المقالات
منوعات
الراويتان
الراويتان
06-20-2013 03:27 AM




[.. إنبجس منبثقا من قلب العتمة.... وامضاً كبرق خاطف.. كان جسماً... غريباً..،. إجترح فضاء المدينة إحتراحاً !!؟، بينما أرهاط من الناس تتدافع مقهورة كصخر حطه السيل من عل.. الحدث.. لم يكن مألوفاً. كان خرقاً ظاهراً لناموس الكون‼].
.. كانوا يلتفون حوله قابعين في سكون.. وقد شد إنتباهم شداًمتوتراً.. وجحظت عيونهم من فرط التحديق نحو الحركة البطيئة الصادرة من بين الشفتين الحادتين كشفرتي موسى..!!؟...
.. لم يجرؤ أحد من رهطهم على طرح سؤال‼.. ألجمت الأفواه.. وخرست الألسن.. وقع الحدث على أنفسهم الهائمة.. كان جسيماً فلم يكن ثمة من يستطيع أن يرفع رأسه إلى أعلى ليبصر مصدر الحدث الجسيم !!؟...
.. حكى الراوية الثاني عن الأول.. معنعناً عن رواة آخرين.. [الموت حصد البشر حصداً.. بينما البنايات قائمة لم تمس..!!؟.. بل كانت علباً لحفظ الموتى.. رائحة الجيف.. كانت تزكم الأنوف.. مبعث تلك الرائحة أجداث آخذة في التحلل.. وقد تستحيل إلى دود يأكل بعضه‼].
.. إمتدت يد وقرصت أذناً.. لعل صاحبها يتيقن أن ما يحدث.. ليس حلماً.. بل كابوساً من صنع البشر.. حكى الراوية الأول [ الليل أخرس.. أستاره الدكناء ... سجن كبير بلا منافذ.. ولا مخارج.. مارواه نظيري.. لم يكن حقيقياً.. لغته كانت عاجزة.. كيف يمكن للغة جردت من جوهر أصالتها.. وسحلت عارية على قارعة الطريق من الناطقين بها.. أن تجرؤ على تصوير ما حدث تصويراً صادقاً.. لا يعتوره الزيف.. ولا يحفه الرياء‼].
.. طأطأت الرؤوس وازدادت ًسكوناً.. حتى أصبحت عديمة النأمة.. زحف الموت متمدداً وباسطاً سطوته على كل مناحي الحياة.. كأن الكون أستدرج استدراجاً!!؟.. للإيقاع به بين براثن الفناء الذي يسبق البعث!.!؟..
.. عصف بأحدهم دون سابق إعلام.. كأن ريحاً هوجاء جلست تحته على حين غرة.. فانفجر كقنبلة ملتوف يدوية.. صارخاً.. ربما فقط لإعلان أن ثمة حياة تدب على ظهر كرة ملتهبة معلقة في فضاء لا نهائي يتهددها السقوط بين الفينة والفينة.. أمد صراخه.. آخر بجرأة فائقة.. كسرت بينه وبين السؤال حاجزاً من الوهم.. تعامد طويلاً...
- ما حدث؟.. أهو فعل ماضي أم مازال مستمراً!؟..
خرج ثالث من مواته.. مفتوناً بحمى الإجتراء..
- كلا.. بل هو تاريخ المستقبل.
- في زمن الحرب يسبق التاريخ المستقبل.. يلتقط الراوية الثاني ذيل الحوار [إنهم يحزون اعناق المستقبل.. فكيف يكون له تاريخاً؟!]
[.. في ليلة من إحدى ليالي "ألف ليلة وليلة" من ليالي "شهريار".. التي ترويها
(شهر زاد) في سعيها الطموح لتأجيل الموت الزؤام الذي ينتظرها وبضع عشرات المئات من بنات جنسها.. تتقاطع خواتم الحكايات لتصير النهاية.. بداية لحكاية جديدة.. ويصبح الراوية موضوعاًيدورحوله الأحداث.. وينتقل من خارج الهامش إلى داخل المتن و..]
.. يستشعر السامعون أن الراوية الأول.. يستهويه الإستطراد طويلاً.. ولا يني يأخذ بتلابيبهم إلى بؤر أخرى.. كأنه يسعى إلى التشويش.. وشغل إنتباهم بأمور إنصرافية.. فيستوقفونه محتجين..
- أين الشاهد في هذا الإستطراد؟
- إنهم يعيدون عهد (هارون الرشيد) في جانبه المخبوء.
- أكان معتماً !!؟
- بالقطع.. لكنه ليس أكثر إعتاماً من عهودهم اللاحقة !!؟...
- جرثومة العدوى.. تطال الحفدة الآن.
- هذه.. ليست عدوى.. بل إرث.. يمازج الدماء ويتنقل متناسلاً بين الأجيال.
.. يلتقط الراوية الثاني طرف الخيط مسترسلاً [إنها محنة الأجيال.. الخطيئة الكبرى تلاحقهم.. أهي لعنة؟.. من إقترف الذنب الأول؟.. إنهم يستمرأون الندم !!؟... ويجدون راحة عظمى في التحسر على ما فات وانقضى.. الماضي وسادة وثيرة.. يسلخون بين أعطافها الناعمة.. جل سنون العمر و…].
أحد القابيعين في سكون.. ينتفض مقاطعاً في احتداد..
- إنظروا إلى الراوية.. لقد استغفلنا.. وصار واعظاً.. أنت هنا لتروي لنا ما حدث بل ما يحدث الآن فقط دون زيادة..أو نقصان !!؟...
- سيل من المداخلات.. يتعاظم طافياً .. فيكتسح الراويتين دونه.. مسلوبي الفعل.. يرغيان كزبد البحر.. ولا يلبثان أن يختفيا.
- ينفجر سؤال. وسط معمعة الإيهام..
- الحدث الجسيم.. متى وقع؟
- وقع أم أنه واقع الآن.. أو سيقع لاحقاً...
- الأزمنة الثلاثة تحاصرنا..
.. كأن ستاراً خفياً.. ينفرج على حين غرة.. فتستدير الأعناق.. في التواء نحو مصدر الصوت الذي يأتي من الخلف.. تحدق العيون مخترقة أسجاف العتمة..
- اللعنة.. الراويتان مرة أخرى يظهران من جديد..
- أنحن نجلس داخل قاعة مسرح !!؟؟.
- ألا ترى - رغم العتمة- ثمة ستارة منفرجة.. ثمة خشبة.. ثمة ممثلان.. أحد الراويتين.. يبتدر الحوار.
- أرم ببصرك نحو الأفق.. ماذا ترى؟
- ماء.. ويابسة..
- فقط؟!
- ماذا تعني؟
- ألا ترى أجساماً غريبة سابحة على وجه الماء وأخرى جاثمة على صدر اليابسة؟!!...
- الأجسام.. لم تعد غريبة.. لأنها صارت جزءً من المكان..
.. يرفع أحدهم يده اليسرى.. ويضع سبابته اليمنى وسط باطن كفه. طالباً فرصة للحديث.. وحينما لم يكن هناك من يعترض.. شرع في الحديث متردداً.
- الواقع برمته.. لم يعد كما كان.. ثمة خارطة جديدة تعيد تشكيل وجهه أو لعله غير ما حسبت.. لا أدري على وجه الدقة ماذا حدث.. أو كيف حدث..؟!!.. أنا لا أتنفس.. أنا عاجز.. أحس شللاً يغزو كل أطرافي.. من يمد يداً لإنقاذي..؟! لا أحد.. لا أحد هذا هو الأمر الوحيد.. الذي أتيقن من حدوثه..!!...
.. ينشغل الأخرون عن صوته المتخافت بالصراع الحاد الذي نشب بين الراويتين على خشبة المسرح الوهمي.. كل يسعى دائباً لحشد قدرات أبعاد حباله الصوتية.. حتى يملأ قنوات الأثير بصراخه..
.. يظل الصراع سجالاً بينهما.. إثنان يتراهنان لصالح من يحسم الصراع.
- الراوية الأول.. أقدر على الإمساك بزمام المبادرة !!...
- تراكم الأحداث.. ومرورها في صمت دون أن نحرك ساكناً.. جعل ذواكرنا لا تعبأ كثيراً باختزانها..!!؟..
.. أحد الرواة.. يأتي فعلاً مثيراً.. يتوقف.. على إثره اللغط.. ويكف المتراهنان عن متابعة الرهان حتى نهاية الشوط.. تلتفت الأنظار نحوهما بينما طائر الإنتباه يحلق فوق الرؤوس.. يمسك الراوية الآخر بمكبر صوت.. ويغلق بيده الأخرى فم نظيره.. وصراخه يصم الآذان.
- الفعل الجسيم لا زال مستمراً..
- لم يكف عن الحدوث بعد.. لا تظنوا أنكم بمنجاة من (الواقعة).. الفناء هو القاعدة الوحيدة في الكون التي يستحيل كسرها.
.. يتصدى له أحدهم مسكوناً بالرعب.
- ألا يكفي ما نحن فيه من عزلة !!؟.. ووحشة.. بل نفي.. أحس كأننا خارج الدنيا.. أين نحن؟؟!...
.. لا أحد يدري على وجه الدقة أين نحن..؟؟! وماذا يحدث الآن؟.. أين الآخرون؟.. يسمع ضجيج فينصرفون عنه إلى حيث يتشاجر الراويتان من أجل الإستيلاء على مكبر الصوت.. يتطور الشجار إلى عراك دام.. ينتهي بتبادل المواقع.. القابض على مكبر الصوت.. يسد فم الآخر بكفه اليسرى.. بينما صوته الداوي يقرع طبول القلوب كطبول الحرب وهو يشير إلى نظيره.
- هذا هو أحد الجناة.. بل أخطرهم..
.. وقبل أن يكرر ما يقول.. يباغته الآخر وينتزع منه وسيطة الاتصال.. ثم لا يلبث أن يجلجل بصوته المكبر صراخاً.
- لا تصغوا إلى تخرصاته.. إنه صدى لأصواتهم.
يتحين غريمه سانحة مواتية.. فيضربوه على ساعده ضربة لازب.. يطيح على إثرها مكبر الصوت ويسقط تحت أقدامهما المتشابكة في ترافس.. بينما صراخهما بصوتيهما المشروخين يتخافت في وهن.
- كلا.. بل هو صنيعتهم المدلل !!؟...
- لا لست أنا.. لقد باع نفسه للشيطان !!؟...
- إن الكذب حرفته.. من يجرؤ على مجاراته ؟؟!...
- أنا هاو.. لست محترفاً مثله.
- ها هو يعترف..!!
- أنا أعترف بالهواية.. لكني أنكر الاحتراف.
- لست أنا..
- إنه هو..
.. وهكذا يسدل الستار.. وقد خمد صوتاهما تماماً بينما مكبر الصوت قد إستحال إلى قطع صغيرة !!؟...
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 558

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفي
فيصل مصطفي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة