العميلان
06-21-2013 11:46 PM

ألصق صفحة وجهه بزجاج النافذة المطلة على بانوراما الميدان الفسيح.. كان قلب المدينة مضطرماً. ومواراً هنالك حيث حركة الحياة شريان نابض.. لا يتوقف عن الضخ.. سيل السابلة لا ينقطع.. شتيت من الألوان الصارخة تتداخل متقاطعة.. بينما الزي القومي يبهت.. ويفقد طغيانه.. الجلباب الأبيض.. الفضفاض يقصر.. والعمامة الكبيرة الحلزونية تصغر وتتقلص لفاتها..
تتباين الأزياء وتتنافر.. وتنحسر خصوصية الطابع القومي..
على حين غرة أسقط الصورة الفاقعة لهنيهات وذهنه يلتقط صورة أخرى لم تبهت بعد.. كان صبياً مشاكساً... لا يكف أبداً عن الحركة.. ارتباطاً بما انغرس في الوجدان وتكلس.. حينما شاءت له الأقدار أن تغدر به الأيام.. وتقتلعه من جذوره وترميه بعيداً كجذع شجرة جاف مهمش بفعل اليتم الداهم الذي تركه وحيداً.. لم ينحرف عن مساره الذي رسمته له الأيام.. بل توغل فيه دون أن يلوي على شيء.. فالحصول على لقيمات يقمن الصلب لم يكن أمراً ميسوراً.. لذلك كان يزاحم الكبار قبل الصغار !!... وينزلق كـ(بروة الصابونة) من بين أيديهم مندفعاً ليختفي في لمح البصر وسط بحر هادر من البشر.
... رغم تباعد الأزمنة إلا أن الأمكنة لم تتغير كثيراً وألاعيب الصبية الأشقياء أمثاله.. لا زالت تمارس بذات الطقوس والخبث المكتسب نتيجة للانغماس في بؤر فساد الأمكنة العطنة.. والمتشبعة بعفونة مناخ الأزقة والشوارع الخلفية.. إلا أنه لم يكن يدرك ادراكاً يقينياً إن ما يفعله فيه اعتداء على تخوم ممنوعة.. ربما كان يترسب لديه ما يشبه الخوف.. حينما يزجره أصحاب الحق ويتوعدونه بالعقاب الرادع.. فيشعر أحياناً أن عمليات السطو الصغيرة التي يرتكبها بمساندة أترابه من (الشماسة) فيها خروج صارخ على العرف السائد.. ولكن صراخ الأمعاء والحاجة المتزايدة للضروري من الأغراض.. جعلا حاجز الخوف ينكسر تلقائياً !!؟.... فلم يعد هناك ما يمكن أن يسمى عائقاً نفسياً . فقط عليه أن يشحذ مديته.. ويحكم إحاكة خططه.. ذاك زمان مضى وانقضى.. وتصرمت حبائله.. لكن ضربة البداية كانت هنا.. الشجرة التي تفرعت وظللته بأفنانها
الوريفة .. ربما الزائفة… نبتت هنا في تربة هذا الميدان الفسيح.. كيف كان في مقدوره أن يحمل سلة مليئة بالبيض والحجارة ويصعد بها إلى أعلى؟ !!.. هكذا كان حاله! بعد أن وطئت أقدامه لأول مرة رمال فناء المدرسة الأولية الناعمة.. ولدهشة أقرانه رفقاء السوء كان متفوقاً في مراحل التعليم العام.. رغم التصاقه الفاضح بماض مهتوك العرض.. ومع اكتناز الزمن بعقود من السنين.. اكتنز صدره بقائمة طويلة من الطموحات كان من العسير عليه أن يخرج من بطن الحياة دون أن يحدث بها فتقاً ولا أن يصنع بصمته على خطوطها المتعرجة.. تلك البصمة التي تميزه عن الآخرين..!!؟...
فهو ليس أقل شأناً من بقية البشر فقد أضافته أمه إلى قاطني هذه الزائلة كغيره من بني آدم بعد أن أمضى داخل رحمها تسعة كاملة غير منقوصة.. فلماذا يعتور حياته الانتقاص؟ لعل الاكتمال الآني الظاهر للعيان قد طغى على كل الماضي الدارس وكاد أن يمحوه. (الناس عليها بالظاهر) هكذا كان يقول جده.. جده هذا عرك الحياة وعركته الحياة.. لكنه في نهاية مطافه. تركه ًًًوحيداً مهيض الجناح.. حكمه الشفاهية.. المأخوذة من تجارب هشة لم تسعفه وقت (الزنقة) على حد تعبيره.. بل تهشمت وتفتت على إثر أول صدام حقيقي مع رصفائه.. لم ينفعه الظاهر ولم يشفع له الباطن..!!؟..
هذا زمان مات برحيل جده.. الآن الحال الماثل أمامه تغير.. قائمة الطموحات الطويلة نصفها تحقق.. والنصف الآخر لا زال معلقاً .. ماذا كسب؟؟!...
لقد كسب كل شيء.
ماذا خسر؟.. لم يخسر شيئاً.. سوى فقره.. ونومه تحت مظلات ميدان (أبو جنزير) خاوي البطن.. تغطي جسده الناحل أسمال بالية.. لعله خسر نفسه.. كما يقول العاجزون.. هو لا يملك سوى إجابة واحدة.. إن هذا الإحساس بالخسران النفسي.. لم ينتابه حتى للحظة واحدة.. فقط كان يغزوه إحساس طاغ عقب تجسيد كل مطمح من مطامحه إلى حقيقة ماثلة.. كأنه يسدد لطمة قاسية إلى جسم الفقر المدقع.. المتوارث من خلال نسل العائلة عبر الأزمنة والدهور.. الآن يذكر تماماً ما حدث في ذلك اليوم.. كأنه قد حدث بالأمس القريب.. وقد ظل ثابتاً في الذاكرة.. لا يقبل المحو.. مثل النقش على حجر.!!؟....
كان يوماً غائظاً... لعله من أيام شهر أغسطس.. دخل عليه دون إنذار زميل مراحل التعليم العام.. كان لحظتها يحتسي كوباً من الشاي السادة عقب وجبة فول ساخنة بالجبن والبصل.. وقد امتلأ جدار المعدة.. مما جعله يستجيب إلى حالة الاسترخاء التي شملت كل الجسد بفعل دبيب الخدر ونزيف العرق المتصبب من جميع مسامات هذا الهيكل الهائل من الشحم واللحم !!؟...
انتفض واقفاً وذاكرته تستعيد في لمح البصر كل أجزاء الصورة.. إنه (عثمان الخضر).. النقيض.. ليس ثمة على هذه البسيطة من يصلح لأن يكون نقيصاً له في كل شيء مثل (عثمان الخضر) لكن ما الذي دفع به إلى الإتيان.. إلى هنا؟
أهي الصدفة؟.. محض صدفة.. لا غير..!!؟...
أم الصدفة المفبركة؟!!...
.. أيا كان الأمر.. فإنه حقاً يدعو إلى الدهش إذا لم تكن الحيرة..! !؟...
أزاح كرسياً وأقعده.. ثم طلب له شاياً دون أن يخيره بين الساخن والبارد.. كما جرت العادة في مثل هذه الحالات..!!؟.
تبددت كلمات السؤال عن الحال والأحوال وكل المفردات التي تصاغ منها عبارات المجاملة.. و(عثمان الخضر) لم يجرؤ على الإفشاء عن أسباب هذه الزيارة غير المتوقعة.. وفي ذات الوقت ظل قابعاً وأمامه كوب الشاي الفارغة دون أن يستأذن منصرفاً !!؟...
.. هنا تملك (بخيت الغرباوي) الضيق حينما سقطت عيناه لأول وهلة على الملف المنتفخ الذي يرتمي على الجانب الأيمن من الطاولة.. ومؤشر الساعة الجدارية قد تجاوز منتصف الظهيرة.. تنحنح وكرع كوباً من الماء المثلوج ولكن نقيضه.. لم يبد أي بادرة تشير إلى أنه سيغادر.. فلم يكن ثمة مندوحة من أن يطلب له شراب (الكركديه) ليزداد التصاقاً بكرسي الخيزران حتى نهاية الدوام.. ولعله يكف هو عن رصد أي حركة يصدرها الزائر.. تنبئ عن رغبته في الاستئذان منصرفاً.. فقد أرهقه كثيراً ووتر أعصابه هذا الرصد..!!؟...
استسلم (بخيت الغرباوي) لاقتحام هذا الجسم الغريب قداسة الساعات النادرة الحدوث التي يخلو خلالها إلى نفسه.. وحاول أن يضبط انفعاله حتى لا يصدر عنه أي فعل شائن يخل بثوابت العرف في مثل هذه الحالات.. إلى أن أزاح عن كاهله هذا الهم الثقيل زائره حينما أفصح أخيراً دون تمهيد عن ظلال مبتغاه..!!؟...
- أنا أعلم علم اليقين إن هذا المكان لا يصلح للمساررة.
- المساررة؟‼
- أعني من الأفضل أن يكون هذا في مكان آخر..!!؟..
- مكان آخر؟‼
- لا تتعجل ستعلم كل شيء فيما بعد.
- معذرة.. أنا لا أدري على وجه الدقة عماذا تتحدث؟
- الآن.. ليس مهماً أن تعلم.. المهم أن نحدد المكان.
- أي مكان.؟!!..
- مكان المساررة ...
- ليس بيننا شيء مشترك لنتسارر حوله!..
- نحن نعلم ذلك.. ولهذا جئت إليك..
- أنتم.. من أنتم؟!!...
- ألم أقل لك قبلاً.. لا تتعجل.. والآن أي مكان تقترح؟.. لا تفكر طويلاً إنه منزلك.. الكائن في طرف المدينة مكان هادئ.. ولا سيما خلال ساعات القيلولة..
لا أحد يمر تحت النوافذ.. حتى الأطفال تنقطع حركتهم الدائبة.. ويكونون داخل حيشان منازلهم المتسعة.. ألست معي أن الأمكنة المعزولة والبعيدة عن صخب المدينة.. هي أنسب مكان للمساررة.. وحسب علمنا.. ليس هناك مكان يكتسب هذه الخاصية مثل منزلك..!!؟..
.. تلجلج (بخيت الغرباوي) في مبدأ الأمر.. ولكن سرعان ما انفتحت شهيته الشرهة.. حينما لوح له الزائر برزمة من أوراق النقد.. فوجد نفسه عديم القدرة على المقاومة.. حتى ليبدي شيئاً من الصمود.. ولم تمض هنيهات حتى كانت سيارة الزائر الفارهة تقلهما سوياً في طريقها إلى منزله الكائن في أطراف المدينة.
.. كان (عثمان الخضر) يقود السيارة متخطياً كل الحفر والمطبات بمهارة فائقة.. كأنه قد اعتاد على هذا الطريق وسبر غورها..
.. اختليا منفردين.. لا ثالث لهما سوى الصمت المطبق الذي أشعر (بخيت الغرباوي) بالوحشة وعدم الأمان داخل بيته.. وفي لحظة ما.. كاد أن يدعي رغبته في شراء دخان.. ثم يخرج بلا عودة ويترك الجمل بما حمل إلا أن طموحاته الكبيرة سمرته.. فاستحال عليه انتزاع حقويه الكبيرين من مقعد البلاستيك الذي سجنهما بين شباكه.
.. دون سابق مقدمات.. وئدت في ذهنه تماماً فكرة المغادرة المسببة بلا عودة..!!..
ماذا تنتظر؟
همس (بخيت الغرباوي) لنفسه ثم انزلق إلى الأمام متخلصاً من قاعدة الكرسي الضيقة.
- ألم تحن تهيئة المناخ الذي يرافق طقوس المساررة؟
.. ولج إلى غرفة المطبخ.. تذكر أن ثمة علب داخل الثلاجة تحوي سائلا أصفر.. علها تكون فاتحة شهية لفض بكارة هذا الصمت الخانق..!!؟..
في مبدأ الأمر.. لم يكن الأمر ميسوراً كما صوره لنفسه.. بل احتاج إلى كثير من الضبط والمجالدة.. حتى انفكت العقد.. وانطلقت الألسن.. فتدفقت الكلمات.. ترسم وتخطط وتحدد الأمكنة وتعين الأعوان.. بدا له الهدف مرسوماً بدقة. خطواته.. تفاصيله.. آليته.. لحظة الصفر.. كل شيء محسوب بدقة متناهية.. ومن الجانب الآخر كان المقابل يحتل كل خانات الأصفار التي تقف يمين الرقم واحد !؟؟..
كان رقماً خرافياً.. لم يجرؤ حتى في أحلام يقيظته أن يهفو إليه..!!؟...
.. هنا.. هب (بخيت الغرباوي) ناهضاً كأنه يرتاب في حقيقة الرقم ومدى صدقية هذا الرجل.. لكنه لم يلبث طويلاً أن استعاد وعيه.. وتمكن من القراءة العقلانية لمجمل المعروض عليه.. حينما تصور جسامة المطلوب منه..!!؟...
ولعله أدرك لماذا يقدمون له ذلك الرقم الخرافي لكنه لم يستوعب تماماً لماذا يرهن (عثمان الخضر) مصيره بهم!.. وقبل أن يسترسل في تساؤلاته ابتدره قائلاً كأنه يقرأ أفكاره:
- لا تفكر طويلاً.. مهمتي لا تبدو أقل خطورة من مهمتك.. إلا أن بريق الحياة الخاطف يحني رقاب الرجال.
- ربما يحدث هذا معي فكيف يحدث معك؟
- لقد أضعت كل ما تركه أبي.. ويبدو أنهم كانوا أدرى بشعابي مني فسرعان ما سقطت بين براثن فخاخهم..!!؟...
- إذن.. كان القبول خيارك..!!؟.
- وهل ثمة خيار ثان؟
.. انصرف (عثمان الخضر) بينما ظل (بخيت الغرباوي) ينتف جذور شعيرات ذقنه الحليق.. وذهنه كفتا ميزان دقيق يزن به الخيارات المقدمة من قبلهم والتي تعني في نهاية المطاف خياراً واحداً. لن يستطيع من دونه أن يواجه عصره.. بل من دونه سيظل (بخيت الغرباوي) سليل الشوارع الخلفية والأزقة العطنة عارياً.. لا نسب يطيل عنقه ولا حسب يسنده لترضى به.. ومن يهفو إليها شرفتها عالية!!؟...
إما أن يلعب بهذه الورقة الماضية كحد السيف أو يظل رهين الماضي الآثم‼.. وفي صبيحة اليوم التالي.. كان يلصق وجهه بزجاج نافذة مكتبه المطلة على بانورما الميدان الفسيح.. كأنه للمرة الأخيرة يحاول أن يجد مبرراً مقنعاً يلجم به نوازع العمالة الكامنة في أغوار النفس الجانحة صوب الخنوع !!؟...


فيصل مصطفى
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1246

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة