المقالات
منوعات
قصة قصيرة : الخيل الحرة
قصة قصيرة : الخيل الحرة
06-10-2013 04:48 PM



في مدينة عمالية استوطنها الانجليز وتركوا بصماتهم في سكانها كانت تقيم عائلة الراحل الشيخ والعامل في السكة الحديد عبد الجليل ، في حي الداخلة البسيط، كانوا احد عشر نفسا من جراء لعبة الحياة الوحيدة التي يمارسها الكبار ليلا قبل دخول شبكة التلفزيون إلى مدينة، ظلت أعباء تربية الصغار والقيام بدور الأب ترهق الشقيق الأكبر والذين يلونه أيضا، الأم ست الريد تقدر كل أبناءها إلا عاطف, لأنه يكره المدرسة منذ نعومة أظافره ويحب كرة القدم،كان يعدو مسابقا الريح ويسبح كالتمساح في النيل،ولكن ما يفت في عضه تقريع أمه له بأقسى ما تجود به قريحة أهل الشمال من ألفاظ"
- يا السعوب.. يا خايب الرجا..الكورة دايرة تجيب ليك شنو؟!!
- يا أمي..الكورة دي هوياتي وما بخليها
كانت تردد في اعتزاز مشيرة إلى شقيقه المتمدد في خيلاء أمام التلفزيون
- أنت ما تبقى ذي أخوك خضر ده
خضر شقيقه الذي عمل مدرسا في بواكير عمره ثم انجرف مع الإسلاميين،بعد سقوط نظام مايو، في عالمهم العجيب،كان يغدق على أمهم بالمال وجوالات السكر والدقيق فهو عضو في اللجنة الشعبية
- يا أمي ده كوز فارغ ساكت..
- اسكت يا ولد قطع لسانك
كان ينقذه من غضبها ، عندما يعود متصببا عرقا من مباراة في ملعب المدينة، عودة شقيقهم الأكبر احمد مخمورا ومترنحا في قلب الليل،احمد عمل في السكة الحديد وانضم إلى الحزب الشيوعي السوداني وعمل بإخلاص في النضال ضد الطغيان ، كلفه سنوات طوال فى السجن بعد فشل انقلابهم حتى سقوط نظام مايو وعودته إلى العمل وظل يجوب محطات السكة الحديد في غرب وجنوب السودان في المناطق الممتدة من الضعين إلى واو، بعد أن أعادوه إلى الخدمة، وليتهم لم يفعلوا ،تعرض لأبشع صدمة وجدانية ما كان يتصورها في أسوا كوابيسه، شهد محرقة الضعين ،وحرق أبناء الجنوب أحياء في عربات القطار،انهارت كل الأشياء في ناظره وعاد إلى مسقط رأسه مدينة عطبرة ،وأضحى كائن ليلي ، ينوم جل النهار ثم يمضي ليلا يعاقر الخمر حتى الثمالة،ويطوف بالسوق ويجلس مع أبناء الجنوب الذين يعملون خياطين في صالات الدكاكين ،ويردد ترانيمهم وأطلقوا عليه احمد" الجنوبي"،كان عندما يأتي مترنحا إلى البيت ويسمع اسطوانة أمه المشروخة ينبري للدفاع عن شقيقه الأثير عاطف الملقب في الملاعب بالمايسترو كأحسن صانع العاب في فريق المدينة الوحيد في الدوري الممتاز، فريق "النجم الساطع"..
- يا أمي أنت ما بتعرفي ديالوكيتك ؟!
- يا ولد هيي...خليني من كلام الشيوعيين ده..
- يا أمي انت غير مواكبة وغير مستوعبة لمتغيرات المرحلة.. في فرق بين الإبداع والانتهازية..عاطف ده مبدع والرمة الراقد هناك ده انتهازي، مباري ناس الدقون الهرو البلد ديل...
- يا ولدي كورة شنو البتاكل عيش.. في الزمن ده..
- يا امي الخيل الحرة بتظهر في اللفة.. والله ما ينفعك الا عاطف ده وكل أول ليه أخر وما بدوم العز والمفاخر
- خلي ينفع نفسو...وكت أبى المدرسة..
- يا أمي..هسه انتي قايلة بناتك الخمسة ديل عرسوهم ليه؟؟
- الله يا ولدي ده كلام شنو.. الزواج قسمة ونصيب
- خد.. قالت..قسمة ونصيب وكلام العجايز الخارم بارم ده...
- الناس ..اتزوجوهم..لانهم اخوات اللاعب الاسطورة"المايسترو"..البلد دي كلها تعرفنا عشان عاطف..وحتى البواليس البلموني من الشارع ويجيبوني البيت سكران وما بودوني للسجن والمحكمة بتاعة التيوس للجلد والمذلة.. لاني اخو المايسترو...
وفجاة ينفصل عن الواقع ويشد شعره وينوح في تداعي مرير
- لكن ما حرقوهم في القطر يا امي..حرقوهم في القطر يا اميييييييي.
- لا حول ولا قوة إلا بالله يا ولدي..احيييي عليهم ...الله يجازيهم..
وتنهض وتحضن ابنها الأثير مواسية ،وتقوده إلى فراشه في أخر الفناء،ويستلقي وينام ويرتفع غطيطه، ينهض خضر خارجاً وهو يتميز غيظاً ويذهب عاطف إلى الاستحمام والخروج إلى النادي..
*****
اليوم المباراة الحاسمة لبقاء فريق المدينة في الدوري الممتاز ويكفي هدف واحد فقط، ولكن المباراة نفسها مع أقوى فرق العاصمة، لذلك لوح رئيس النادي الثري بأنه سيعطي مبلغ مائة ألف جنيه لمن يحرز هدف البقاء هذا وردد أمام اللاعبين بصوته الجهوري " علي الطلاق ا سلما ليه في الميدان"..عرف عاطف إنها فرصته الأخيرة ليثبت لامه انه ليس فاشلاً، ويرحلوا من بيت الإيجار إلى بيت ملك سيشتريه في الامتداد الشرقي،ويبدو أن الزمن نفسه علم ست الريد الصابرة، حكمة ابنها الراحل احمد الجنوبي المتجلية" ما بدوم العز والمفاخر وكل أول ليه آخر".. بعد هيمنة الإسلاميين على السلطة مرة أخرى ، سافر خضر إلى الخرطوم في زمن التمكين، وبقي هناك ليمارس هوياتهم المفضلة ،الزواج من النساء مثنى وثلاث ورباع وانقطع مدده،ولم تعد أسرته و عطبرة سوى شوكة في أحلامه الوردية..
توفي احمد بالفشل الكلوي، من جراء تعطل كليته الوحيدة وانعدام محاليل الغسيل الكلوي في مستشفى المدينة العتيد، كان يوما مهيبا خرجت المدينة عن بكرة أبيها تشيع جثمان "الجنوبي"... وذهب إلى المقابر حتى أبناء الجنوب القليلين الذين تبقوا في سوق المدينة..والأقباط أيضا..وانتهت آلامه المبرحة..الناجمة عن محرقة الضعين.. ولزمت ست الريد الصبر الجميل..مع آخر العنقود عصام..والزاد خبز حاف.. والنفس أفاقة..
*****
امتلأ الملعب عن آخره بالجماهير واضحي هديره الصاخب يهز جنبات المدينة في المباراة المصيرية ،والقتال من اجل البقاء في الدوري الممتاز،ظلت الأفكار المضطربة تجهد ذهن عاطف، والمدرب يرفض أن يجعله مهاجم صريح ليحرز هدف إثبات الذات الذي سيسعد أمه وقد احضروا لاعب أجنبي من دولة افريقية مجاورة من الخرطوم ليلعب مهاجم صريح...وهذا اللاعب الأجنبي رغم المبلغ الطائل الذي يتقاضاه من العملة الصعبة..يطمع في أي جنيه ومكافئة..كان عقله المجهد يسترجع مساجلات شقيقه الراحل"الجنوبي"..وإيمانه العميق به " الخيل الحرة تظهر في اللفة"..
بدأت المباراة وهدير المشجعين يصم الآذان، وانتهى الشوط الأول دون أهداف أو خطورة تذكر لانكماش الفريقين ،كل في ملعبه وقد وضح أن الفريق الضيف يراهن على التعادل أيضا..لم تلفح أبدا جهود عاطف في إقناع المدرب الحاد الطباع عن عدم جدوى الخطة العقيمة السائرين عليها الآن وخصومهم يشلون اللاعب الأجنبي تماما..وعليه تأخيره إلى صانع العاب وجعل عاطف مهاجم صريح،بدا الشوط الثاني واستمرت المباراة على وتيرتها الرتيبة والجمهور واجم و كأن على رؤوسهم الطير والزمن يتآكل بسرعة..وجاءت السانحة إلى عاطف وأيقن أنها القاصمة..عندما أخطا المدافع في التمرير..واستلم الكرة منه واتجه بها نحو اليسار..ونظر إلى المهاجم الأجنبي..الذي اتخذ وضع صحيح..لتمرير الكرة البينية أو عكسها..وقد استقرأ عاطف أن توقعات حارس المرمى، هي التي ستحقق له هدفه وليذهب المدرب الذي يزعق في خط التماس إلى الجحيم..موه بجسده فخدع الحارس وخرج من مرماه واصطدم بالمهاجم الأجنبي الذي تعثر..وأرسل عاطف الكرة زاحفة أرضية مباشرة في اتجاه المرمى المكشوف لتستقر كهدف عسير المنال من هذا الركن القصي من الملعب، سكنت الجماهير للحظة ثم انفجر الدوي يصم الآذان ويعلو على صافرة الحكم التي أعلنت الهدف..وانقضت الدقائق الباقية كأنها ثوان.وانتهت المباراة..اندفع عاطف نحو مدير النادي الذي دس له المبلغ في يده واتجه نحو شقيقه عصام وسط الجماهير وسلمه المبلغ وعاد محمولا على الأعناق ليخرجوا به إلى المدينة المشتعلة حماساً..
*****
في صباح التالي استيقظت الأرواح المنتشية بالنصر في المدينة،سعداء ببقاء فريقها النجم الساطع في الدوري الممتاز،إلا روح واحدة أبية، فاضت إلى باريها، عاطف المايسترو، أصيب بالذبحة الصدرية من جراء الإجهاد الشديد في المباراة..ووجدته ست الريد جثة هامدة في فراشه في الفناء البعيد.. جلست نوح وتندب حظها العاثر وقد اعتصرها الندم وكلمات حكيمة ،لابنها الراحل"الجنوبي" تتردد في مخيلتها المكلومة" يا أمي الخيل الحرة تظهر في اللفة..يا أمي لكن ما حرقوووووهم في القطر...ما في زول بنفعك غير عاطف ده...كل أول ليه آخر...ما بدوم العز والمفاخر.. وما بدوم الظل والحرور"...

*****

اللوحة للتشكيلي السوداني سليمان سعيد


[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 847

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#693504 [OBAMA]
0.00/5 (0 صوت)

06-11-2013 07:02 AM
Nice. This is my CITY


ردود على OBAMA
[عادل الامين] 06-12-2013 03:02 PM
شكرا اوباما وهي ايضا مسقط راسي الذي يؤلمني عطبرة التي كانتى عصامة الحديد والنار ودمرتها سياسات المركز الغوغائية


#693380 [Zolangerif]
0.00/5 (0 صوت)

06-11-2013 12:12 AM
بصراحة استمتع بالقصص اكثر من فحيح العنصريين وعجز المعارضين وفشل الحاكمين
فاحكوا يا شباب حتي يطلع الصباح والمنى بغد زاهر

فلتقف الحرب فنحن القتلة والضحايا وكلنا مغلوبين ومغبونين

احكوا يا ادباء بلادي وليخرس الفاشلون


ردود على Zolangerif
[عادل الامين] 06-12-2013 03:12 PM
الاخ العزيزzolangerif
شكرا للمتابعة وحتى نرفع حجب السودان الاربعة ويعرف العرب والعالم وجل السودانيين المغيبين ان السودان دولة عمرها اكثر من 7000 سنة وليس بقعة جغرافية طارئة او افراز من دول افرزات الحرب الباردة القديمة والجديدة وقسمة العالم لفسطاطين او نبت شيطاني ايضا..السودان دولة وامة سودانية
وحتى ترفع هذه الحجب فرض عين على كل سوداني داخل وخارج السودان ان يتثبت للجميع في المهاجر
1- توجد حضارة ((سودانية)) واثارها ماثلة في السودان
2- يوجد فكر (سوداني) ومغييب لاسباب مغرضة بدات تتداعي الان..
3- توجد ثقافة ((سودانية)) تعاني من ازمة المنابر الحرة
4- توجد (سياسة سودانية) تركنا عليها الانجليز 1956 وديموقراطية وست منستر واستوردنا الايدولجيات العنصريةالمعطوبة من دول الجوار العروبي الاسلامي وخسرنا الجنوب ولم نربح شيئا وانهارت الكذبة من مصر الى تركيا والوعد الحق والفجر الكاذب...
لذلك يجب العمل عبر هذه المحاور الاربعة الحضاري/الفكري/الثقافي/السياسي
ومصفوفة صقر الجديان حتى تنهض كوش مرة اخرى والحديث ذو شجون
واتمنى زيارتكم دائما


عادل الامين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة