المقالات
منوعات
حين نظروا إليها!
حين نظروا إليها!
01-12-2016 09:20 AM


*(اليدُ التي صاغت الجمال، أجملُ من
الجمال، وأجملُ منها الخيال الإلهيّ الذي
ابتدعها..).
- راجي الراعي-
.. خطرت بمشيتها أمام عيونهم المفتوحة، كأن الله قد سخَّر لها أرضاً وسماء.‏
فكَّرت بنظراتهم المشدودة صوبها، وقالت في سرِّها: ترى هل من عيبٍ أحاط بي دون أن أدري وهم له مبصرون؟!...‏
أربكها هذا الخاطر أول وهلةٍ للدرجة التي لم تشعر معها كيف أن يدها قد امتدت مشيرةً إلى أول سيارةِ أجرةٍ مقتربةٍ منها تطلب إليها الوقوف.‏
امتثل سائق السيارة لحركة يدها، وقال محدِّثاً ذاته: أيعقل أن أفتتح يومي هذا بمثلها؟!..‏
بعد أن احتلت مكانها في المقعد، وذكرت له اسم الجهة التي ترغب الوصول إليها، أجابها مبتسماً: على رأسي وعيني وروحي... ثمَّ توزَّعت نظرته حائرة بين الطريق الذي أمامه، وحضورها الطاغي عبر صورتها في المرآة المقابلة.‏
حين غادرت السيارة شيَّعها بنظراته، وشكا حظّه العاثر الذي لم يتح له البقاء قريباً منها أكثر من هذه الرحلة القصيرة.‏
نزولها من السيارة، أحدث في المقهى المقابل حركةً غريبةً، ناجمة عن تحريك الكراسي والترابيز بصورة مفاجئة لدى كل روّاده، حين انتبهوا إلى سحرها وهو يهبط عليهم، وقد أفقدهم اتزان اللحظات التي سبقت.‏
لم تُعر انتباهاً لما يجري من حولها، ظناً منها أن هذه الحركات الحاصلة في المقهى جزءاً من التقاليد المتبعة في طبيعة الأحوال.‏
على تربيزة المثقفين في المقهى، وهي الأقرب إلى مكان نزولها، انقطع الحديث الصاخب، وكفّت الحركة، بعد أن أشار الرسّام لزملائه بحركةٍ مهددةٍ بضرورة التزام الصمت، ريثما يتسنى له التقاط اللحظة النادرة.‏
قال الشاعر المتمرّد على أوامر الرسام: هي لي وسحرها جاء يلهمني القصيد، فقاطعه القاص قائلاً: دعك من أوهام الشعر التي تدعي، ودعني أكمل نصي بها، أم تراك تود أن أذكرك بقولهم: "الشعراء يتبعهم الغاوون"؟!...‏
لم يفوِّت الروائي فرصته في الحديث حول هذا الذي يشبه زلزالاً كما وصفه لهم، وتابع قوله: أتدرون أنها رواية قائمة؟!... ثمَّ استدرك القول مصححاً: بل هي ملحمةٌ... وأي ملحمةٍ هي؟!.. تحرّكت خطواتٍ قليلةً على الرصيف، اقتربت من طاولةٍ ينفرد عليها شابٌ يفرد أوراقه أمامه ليعلم الجميع أنه ابن... صحافة.‏
انتفض الشاب دون وعي منه، وزفر بعمقٍ متناسياً أنه في مكان عام، ثمَّ صرخ: هذه هي خبري الأول في عدد الغد...‏
أثار صوته المرتفع انتباه الجالسين على التربيزة المجاورة له، وقال رجل الأعمال لزميله المدير العام: هل حقاً ستكون هذه هي خبره الأول غداً، أم تراها ستأتي بخبره منذ الآن؟!... أجابه جليسه: أميل إلى الشطر الثاني من السؤال.‏
تابعت مشيتها دون اكتراث برجالٍ أو عيون.‏
سياسيٌ شابٌ يتحدث همساً في أذن معلمه المتقاعد: ألست معي في أن الله حباها من الجمال ما يؤهلها لاحتلال قلب أي أمينٍ عامٍ في العالم؟!... ضحك معلّمه المتقاعد معلِّقاً: جمالها يخوِّلها احتلال العقول قبل القلوب، بشكلٍ أمينٍ... وعام.‏
صبي المقهى وقف مذهولاً يحار فيما يفعل، ثمَّ أقسم بالله العلي العظيم أنها أحلى من كل كؤوس الشاي التي أعدّها وقدمها لزبائنه في حياته.‏
ابتعدت عن المقهى، ومرَّت أمام الجزار المنهمك خلف اللحوم المعلّقة هنا وهناك في محله، يعالجها بسكينه الشهير... توقفت يده في الهواء، بينما انجذب نظره نحوها كأن مغناطيساً أفقده القدرة على السيطرة.‏
كان مرورها من أمام محله سريعاً لدرجة تخيَّل معها أنه يحلم، حين عادت يده لتمارس عملها، أخطأت هدفها، وكادت تودي بصاحبها لولا عناية الله التي حضرت.‏
بائع الخضار حين رآها، كتم زفرةً عميقةً لم يدر لها سبباً، بينما كانت هي تبدي إعجابها بحسّه الجمالي الفطري في ترتيب وعرض الخضار.‏
صاحب البقّالة الذي تصادف أن كان وحيداً لحظة مرورها، انتصب واقفاً، وقال: اللهم اجعلها تبارك محلّي لهذا اليوم... يا رب.‏
وصلت إلى مكتب الدعاية والإعلان، فقررت الوقوف لحظةً، أثار اهتمامها بعض التصاميم الإعلانية المعروضة على الواجهة، فانتبه رجل الدعاية في داخل المكتب لوقفتها، تأمل هيئتها التي بدت عليها، وقال: يا الله لو أنها تفكر بالدخول، وطلب العمل عندي... يا إلهي كم هي فتاة إعلانٍ رائعةٍ!!... وقبل أن ينهض لدعوتها مغامراً بما تمليه عليه مكانته، كانت هي تغادر.‏
اقتربت من ممر المشاة استعداداً لعبور الطريق، التبس الأمر على شرطي المرور لرؤيتها، فأطلق صافرته خطأً كاد يؤدي إلى اصطدام عدد من السيارات ببعضها، وتحمَّل لذلك استهجان السائقين، أمَّا هي فعبرت الطريق بسلامٍ كأن شيئاً لم يكن.‏
صالون الحلاقة النسائية في الرصيف الذي وصلته، شهد وقفتها الثانية، فرحت صاحبة الصالون لرؤيتها، فأيقنت بحكم التجربة أنها زبونةٌ رائعة جديدة، ثمَّ منَّت النفس بلقائها، ووعدتها بأجمل تسريحة تناسب هذا الجمال الربّاني... غير أنها تابعت المسير.‏
مذيعة التلفزيون الشابة، التي خرجت لتوّها من صالون الحلاقة، رأتها، وقالت: كيف لم يكتشفوا كل هذا الجمال حتّى اللحظة؟!...‏
حين وصلت بيتها، كان زوجها منهكاً بعد يومٍ طويلٍ من العمل، يتسلّى بمتابعة أخبار التلفزيون... بعد التحية قالت له: أرجوك أن تصدقني القول يا حبيبي، هل من عيب يحيط بي؟!...‏
سألها مستغرباً: وما مناسبة هذا السؤال؟!...‏
ارتاحت قليلاً قبل أن تشرح له شيئاً عن عيونهم التي لاحقتها، حتّى لحظة دخولها البيت.‏
فكّر ملياً قبل أن يجيبها: كل هذا جرى معك في هذا المشوار؟!... ثمَّ تساءل: ترى لماذا ينظرون إليها هكذا؟!... ما الذي يميّزها عن سواها؟!... وماذا كان سيحدث لو كانت على قدر حقيقيٍ من الجمال؟!...
yagobabi@hotmail.com



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2022

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1399827 [النور]
5.00/5 (1 صوت)

01-14-2016 12:23 AM
و الذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا
تحياتي لك أيها اليعقوبابي

[النور]

الدكتور نائل اليعقوبابي
الدكتور نائل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة