هل تكرر الحركة ذات الخطأ؟ا
12-03-2010 07:55 PM

هل تكرر الحركة ذات الخطأ؟

سليمان حامد الحاج

بعد انتفاضة مارس/ ابريل المجيدة التي أطاحت بالنظام الفاشي الفاسد أعلن المشير (في ذلك الوقت) عبد الرحمن سوار الدهب رئيس المجلس الانتقالي العالي إنهم زاهدون في الحكم وأنه سيسلم السلطة لمن يختارهم الشعب عبر انتخابات ديمقراطية في العام 1986. كان ذلك أحد أبرز وأهم انجازات الانتفاضة بعد الاطاحة بحكم الطاغية نميري وحل أجهزة أمنه.

لهذا قرر اجتماع المركزية الموسّع مع الكادر الأساسي في المناطق والهيئات الحزبية الذي انعقد في 29 نوفمبر 1985 خوض تلك الانتخابات، رغم علمه بأنّ مهام الفترة الانتقالية لم تنجز وأنّ المجاعة وما تركته من آثار خاصة في الغرب ستفتح ثغرات تنفذ فيها قوى التآمر على الانتفاضة، وأنّ معظم المناصب المؤثرة في العملية الانتخابية في يد عناصر من بقايا النظام المايوي، وأنّ معظم القوانين غير الديمقراطية مازالت قائمة.

وأكدت أنّ الوضع في الجنوب سيحدث أثره في منع جماهير واسعة من الإسهام في المعركة الانتخابية، الشيء الذي سيحول دون الحصول على نتائج مؤثرة لصالح التقدم والديمقراطية.

وبالفعل ألغيت الانتخابات في 27 دائرة في الجنوب، بسبب الحالة الأمنية وأجلت في دائرتين في جوبا وملكال بسبب وفاة مرشحيهما. ولهذا أعطت اللجنة المركزية اهتماماً كبيراً بقضية وقف الحرب في الجنوب ضمن قضايا الصراع لتصفية آثار مايو.

وكان معلوماً لدينا أيضاً أنّ جهاز الدولة المايوي مازال باقياً بكل عدائه للانتفاضة وحركة الجماهير، وإنّ الوزن البرلماني للجبهة الإسلامية وكذلك المالي في المصارف الإسلامية وتحالفها مع العسكريين تحت شعارات أمان السودان ودعم القوات المسلحة، وأنّ القيادات النقابية المايوية مازالت تسيطر على المواقع القيادية في نقابات العاملين.

هذا وغيره، في تقديرنا، هو الذي دفع الأخوة في الجيش الشعبي والحركة الشعبية، للتطهر بعدم المشاركة في الانتخابات ووصف النظام الذي أفرزته الانتفاضة بـ (مايو 2).


عندما اتخذت اللجنة المركزية قرار المشاركة، كانت على علم تام، بكل حقائق سلبيات الواقع السياسي، وكانت تضع في الاعتبار أنّ جذوة الانتفاضة متقدة بفضل حماس الجماهير واصرارها على النضال لمواصلة ترسيخ انجازاتها وشعاراتعا. وتضع في الاعتبار أيضاً تجارب شعب السودان الثرة المتراكمة التي أكدت أنّ الانتصارات الأولية تدفع الجماهير لإحراز المزيد من الانتصارات؛ وهذا هو الذي يوسع من قاعدة النضال في سبيل الديمقراطية ووقف الحرب ووحدة البلاد. من هذا المنطلق تمت مخاطبة الحركة الشعبية لخوض المعركة الانتخابية فقد حدث في البلاد واقع سياسي جديد، لايمكن أن يكون نسخة ثانية من نظام نميري، مع وجود الأحزاب وممارسة نشاطها والحرية النسبية للصحافة وحل جهاز الأمن ووضع قيادات النظام في المعتقلات. هذا الواقع السياسي الذي استجد سيحدث تغييراً أساسياً في ميزان القوى السياسية والصراع السياسي وسيصب في مصلحة وقف الحرب واحداث تحول عميق في البلاد اذا ساهمت الحركة الشعبية في المعركة الانتخابية.

فالدور العسكري والسياسي الكبير والمقدر الذي لعبته، كان أحد أسباب إرهاق النظام وأسهم إسهاماً فعالاً في الإطاحة به.هذا الدور رسّخ الثقة في الحركة الشعبية والجيش الشعبي على وجه الخصوص. ولهذا عندما خاطب الحزب الشيوعي الحركة بإلحاح للمشاركة، كان يثق تماماً أنها ستحرز نتائج مقدرة في الجنوب، هذا إذا لم نكتسح معظم مقاعده وستجد فرصاً واسعة في الشمال نتيجة لقناعة المواطنين بما قامت به من إنهاك للنظام.

لو استجابت الحركة لتلك النداءات وبينها العديد من القوى السياسية الوطنية لكانت نتيجة الانتخابات غير ما تمخضت عنه ولشهدت موازين القوى السياسية ترجيحاً مقدراً إن لم يكن حاسماً لمصلحة قوى الديمقراطية والتقدم ووقف الحرب ووحدة الوطن.

إيماناً بهذا أوفدني مركز الحزب إلى كوبا لمناقشة بعض قادتها الأساسيين في ذلك الوقت الذين كانوا هناك. وبالفعل انعقد بمساعدة القيادة الكوبية اجتماع لمدة ثلاثة أيام في منتجع فيراديرا الذي يقع على مبعدة من العاصمة هافانا، حضره من جانب الحركة أعضاء القيادة العليا د. لام اكول، وجيمس واني، والمرحوم يوسف كوة وقوبريال اشوت سفير الحركة في كوبا وثلاثة آخرون.

أوضحت لهم الحالة السياسية في البلاد والتحول في ميزان القوى الذي من الممكن أن يحدثه مشاركتهم في الانتخابات، وما سيتمخض عنه من وقف مستدام للحرب ووضع دستور يراعي التعدد وحق المواطنة والمساواة في الحقوق بصرف النظر عن الصرف أو الدين أو الجنس أو اللغة وأوضحنا لهم أننا لا نطلب منكم دفن خنادقكم، أو نزع سلاحكم، أو تسريح محاربيكم أو العدول عن ميثاقكم. اتركوا كل شيء في أمانة الكوبيين الذين وعدونا في اجتماع مع قيادتهم إنهم سيردون كل أمانتكم لكم حتى ما عدتم مرة أخرى. هذا رغم تحفظ الكوبيين على مشاركة الحركة في الانتخابات، دون أن يفصحوا عن ذلك.

لقد فشل ذلك الاجتماع في التوصل إلى وحدة حول خوض الانتخابات، ولهذا نقول إنّ الحركة ارتكبت خطأ تاريخياً بعدم التقدير السياسي السليم. بالرغم من أنها كانت في اوج مجدها بفضل انتصاراتها المتوالية وتقدير الشعب السوداني لإسهابها في إضعاف النظام وتيسير الإطاحة به.

وانهم سيستقبلون استقبال الأبطال، لقد أكدّ الواقع السياسي ذلك فيما بعد فرغم توقيع اتفاقية السلام الشامل بكل عيوبها وسلبياتها، مع نظام لا يقل درجة عن نظام نميري إن لم يكن أكثر منه سوءاً، ورغم حدوث توازن لصالح المؤتمر الوطني بفضل الاتفاقية رغم أنها أوقفت الحرب، إلا أنّ شعب السودان استقبل الشهيد د. جون قرنق في العاصمة الخرطوم استقبالاً فاق كل التصورات.

الآن، لا يستطيع أحد إعادة التاريخ إلى الوراء؛ إلاّ استذكاراً لدروسه والاستفادة من عظاته وعبره. ومالها من تجربة باهظة التكلفة. ففي السنوات الثلاث التي أعقبت الانتخابات تواصلت الحرب وسالت أنهر من دماء أبناء السودان ودمرت مئات القرى وتمهد الطريق لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية. وتصاعدت الحرب بصورة أكثر ضراوة، بل تحولت إلى حرب جهادية في ظل حكم الانقاذ صار فيها المواطن الجنوبي كافراً مستباح دمه.

أليست هذه دروس لابدّ من وضعها في الاعتبار ونحن جميعنا في الجنوب والشمال نواجه واقعاً سياسياً في أكثر منعرجاته حدة، وهو يوشك أن يقذف بالبلاد في هاوية سحيقة.

سيكون الخطأ هذه المرة قاتلاً وممزقاً لوحدة الوطن أرضاً وشعباً بفضل الحرب.

لن نمل تكرار الحديث، بل نصر على إعادته وتكراره – مع ضيق فرص التقعر والمماحكة، أن يجلس الجميع حكومة ومعارضة للتفاكر فيما ينقذ البلاد قبل فوات الآوان

الميدان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1740

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سليمان حامد الحاج
 سليمان حامد الحاج

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة