المقالات
منوعات
عندما يغتالنا الحزن في مرافئ الغربة
عندما يغتالنا الحزن في مرافئ الغربة
06-16-2013 06:43 PM


جاءني صوت ياسر ابن أخي ( هادئاً) في ذلك الوقت المبكر من ساعات الصباح الأولى على غير العادة : يا عمي ... أبي (محمد الأمين) أسلم روحه إلى بارئها .. إنا لله وأنا إليه راجعون. كلمات واضحة وبنبرة هادئة ، ولكن كان وقع الخبر على كالصاعقة وأنا لحظتها لم أكن قد استعدت كامل وعي بعد ليلة كنت فيها مجهداً. استجمعت قواي في لحظة خلتها دهراً لأقف متماسكاً أمام ابن أخي وأشجعه على تحمل تلك اللحظات ، فالموقف لا يتحمل أن أكون ضعيفاً أمامه.
كان ذلك اليوم هو فجر الخميس 30 مايو2013م يوم عطلتي الأسبوعية وتليها الجمعة عطلة أيضاً ثم السبت حتى نهاية الدوام لاحصل على جوازي وتأشيرة الخروج ومعنى ذلك السفر في اليوم الرابع أو الخامس. هكذا كتب علينا أن نعيش الحزن مرتين الأولى بعد الخبر الحزين والثانية أن تفشل في السفر وتشاطر أهلك وأبناء أخيك هذه الأيام الصعبة ، فاستسلمت لقدري.
كان أخي ( محمد الأمين ) وهو أكبرنا سناً في مقام الوالد بعد وفاته ، وكنا نلجأ إليه في كل صغيرة وكبيرة. كان من الجيل والرعيل السابق الذين تعلموا كثيراً من الحياة وكانت لهم طقوس ونواميس مثالية يسيرون عليها ، كان اجتماعياً من الطراز الأول فهؤلاء تربوا في زمن غير زمننا وعرفوا معنى صلة ( الرحم ) التي تقود إلى الجنة ولا أزكيه على المولى عز وجل ، ليس كما يحدث الآن في أيامنا هذه من جفاف في العلاقات الاجتماعية حتى وسط الأسرة الواحدة.
تخرج معلماً في الخمسينات وعمل في كوستي في مجال التدريس وتخرج على يديه أجيال وأجيال وأدى دوره بكل مسؤولية واقتدار ، وانتقل إلى العمل مع والده في التجارة بكوستي وتعامل مع الجميع بأخلاقه الرفيعة فكسب الناس قبل أن يكسب السوق ، عرفه أهل كوستي في أفراحهم وأحزانهم وملتقياتهم الاجتماعية. وكان يعرف أهل الحي فرداً فرداً صغيراً وكبيرا ، ويسال عن الجميع وكنا نستغرب من هذا الحرص الشديد ولكنها ( كانت تربية ناس زمان ).
ترك التجارة إلى العمل الوظيفي في مصنع سكر سنار في السبعينات وبعدها إلى الرئاسة في الخرطوم لسنوات ثم تقاعد وعاش في أم درمان حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.
كان صوفياً حتى النخاع لم يغب عن زيارة بلدة (كركوج) قرب سنار في كل مناسباتها الدينية وكان سلفياً حتى الثمالة تراه في عبادته وصلواته وسلوكه الديني وكان منفتحاً في علاقته الإنسانية مع الجميع.
كان قدوتنا في كل شيء ، تعلمت منه الكثير ، فقد كان مثقفاً لدرجة كبيرة وقارئاً من الطراز الأول ، يمسك الجريدة ولا يتركها وإلا وقد أكملها من الصفحة الأولى إلى الأخيرة وإذا أردت أن تدخل الفرح في نفسه فاهديه كتاباً جديداً ولن ينسى لك هذا الجميل والفضل فتعلمت منه قراء الصحف والتي قادتني إلى أن أمتهن عمل الصحافة لأكثر من 30 عاماً وأنا طالب الكيمياء الحيوية بجامعة الخرطوم.
ترك أسرة صغيرة .. الابن الأكبر ( محمد ) ورث عن أبوه حب التصوف فلا يتكلم إلا همساً و (هدى) أورثها حب التعليم والتدريس حتى أصبحت وكيلة مدرسة عليا لتعمل على تخريج أجيال من الأبناء و(لبنى ) المثقفة وخريجة الجامعة مع زوجها في سلطنة عمان الإنسان الراقي عبدالله بولادي والابن (ياسر) الذي تلقى تعليمه في رومانيا ومن ورائهم الأم التي وقفت بجلد وصبر تشد من أزرهم ثم الحفيدة ( روكسانا) الرومانية ابنة ياسر التي أوصتها أمها الرومانية وهي على فراش الموت بألا تتزوج إلى من سوداني وهاهي تنفذ وصية أمها وتقترن بشاب زميلها قبل عام واحد ويفرح الجد أيما فرح وتفرح بها كل العائلة.
في سنوات قليلة فقدت جل أعمامي وجل أخوالي فسكبت الدمع غزيراً في غربة (لا ترحم) ، وفي ظروف أقسى من كل شيء. فقدت العم علي المبارك وحرمه فاطمة وفقدت العمة عرفة وزوجها عبد العاطي وفقدت أخوالي حسن الهدي وسيداحمد الهدي وعوض الهدي كأنهم في سباق مع الموت ... غادروا دنيانا الفانية في تسلسل غريب كأنهم لايريدون فراق بعضهم بعضا. أشقاء دخلوا الحياة بكل نعيمها وأحزانها وغادروها هكذا فجأة دون مقدمات !! الأحزان تترى علينا كل يوم ونحن نتمسك بالصبر ونتجلد في مواجهتها.
أبنائي أتحدث لهم في كل مرة عن أحد أعمامي أو أخوالي وأروي مآثرهم وذكرياتي معهم كيف كانوا وكيف أمسوا وكيف كانت حياتهم نبراساً مضيئا وقبل أن أكمل الرواية يلحقه قريب آخر من العائلة.
أولادنا أنجبناهم في الغربة وفرضنا عليهم العيش في الغربة فعاشوا غربة ( الوطن ) وغربة ( الأهل ) !! هل جنينا عليهم .. لا أدري .. هي ضريبة دفعناها نحن قبلهم وجاء دورهم ليدفعوا الضريبة مضاعفة. تبا (لوطن) دفعنا للخروج دون رغبة منا وسلبنا إرادة البقاء بتلك الظروف القاسية والطاردة!!
يسألني إبني ( مرثد ) عن عمتي فاحكي له كيف كانت تتلقفنا برعاية وتحنو علينا ولا تسمح لأبي أو أمي أن يمسنا أحدهما بشعرة فقد كانت خط دفاعنا الأول إذا ما وقعنا في الخطأ وما أكثر أخطائنا في تلك الأيام ، ولكني لا استطيع المواصلة فقطرات الدمع تهطل كثيراً حزنا عليها وحزنا على أبنائي الذين لم يعرفوا معدن أهلهم ولم يعايشوهم نتيجة غربة زائفة!!
اخي ( أبواللمين ) .. أنت قدوتنا وأنت رائدنا ودليلنا الذي فقدناه ، إن كان الله قد أختارك إلى جواره فلا نملك إلا أن ندعو لك بالرحمة والتوبة والغفران وأن يجعلك من الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ، وإنا لفراقك لمحزونون وما نقول إلا ما يرضي الرب عز وجل ( إنا لله وأنا إليه راجعون ).
معذرة أعزائي
لقد أقحمتكم في موضوع شخصي وحزن شخصي جداً ولكني لم اتمالك نفسي واخرج عن حزن الداخل الذي يمزقنا ونحن نعاقر الزمن تيهاً وهروبا .... وكل يوم تتآكل فينا المشاعر وتتبلد فينا الأحاسيس ولا ندري إلى أين نحن ذاهبون.
شكري إلى الأهل و الأصدقاء في مكة المكرمة وفي جدة وفي هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية عربا وعجما الذين رفعوا عنا مآلات الحزن ونحن في الغربة وشكري لأبناء الجالية السودانية في سلطنة عمان الذين فتحوا دارهم في مسقط لتلقى العزاء عنا وللكثيرين الذين طوقوا أعناقنا بطيب مشاعرهم.
علي عثمان المبارك – صحفي
ali_osman999@yahoo.com
جدة / جوال : 0545708175


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 2552

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#701240 [إسراء حسن عثمان المبارك]
2.75/5 (3 صوت)

06-19-2013 03:48 PM
أسال الله ان يرحمه ويغفر له ويتقبله و يجعل قبره روضة من رياض الجنة ومن عذابه ينجيه ويدخله مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسُن اولئك رفيقا ..(امين).
فقدنا الوالد محمد الأمين ولانزكيه على الله ولكن كان كثير المواصله ..عطوفا.. قارئا للقران ..الحمد لله على م اراد الله ..
يارب يا حنان يا منان إفتح له ابواب رحمتك واصرف عنه عذابك واجزه جنتك و ثوابك (امين)


#700291 [FAISAL]
1.00/5 (1 صوت)

06-18-2013 03:29 PM
أولادنا أنجبناهم في الغربة وفرضنا عليهم العيش في الغربة فعاشوا غربة ( الوطن ) وغربة ( الأهل ) !! هل جنينا عليهم .. لا أدري .. هي ضريبة دفعناها نحن قبلهم وجاء دورهم ليدفعوا الضريبة مضاعفة. تبا (لوطن) دفعنا للخروج دون رغبة منا وسلبنا إرادة البقاء بتلك الظروف القاسية والطاردة!!
اللهم ارحمه واغفر له لا شي يعدل الوطن ايها المسافر المهاجر بل تبا لهم وتبا لمن اخرجنا من ديارنا بغير حق زورا وبهتانا استاثرو بدنياهم ولكن وعد الله قريب صبرا ال المبارك فان موعدهم لقريب


#700279 [osman]
3.39/5 (10 صوت)

06-18-2013 03:21 PM
والله يااستاذ على لم تقحمنا في موضوع شخصى ابدا.الحزن حزن الجميع والالم الم الجميع.ابكتنا مقالتك كثيرا ونكات فىينا الجروح – جروح مماثلة لجروحك –نفس الاحزان ونفس الاهات التى تطلقها وانت في الغربة المميتة نطلقها نحن كذلك ويطلقها الملايين من الاخوة السودانيين الذى تفرقوا ايدى سبا فى دهاليز الارض الواسعة هربا من جحيم وطن كان الامل فيه ان يظلهم بسمائه ويحملهم على ارضه ذات المليون ميل مربع – ولكنه ضاق بهم على سعته وازداد بهم ضيقا عندما مزقته يد الانقاذ الاثمة الى قطعتين متناحرتين—خرج السودانيون من وطنهم هربا من جحيم الانقاذ منهم من تم طرده من عمله ظلما وعدوانا فهام في فيافى الارض طلبا لرزق خذله في وطنه ومنهم من فر خوفا من بطش زبانية النظام المجرمين ومنهم حاصرته ضرائب الانقاذ فقدرت عليه رزقه وصيرته من جموع الفقراء بعد ان كان موسرا—خرجنا كلنا تعددت اسباب وجرائم الانقاذ والغربة واحدة كلها بسبب هذا السرطان الذى نخر في عود الوطن –طالت الغربة وليس هناك من امل قريب في الرجوع –فالوطن كل يوم يزداد قسوة على ابنائه في المهجر بفضل هؤلاء المجرمين الجاثمين على صدره الذين يعيثون فيه فسادكل لحظة وكل دقيقة—لن تجد سودانيا واحدا يحلم بالرجوع لان ذلك امل بعيد المنال—فقدنا كل الاهل ونحن نتجرع احزان الغربة اللعينة—نبكى في دواخلنا كلما فقدنا عزيزا لدينا وقبل ان تجف الدموع يرزانا الدهر بفقد اخر –كل هذه ونحن نلوك الم الغربة بصبر يعجز عنه ايوب –صحيح ان القدر هو القدر والموت هو الموت وكل شئ بامر الله ولكن الصحيح ايضا اننا فرضت علينا هذه الغربة اللعينة بفضل اناس من جلدتنا هم زبالة المؤتمر اللاوطنى----شتت الله شملهم ودمرهم وفرقهم من اهلهم وانزل عليهم باسه الذى لايرد عن القوم المجرمين


#700015 [المغترب القديم]
3.02/5 (9 صوت)

06-18-2013 11:17 AM
رحم الله موتي المسلمين جميعاً ولكن هذه هي الزبدة مما كتب : ( لقد أقحمتكم في موضوع شخصي ).


#698954 [الخمجان]
1.00/5 (1 صوت)

06-17-2013 10:19 AM
احسن الله عزاءكم....والهمكم الصبر...وان يتغمد الفقيد بواسع رحمته...ويرحمهم يرحمنا اذا صرنا الى ما صاروا اليه...


#698876 [سيسينيو]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2013 09:25 AM
اللهم ارحمهم برحمتك الواسعة التي وسعت كل شئ.. وصبرك اخي


#698845 [مهاجر في الغربة]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2013 08:57 AM
اللهم ارحمه واغفر له


#698739 [سودانى طافش]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2013 02:53 AM
أخى على .. لاتحزن فإن رأيت كيف فعلت بنا الغربة فستهون عليك غربتك فأنت وأبنائك على الأقل ليس ببعيدين عن الديار , فنحن فى أرض بعيدة تموت من البرد حيتانها وإن لم تعوج لسانك مثل أهلها فلن تستطيع أن تأكل خبزا, أبنائنا لايعرفون السودان ولغته ناهيك عن أقربائهم أو أجدادهم فعندما وصلنا إلى هنا قلنا إنها بضع سنين ويعود للسودان الأشراق ولكن طال الأنتظار ورحل عنا من نحب ومازلنا ننتظر ..
أخى على .. لم تقحمنا فى شيئ شخصى فالحزن هو الحزن والفراق هو نفس الفراق والموت هو الموت فكلنا نحس باللوعة والألم.. رحم الله من رحل وغفر له ..


#698667 [التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائه]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2013 12:27 AM
اللهم ارحمه واغفر له واجعله من الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا


علي عثمان المبارك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة