المقالات
منوعات
الحياة صعبت علينا وبى أثر فقدك شعرنا..ملامح من سيرة ذاتية
الحياة صعبت علينا وبى أثر فقدك شعرنا..ملامح من سيرة ذاتية
06-21-2013 12:51 PM


منتصف السبعينيات، ونحن نتحسس خطانا الأولى فى رحاب جامعة الخرطوم، ويا لها من رحابة، كان لقاؤنا الأول.
قدمنى اليه زميله فى كلية القانون، وخله الوفى فيما بعد، محمود محمد الطيب.
اللقاء كان تحت شجرة نيم ظليلة على حافة قهوة النشاط.
من الوهلة الاولى، لم يغب عنى أدبه الجم، صوته الهادئ درجة الهمس، والسخرية الكامنة فى نقده للأشياء.
ومع مرور الأيام توطت علاقاتنا.
كم لهينا.. فى جوف الليل، نمشط طرقات الخرطوم الجميلة... من فندق الشرق مروراً بشيش كباب نهاية بـ ..GMH
وربما حملتنا أقدامنا الى حفلات صاخبة جنوب المدينة، البلو استار وعمر قيلى أو الريرإستون أو فرقة جاز الديوم..ومع نسمات الفجرالمنعشة وهواء النيل العليل نخرج منهكين من كافتيريا النيل الأزرق...
فى كل تلك السياحة كان هاجس العدالة القانونية والعدالة الإجتماعية ،بمفهومها الواسع، ملازماً له.
بداية سنتينا الأخيرتين فى الجامعة(1979-1980) أصر ان يستضيفنى(عشوائياً) فى غرفته بداخلية بحر الغزال.وأنا الطالب بكلية الزراعة فى شمبات...
الوضع الذى إستمر حتى تخرجنا من الجامعة.
كان يشاركه السكن معاويه حسن يس- الإعلامى اللامع بهيئة الإذاعة البريطانية فى لندن.
تلك كانت أخصب سنوات حياتى،
ما أن ينفض سامر قهوة النشاط وما حوالها: محمد وردى فى الميدان الشرقى او محمد الأمين فى الميدان الغربى...شرحبيل احمد فى نجيلة الإقتصاد أو د. كمال شداد وانور احمد عثمان فى منتداهما الفلسفى فى سطوح كلية الآداب يحاورون حسن عطية...أو ربما طه جربوع فى ندوه عن القوانين المقيدة للحريات فى نجيلة القانون...
ما أن ينفض ذلك السامر حتى تنعقد ندوة تلقائية فى غرفته وزميله معاوية وثالثهما العشوائى،
فى داخلية بحر الغزال...
يغشى ذلك المنتدى- ضمن آخرين- محمد أحمد تاج الدين الشهير بـ "شرمه" وسفير السودان حالياً الى المغرب..ونيال دينق نيال أحرف لاعب كرة سلة وكابتن فريق الجامعة ووزير خارجية دولة جنوب السودان حالياً..الحسين أحمد صالح المحامى الضليع، ونجم الدين نصرالدين المحامى المتميز...
ومن الغرف المجاورة صالح محمود المحامى والحائز على جائزة الإتحاد الأوروبى عن مجمل إسهاماته فى الدفاع عن حقوق الإنسان...وطه مرغنى رئيس الحزب الناصرى بالجامعة...ومحمد طه محمد أحمد الصحفى والناشر فيما بعد..والصديق رجل الأعمال عبدالباقى بشيرابوعاقلة...
كان هو دائماً واسطة عقد ذاك المنتدى بحواره الهادىْ وآرائه السديده وتشربه بروح القانون وسخريته البارعة فى توصيل أفكاره...
منه ومن الآخرين الذين أثرو ذلك المنتدى إكتسبت ثقافتى القانونية.. وآخر الليل يتحفنا معاوية -بعزفه على عوده المتواضع- بمقاطع من رائعة محمد وردى - بشوف فى شخصك أحلامى..
نتهادى جائعين الى نادى الأساتذة. فالمتعهد الإغريقى، وبحسه التجارى، فتح نافذة خلفيه ليبيع لساريى الليل من الطلبة شندوشات شهيه...الليل الساكن يردد صدى ضحكات إسماعيل أبو وفخرى وسيف التجانى... والإغريقى فى دهشة وحيرة بعد ان أفادهم بالمتاح من الطعام: عندنا شندوشات لسان..!! فيمطره نديم بوابل من الأسئلة التلقائية: لسان شنو؟ لسان العرب؟ لسان طلعت؟ لسان حال الحزب الشيوعى؟
كانت البلاد ذات سمات مدنية... البلابل يكشفن عن نضوجهن الفنى ويصدحن فى مهرجان الثقافة الأول بأغنيتهم الجميلة- رجعنالك- أغنية طويلة بمقاطع متعددة.. ومحمد وردى يفجر أحاسيس عمر الطيب الدوش فى-الحزن القديم-... يقابله محمد الأمين برائعة السر كنه - ذاد الشجون- والتى إستغرق تلحينها تسعة سنوات كاملة لزوم التجويد...!!
د. محمد عبد الحى مدير مصلحة الثقافة...والأديب الضخم جمال محمد أحمد أمين عام المجلس القومى للآداب والفنون..وعمر خيرى - المعروف بجورج إدورد- يخربش بالقلم الشينى على الواح الأبلكاش الرخيصة منتجاً تحفاً فنية غاية فى الإبداع...
معارض التخرج فى كلية الفنون الجميلة وحفلات التخرج فى معهد الموسيقى والمسرح يزيدان ليالى الخرطوم القاً...
المجاميع تتدافع على مداخل المسرح القومى للإستمتاع بتجليات هاشم صديق فى- نبته حبيبتى- وصلاح حسن أحمد يحدث نقلة فى الدراما الإذاعية بـ - حكاية تحت الشمس السخنة- .. وعلى هامش نشاطه الإبداعى يشارك محمد أزهرى إعادة توزيع موسيقى أغنيات خالدات فى الوجدان السودانى، بآلتى العود والفلوت.
بشرى الفاضل يقلب المعايير الفنية للقصة السودانية بـ - حكاية البنت التى طارت عصافيرها- والدبلوماسى جعفر حمام يلخص إحباطاته العاطفية فى- سوزى والمطر-
فريق الجامعه للكرة الطائرة: إسماعيل أبو وأمين عبدالرحيم وحسن تختخ يقارعون أعتى فرق العاصمة، وفريق السلة: نيال دينق ومنزول وفريد يهزمون فرق المقدمة الهلال والألمبى.
نستمتع بعروض شيقة لفرق السلة بداخلية البنات: سميه السر ومنى شبيكه...

وفى عطلة نهاية الإسبوع نرافق صديقنا محمود محمد الطيب الى منزل ذويه، فى برى أبو حشيش...تلك نافذة على عالم آخر، حشد من العباقرة والمبدعين: عبدالله بولا، الباقر موسى، فتح الرحمن خير الله باردوس، خطاب حسن أحمد، ام الخيروهاشم..صلاح الجرق، محمد عبدالمنعم
- فوكس- دكتور محمد يوسف... وأشقاء محمود مريم محمد الطيب وعبدالله محمد الطيب
-أب سفه- ومجيد محمد الطيب زميلى فى كلية الزراعة.
نقضى الليل كله فى جدل فلسفى ونقاش معمق فى الفكر والأدب والفنون.. تعرفنا لاول مره على قرامشى وكنت وكافكا ورينوار وفان خوخ ورامبرنت.. وما حيرنى حقاً كيف تأتى لكل هذا الجمع من الناس ان ينام فى مكان محدود..؟؟ لكنها أريحية أهل البيت وكرمهم وسعة صدرهم التى لم ار لها مثيلاً..
وفى عطلة أخرى لنهاية الإسبوع، نرافق محمود محمد الطيب وإبن خالته عبد الباقى بشير الى منزل خالتهم علوية فى الثورة الحارة السابعة...دارفسيحة فعلاً ومجازًا.. إناس تتفجر دواخلهم فرحاً...تماضر شيخ الدين جمال مصقول وإحساس مسرحى دافق لا تستوعبه خشبات المسرح ولا ميكرفون الإذاعه.. فينفس عن بقية طاقاته المسرحية مع الأصدقاء الزائرين...عفاف شيخ الدين بعزفها البديع على العود تلهم مجموعه هاويه من بنات ونساء ودنوباوى فيتشبع الفضاء الوسيع بدرر من عيون الحقيبه العجيبة...فينتابك إحساس بانك يمكن "ان ترتقى الى السماء على سلم من حبال" او كما قال الإديب الفخيم الطيب صالح..
الصادق والوافر بانت عليهم الموهبة المبكرة..ويستعرضون مهاراتهم البائنة على آلة العود.
هناك إلتقينا بمحمد الأمين بجلابيه وسفنجه اتياً من منزله القريب راجلاً... أبوعركى البخيت يسمعنا ملامح لحنه الجديد - غير المكتمل- لو كنت ناكر للهوى زيك..وهناك أضفنا الى رصيدنا أصدقاءا جدد: عبد العزيز العميرى ورفيقه محمد طه القدال وشاركناهم بلورة فكرة محطة التلفزيون الأهلية.
ترافقنا أنا وهو خلال كل هذه الأجواء وسعدت بصحبتة وبحسه الإنسانى وروحه المرحة، أيما سعادة...

إرهاصات الدولة الدينية تلوح فى الأفق مع نجاح التغيير فى إيران ووصول آية الله روح الله الخمينى الى السلطة...عاكسة رياح الهوس الدينى على البلاد..
جعفر نميرى يعلن عن برنامجه للقيادة الرشيدة ويصدر مسخه العجيب النهج الإسلامى لماذا؟ !!

نهاية 1980 تفرقت بنا السبل، بطبيعة الحال. إنضم هو للسلك القضائى وغاردت أنا الى جامعة الجزيرة بمدنى..ومن ثم البلاد برمتها الى مسقط سلطنة عمان...قبل أن يضرب البلاد - فى سبتمبرالمشئوم- زلزال لم يستوعبه مقياس رختر...أظلمت الدنيا وحار الخلق وإنصفأ بريق الخرطوم الجميلة.
وخلال زياراتى للسودان كنت أختلف إلية فى شقته المتواضعة منطقة الوابورات فى بحرى...
ما أن يغادرقاعة المحكمة (البرلمان القديم) حتى يعكف على دراسة ملفات القضايا الى وقت متأخر من الليل، حرصاً منه على تحقيق العدالة لعامة الناس.
هذا صنف من الناس تدركك خيراته أينما حللت: بداية التسعينيات فى مسقط ، ألتقيت بالصدفة، ولاول مره بالقانونى النابه سيف الدولة حمدناالله عبدالقادر، فى منزل أحد الأصدقاء، وبعد حوار قصير أعلمنى سيف بالعلاقة الوثيقة التى تربطه به، الأمر الذى دفعنى الى الإصرار على سيف لإصطحابى الى منزلى وفوراً...ما شكل بداية لعلاقة صداقة حميمة ربطتنى بسيف على مدى أكثر من عشرون عاماً... وحتى اليوم...
وسيف من الأصدقاء النادرين الذين يشدون الى الرحال وأشد اليهم الرحال فى أصقاع الدنيا المختلفة: أديس أبابا..هولندا...قطر.. دبى والخرطرم الكئيبة !!
وبعد إغتراب طويل، عدت من هولندا الى السودان لأعمل مع أكسفام الهولندية فى سعى لتقديم بعض الواجب نحو مدينتى القضارف.
وخلال سنوات خمس كنت أمتطى البص إسبوعيا للخرطوم لأمتع نفسى بصحبتة والرفيق الآخر نجم الدين نصرالدين..تلك صحبه تنعش الروح وتزكى الفؤاد..
غادر نجم الدين الى الأبد، وغادرت أنا للإستقرار نهائياً فى أديس أبابا...وغادر هو -مضطراً- الى السعودية لإعتلال قلبه المرهف...
كنا ننسق إجازاتنا للقاء فى الخرطوم...نلملم أطراف ما تبقى من شتات الأصدقاء: الحسين أحمد صالح..محمد عبدالمنعم فوكس..د.محمد يوسف...معتصم سرور..على أنغام أوتار خالد الزين المفعمة بالشجن..
لحظات فرح نادرة كانت تبعد عنه- مؤقتاً- طيف الكآبة الذى ظل يلازمة حسرة على وطن كان.

لا أضيف جديداً لكل من عرفه، إن قلت ان صفته المفتاحية هى الوفاء:
الوفاء لمبادئة والوفاء لأصدقائه والوفاء لمهنته والوفاء لذكرى تجربته العاطفية اليتيمة- غير الموفقة- قبل سنوات طويلة خلت.

ويا للحسرة، فعند وداعنا الأخير تواعدنا على اللقاء القادم فى أديس أبابا.. الأمر الذى لم ولن يتحقق..

رحم الله الإنسان النبيل والقانونى الفذ طه أحمد طه سورج.

وعلى المستوى النفسى فقد إنحسرت 37 عاماً من الرفقة العظيمة.

إنا لله وإنا اليه راجعون.
عمر سعيد- أديس أبابا


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2121

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#702859 [اواه]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2013 05:45 PM
يا حليل جامعة الخرطوم في السبعينات و الثمانينات قهوة النشاط و منتدي الفلاسفة و ليمون الاقتصاد و أركان النقاش احمد المصطفي دالي و عمر القراي و جرائد النشاط كانت جامعة و لا كل الجامعات يفتقدها كل من درس بها خلال تلك الفترة الذهبية


#702715 [basir]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2013 01:13 PM
يا سلام عليك يا عمر سعيد يا رائع وتحية لكل من ذكرتهم والرحمة لمولانا سورج


عمر سعيد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة