المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟! (2-2) اا
ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟! (2-2) اا
12-04-2010 03:17 PM

قراءة في المشهد السياسي

ظل المشهد قاتما بعد الاستقلال، فهل سيزداد قتامة بعد الاستفتاء؟! (2-2)
د.الشفيع خضر سعيد

يناير 2011م والمؤتمر الدستوري: .

في المقال السابق، ذكرنا أن الأزمة التي يعيشها السودان اليوم، ليست أزمة عابرة أو مؤقتة أو مستحدثة، وإنما هي أزمة مزمنة تمتد جذورها إلى فجر الاستقلال، ومرتبطة بالفشل في التصدي لمهام ما بعد الاستقلال، المهام التأسيسية لبناء الدولة السودانية والتي ظلت مؤجلة ومتراكمة منذ ذاك الفجر، حيث أسقطتها القوى الاجتماعية السياسية التي اعتلت دست الحكم، سواء عبر الانقلاب العسكري أو الانتخاب الديمقراطي، فلم تركز إلا على كل ما من شأنه أن يضمن بقائها واستمرارها في السلطة، ضاربة عرض الحائط بتنفيذ تلك المهام وبأمنية أن يصبح السودان دولة حديثة مكتملة النمو والنضج بعد أن نال استقلاله. وأشرنا إلى أن الأزمة تفاقمت وازدادت تعقيداً في ظل حكم الإنقاذ، عندما لم يكتفي حزب المؤتمر الوطني بكونه الحزب الحاكم والمسيطر على كل مفاصل أجهزة الدولة، وإنما جعل من نفسه الدولة ذاتها، صاعداً بالأزمة إلى مداها الأقصى، مدى تمزيق وتفتيت الوطن، وهو المدى الذي من المحتمل جداً أن نشهد الفصل الأول منه في يناير القادم. وقلنا في ذات المقال، أن المخرج من هذه الأزمة هو التصدي لتلك المهام المؤجلة وتداعياتها اللاحقة التي زادت الوضع تأزما، عبر آلية ملائمة تنفذ تلك المهام وتنتشل البلاد من هاوية التأزم. وأن عبقرية الشعب السوداني تفتقت عن فكرة المؤتمر القومي الدستوري، باعتباره هذه الآلية الملائمة، والذي، بحكم طبيعته وطبيعة المهام والوظائف ذات الطابع التأسيسي التي سيتصدى لها، سيظل أقرب في دلالته إلى أن يختط السودان بتعدد كياناته القومية والعرقية ومعتقداته الدينية المتعددة وجذوره الثقافية الحضارية المتنوعة، منهجاً لحل معضلاته المزمنة كيما يستقر دولة حديثة جديرة بأهله الطيبين الصابرين، ورقماً ينتزع الاعتراف به في هذا العالم. ولكن النخبة السياسية السودانية أطاحت بهذه الأماني...!
ومن الواضح، أن نفس ذاك المشهد سيتكرر بعد أيام قليلة، في يناير 2011م، عندما تبدأ كتابة فصول الحدث الأهم في مسيرة تاريخ السودان الحديث. وهي فصول، ستتحدد ملامحها وقسماتها وفق نتائج الاستفتاء المزمع إجراؤه عندئذ. فمن الواضح، أن تلك المهام الجسام ذات الطابع التأسيسي لبناء دولة سودان ما بعد الاستقلال، المهام التي فشلت النخبة السياسية في إنجازها فدفعت بالبلاد إلى هاوية التأزم واحتمالات التمزق، والتي تحدثنا عنها بالتفصيل في مقالنا السابق، تلك المهام ستظل تواجهنا منتظرة التصدي الجاد لها لبناء سودان ما بعد الاستفتاء، الموحد أو المنقسم إلى كيانين. بل إن تلك المهام التأسيسية ستضاف إليها مهام أساسية أخرى لا تقل عن تلك المهام التأسيسية أهمية إن لم تكن متطابقة معها من حيث الأهمية والإلزامية والضرورة إذا أردنا فعلا الحفاظ على هذه الرقعة المتمددة في قلب إفريقيا، آمنة وسالمة، بصرف النظر عن كونها، بعد يناير القادم، ستبقى موحدة أو ستتقسم إلى جزئين، أو ربما عدة أجزاء لاحقا..!! وبالتالي يصبح من الضرورة الإشارة إلى أن هذه المهام الجديدة وكيفية تنفيذها، يجب أن تكون في مقدمة أولويات تفكير النخب السياسية في البلاد، غض النظر عن موقع هذه النخب: حاكمة في الشمال أو في الجنوب، معارضة في الشمال أو في الجنوب، وكل نخب ونشطاء العمل السياسي في حركات دارفور وفي شرق البلاد وشمالها، وفي جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان...الخ، إضافة إلى نشطاء المجتمع المدني بمختلف منظماتهم ومواقعهم.
المهام الجديدة، مهام ما بعد الاستفتاء، يمكن، في تقديري، صياغة بنودها الرئيسية في المجموعات الخمس التالية:
1/ إعادة النظر في هيكل إدارة البلاد وتغيير التركيبة السياسية في الشمال والجنوب لصالح توسيع القاعدة الاجتماعية للحكم، وفي نفس الوقت ترسيخ التحول الديمقراطي بكل تفاصيله، غض النظر عن نتيجة الاستفتاء، أي هو بند واجب التنفيذ، بقي السودان موحدا أم تقسم إلى دولتين.
2/ وقف كل ما من شأنه إثارة الكراهية وإشعال فتيل الحرب.
3/ الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين الوليدتين: التكامل الاقتصادي، تبادل الخبرات، الحريات الاربعة، الاستثمار المشترك لمياه النيل، التكامل الاجتماعي، قضايا الامن المشترك بدءا باعتماد كل طرف، الشمال والجنوب، عمقا استراتيجيا أمنيا للآخر وما يترتب على ذلك من مسائل حيوية وحساسة، كمسألة تواجد القواعد العسكرية أو التسهيلات الاستخباراتية أو العسكرية....
4/ تهيئة المناخ لإطلاق ونمو المبادرات الشعبية غير الحكومية بين الكيانين.
5- التعاون المشترك حيال القضايا الاقليمية والتدخلات الدولية، بما يضمن عدم الإضرار بمصالح الشمال والجنوب...الخ
ومن الواضح أن هذه المهام، تمثل من جانب آخر، شروطا صارمة لتحقيق الأمن والاستقرار والتعايش السلمي، أيا كانت نتيجة الاستفتاء، وعدم تنفيذها أوالإخلال بها، يعني أستمرار الأزمة وإعادة إنتاج الحرب. فبعد الاستفتاء وبعد نهاية الفترة الانتقالية رسميا في يوليو 2011، سينشأ وضع جديد في البلاد، في الشمال وفي الجنوب، يتطلب إجراءات مصيرية، مثل: صياغة دستور دائم في الشمال في حالة الانفصال، أو للدولة الموحدة إذا كانت نتيجة الاستفتاء نعم للوحدة، وضع اللبنات التأسيسية لقيام الدولة الوليدة في الجنوب، بما في ذلك صياغة دستورها الدائم...الخ، وهذه الإجراءات، مقرونة بمهام ما بعد الاستفتاء، ومهام ما بعد الاستقلال التي ظلت مؤجلة، كلها تقع ضمن دائرة المهام التأسيسية للدولة السودانية الموحدة، أو للدولتين الوليدتين إذا قال الاستفتاء ذلك. وبهذا المعنى، فهي مهام، كما أشرنا في مقالنا السابق، لا يمكن أن ينجزها حزب واحد أو حزبان أو ائتلاف أغلبية، لأنها في جوهرها هي مهمة شعب بأسره، ومرة أخرى، فإن الأداة والآلية المناسبة لإنخراط الشعب في إنجاز هذه المهمة هي المؤتمر القومي الدستوري. وفي تقديري، فإن الحوار الجنوبي الجنوبي الذي التئم في الجنوب منذ فترة، يمكن أن يتطور ليؤسس للمؤتمر القومي الدستوري في الدولة الوليدة في الجنوب، كما أن عدة عوامل تختمر الآن في الشمال، منها إستمرار حالة التأزم وتفاقمها بعد الانتخابات الأخيرة، وكذلك تفاقمها المتوقع إذا جاء الاستفتاء بالانفصال وما يتحمله المؤتمر الوطني من مسؤولية مباشرة في ذلك، وتفاقمها المستمر مع إستمرار الأزمة والحرب في دارفور، وكذلك دعوة المعارضة وتحضيراتها للمؤتمر الجامع...الخ، كل هذه العوامل تختمر لتجعل من عقد المؤتمر الدستوري في الشمال خطوة لا مناص منها، إلا إذا أراد حزب المؤتمر الوطني أن يكرر تجربة الشمولية الخانقة والقامعة للأخر كما كان الحال في بداية التسعينات، وهي قطعا تجربة إذا تكررت، ستكون بمثابة مقبرته هو قبل أن تفتت الشمال إلى كيانات أخرى. ولعل الخطوة الأولى في طريق نجاح إنجاز هذه المهمة هو تغيير التركيبة السياسية في البلاد، إذ لا يعقل أن يستمر المؤتمر الوطني منفردا بالسلطة في الشمال، وتظل الحركة الشعبية مستفردة بالسلطة في الجنوب وتظل البلاد، شمالا وجنوبا، آمنة ومستقرة. ومن هنا ضرورة تغيير وإستبدال هيمنة الحزب الواحد، المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب، بإدارة سياسية جديدة ذات قاعدة عريضة تهيئ مناخا ملائما للبدء في تنفيذ تلك المهام المؤجلة، مهام بناء الدولة في الشمال أو في الجنوب أو في السودان الموحد، مهام ما بعد الاستقلال ومهام ما بعد الاستفتاء.
هنالك مسألة محورية وجوهرية، بدونها سيكون كل الكلام أعلاه لا معنى له، بل ولأهميتها القصوى، أتوقع أن تكون في صدر المفاوضات الثنائية الدائرة الآن بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، والتي تبحث مستقبل السودان بعد الاستفتاء، للأسف، بعيدا عن أبناء السودان الآخرين...!، وأعني هنا مسألة تسييد الديمقراطية التعددية، بإعتبارها صمام الأمان الوحيد لعبور مرحلة ما بعد الاستفتاء بسلام وإنجاز المهام التأسيسية المصيرية، في الشمال وفي الجنوب، بنجاح يتخطى الانهيارات والكوارث، وبإعتبارها الضامن الوحيد لعافية المجتمع من النعرات القبلية والعرقية والدينية، ونافذة الشفافية والمحاسبة ودرء الفساد. ونحن، عندما نصر ونتمسك بالديمقراطية التعددية، لا بسبب كونها ستسمح بالنشاط السياسي الحر، وهذا سبب مهم جدا، ولكن لسبب أهم وأشمل من ذلك، وهو إن أي شخص من أي عرق أو دين أو ثقافة سيعترف به من قبل الجميع بصفته إنسانا حرا ومستقلا. فالمجتمع التعددي ينبني على اتفاق متساو ومتبادل بين مواطنين من أجل الاعتراف ببعضهم. ومن هنا، ستصبح كارثة كبرى، إذا تراجع أي دستور دائم قادم خطوة للوراء عما أقره الدستور الانتقالي في باب الحقوق والحريات، بل يفترض أن يوسع ويزيد لصالح كفالة أقصى الحريات للفرد والمجتمع، وترسيخ حق ومبدأ المواطنة. وهكذا، فإن الديمقراطية التعددية هي فعلا \"مفتاح الحل لأزمة المجتمع السوداني\"، كما ظل يردد دائما الحزب الشيوعي السوداني.
نحن نتحدث عن الديمقراطية وضرورة الأمن والأمان وفي أذهاننا الواقع المرير الذي يعيشه شعبنا اليوم. فالسلطة التي تحولت بسرعة إلى عالم اقتصاد السوق الحر غير عابئة بالصفعات التي تكيلها لأصداغ العمال والموظفين البؤساء الذين يدفعون ثمن سياسات الإنقاذ الاقتصادية الرعناء، لم ترحم هولاء البؤساء، في قوتهم ولا في حريتهم. وحتى عندما جاءت إتفاقية السلام الشامل، فإن الفترة الانتقالية استمرت مثقوبة الجيوب، دون رتق، فيتناقص كل يوم مخزونها على قلته، حتى إذا جاء اليوم المضروب الأول، أي التحول الديمقراطي وقمته الانتخابات، حصدنا الفشل. واليوم المضروب الثاني على الأبواب،، أي تقرير المصير وقمته الاستفتاء، ونحن والوطن منهكون تماما أمام قضية مفصلية تحتاج لعزيمة جميع بني السودان:... سودان موحد برضى كل مكوناته، أو دولتين على حد الاخاء! ورغم كل هذا الإنهاك والإحباط، لا أظن ان شعب السودان فقد الأمل في مستقبل أفضل. اقول ذلك وأنا ارى في الحواري اجيالا فتية تتطلع إلى الغد بقلق مشروع، وأطفالا تلعب لعب جديدة إسمها \"وحدة أم انفصال\"، والكل يتطلع بصبر إلى النخب السياسية علها تقدر حجم المسؤولية التاريخية.

الاحداث


تعليقات 3 | إهداء 1 | زيارات 1471

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#53630 [سوداني و كفى ]
0.00/5 (0 صوت)

12-05-2010 01:44 PM
بي لهجتنا العامية كدة .. أنا زعلان من نفسي و مننا السودانيين كلنا دي حالة تكون فيها بلدنا و نحن أحياء .. جيل عجيب يرى وطنه يذبح ذبح الشياه و لا يحرك ساكناً .. ده شنو ده ؟؟ و يا الماسكين في الحكم بإيدينهم و كرعينهم ديل بم تصفون أنفسكم و قد ذبحتم الوطن ؟؟ و قاعدين ليه ما تقوموا تروحوا ؟؟ و يا حليل عمر الدوش عندما قال:
حأسأل عن بلد رايح
وافتش عن بلد سايح
واسأل عن امانينا
اللي ما بتدينا
صوت صايح
وأسأل وين مخابينا
إذا جانا الزمن...
لا فح
واسأل عن بلد مجروح
وعارف الجارحو ليه جارح
وابكى على بلد ممدوح
وعارف المادحو
ما مادح
واحلم بي حلم مسروق
لا هو الليلة
لا امبارح


#53248 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-04-2010 05:12 PM
حديثك طيب لكن بعد خراب سوبا الان المشروع هو ان يتفتت السودان فهل هذه النخب السياسية التي تتحدث عنها قادرة علي لملمته من جديد؟


د.الشفيع خضر
د.الشفيع خضر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة