مخاطر انفصال جنوب السودان
12-05-2010 08:46 PM

مخاطر انفصال جنوب السودان

بقلم: تاج السر عثمان
[email protected]

لاشك أن المؤتمر الوطني يتحمل مسؤولية تمزيق السودان، وخاصة بعد انقلاب 30 /يونيو/1989م ،الذي قطع الحل السلمي بعد اتفاق الميرغني – قرنق بتعميق الاستعلاء الديني والعرقي والحرب الجهادية التي راح ضحيتها الالاف من المواطنين في الشمال والجنوب، وتكريس المواطنة من الدرجة الثانية باسم الاسلام والشريعة، ونتائج سياساته التي لم يجني منها شعب السودان غير الخراب والدمار، وحتي بعد توقيع اتفاقية نيفاشا ، كانت هناك فرصة تاريخية لتعزيز خيار وحدة السودان بتنفيذ جوهر الاتفاقية الذي يتلخص في التحول الديمقراطي وتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية وقيام انتخابات حرة نزيهة تفتح الطريق لاستفتاء حر نزيه يعزز خيار الوحدة ، كما جاء في الاتفاقية والدستور، واشراك كل القوي السياسية من خلال مؤتمر قومي جامع يسهم في الحل الشامل لمشاكل السودان ويقرر في مصير السودان بدلا من ترك ذلك لشريكين متشاكسين.
ولكن المؤتمر الوطني افرغ اتفاقية نيفاشا من محتواها ، وبقية الاتفاقات(القاهرة، ابوجا، الشرق، ..) وحولها الي وظائف ومناصب، وتم تعميق مشكلة دارفور عن طريق الحل العسكري، وتعميق المأساة الانسانية فيها حتي اصبح رأس النظام مطلوبا أمام المحكمة الجنائية الدولية والتي بدأت آثارها تظهر، ففي أقل من اسبوع لم يحضر البشير قمة الاتحاد الاوربي والافريقي في ليبيا، واحتفالات جمهورية افريقيا الوسطي بالاستقلال بسبب قرار المحكمة الجنائية. كما تواصل الحكومة سياسة العنف والحل العسكري في دارفور مثل: قمع المسيرة السلمية لطلاب جامعة زالنجي مما ادي الي مقتل طالبين واصابة آخرين بجروح ، الشئ الذي وجد الاستنكار الواسع لهذه الجريمة، والمطالبة بتقصي الحقائق حولها، وتقديم الجناة الي المحاكمة.
وكان من نتائج ذلك وصول البلاد الي الأزمة الحالية التي يعمل فيها المؤتمر الوطني لتعطيل الاستفتاء، وعدم الوصول لاتفاق حول ترتيبات مابعد الاستفتاء(ترسيم الحدود، البترول، مياه النيل، المواطنة، ابيي..)، مما يهدد بالعودة الي الحرب، الشئ الذي يتطلب اوسع حملة محلية وعالمية من أجل منع العودة للحرب، والتي سوف تكون آثارها مدمرة علي البلاد ودول الجوار.
كما يواجه الاستفتاء مشاكل (لوجيستية) وعدم التحضير الكافي للبطاقات والكشوفات، مما قد يؤدي الي تأجيله، فبينما تصر الحركة الشعبية علي قيامه في مواعيده، يطالب الوطني بالتاجيل. كما يتخوف العاملون في شركات النفط من عدم الاستقرار الأمني ويلوحون باستقالاتهم لأسباب أمنية، اضافة لضعف عمليات التسجيل في الشمال والجنوب.كما يواصل شريكا الحكم تبادل الاتهامات حول تزوير الاستفتاء
كما تواصل الادارة الامريكية تدخلها ودعوتها الي انفصال الجنوب ، وتدعو هيلاري كلينتون حكومة البشير لتسهيل انفصال الجنوب وحل مشكلة ابيي مقابل العفو عن الرئيس البشير من المحكمة الجنائية.
كما اصبح الصوت الانفصالي عاليا في الجنوب ويتضح ذلك من خلال دعوة الاعلام المحلي في الجنوب الي الانفصال، وغياب تام لدعاة الوحدة في الاعلام.
ومن جانب آخر تطل مخاطر انفصال جنوب السودان الداخلية والاقليمية، ففي داخل البلاد سوف يكون سابقة تؤدي الي انفصال دارفور ، والشرق، وجبال النوبا، وجنوب النيل الأزرق،..الخ، اضافة لمخاطر الحرب، وتدهور الاوضاع الاقتصادية في الشمال والجنوب. وعلي المستوي الاقليمي سوف يؤدي الانفصال الي ظهور حركات انفصالية في تشاد ونيجريا والكونغو، ونسف ميثاق منظمة الوحدة الافريقية التي اقرت الابقاء علي الحدود الحالية بعد الاستقلال من الاستعمار.
كما تستمر السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تكرس الفساد والفوارق الطبقية وفتح الجنوب للشركات متعددة الجنسيات لنهب ثرواته: الزراعية والغابية والحيوانية، والمعدنية(البترول، الذهب ، الماس....الخ)، حيث تخطط امريكا لاخراج الصين من الجنوب، وفتح الباب لشركاتها للاستثمار في مجالات الطاقة والزراعة والمقاولات، كما تنفق سنويا حوالي مليار دولار لبناء وتأهيل الجيش الشعبي وتقديم الاستشارات لشرطة جنوب السودان ، وقيام البنيات الأساسية ( الطرق مثل الطريق البالغ طوله 190 كلم والذي يربط جوبا بنمولي علي الحدود اليوغندية...الخ)، اضافة الي تنمية القطاع الخاص بالتعاون مع وزارة التجارة.
فالجنوب به ثروات كثيرة تفتح شهية الشركات البريطانية، ومن شرق آسيا(اليابان، كوريا الجنوبية..الخ). ولكن هناك مشاكل الفساد في الجنوب وعدم الاستقرار الأمني، والمستنقعات واعتماد 40% من سكانه علي الاغاثات من الأمم المتحدة، اضافة الي تطلع فئات رأسمالية طفيلية من الجنوبيين للثراء السريع عن طريق الفساد والعمولات من الشركات والمؤسسات والأفراد، ونهب قطاع الدولة.
كل ذلك يوضح المصالح الطبقية التي تكمن في الدعوة للانفصال وسط الصفوة الجنوبية الحاكمة وتراجعها عن شعار وحدة السودان علي اسس جديدة. وأن الانفصال مع السير في طريق التنمية الرأسمالية التابعة والذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال لن يحل مشاكل الجنوبيين، بل سيزداد الفقراء فقرا والاغنياء غني، اضافة لتعمق الصراعات القبلية والانقسامات الطبقية، وربما تطل اتجاهات انفصالية أخري في الجنوب، كما حدث في تجربة انفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1972م، فالنزاعات العرقية بين الدينكا والنوير والقبائل الاستوائية سوف تطل برأسها، اضافة الي تحويل الجنوب الي قاعدة امريكية تهدد السلام والاستقرار في المنطقة.
وبالتالي، فانه لامناص من وحدة الحركة السياسية والجماهيرية المعارضة في الجنوب والشمال من اجل الديمقراطية والحل الشامل والعادل لقضية دارفور والتنمية المتوازنة وتحسين الأوضاع المعيشية، ووحدة السودان علي اسس جديدة، وقيام دولة المواطنة التي تكرس المساواة بين المواطنين غض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة، وخلق اوسع جبهة من اجل ازالة النظام الشمولي الذي يهدد البلاد بتمزيقها الي دويلات ونسف الأمن والاستقرار في المنطقة.


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1710

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




تاج السر عثمان
 تاج السر عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة