة الشهيرة، والعجز عن كسرها والخروج من محيطها وعذابها ويأسها، الي آفاق أكثر ديمقراطية ورحابة وطنية وتطور ثابت، لتعويض المواطن بعض تضحياته الجسيمة، وتعيد ثقته في العملية السياسية، وتنير الطريق لأجيال المستقبل، حتي لأ نلقِ بها في عتامير المجهول، ثم نطلب منها أن تقدم لنا أنموذج سياسي وأخلاقي وتنموي، يضرب به الأمثال، لأن ذلك محال! ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 862

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة