المقالات
السياسة
تداعيات اغلاق الانبوب
تداعيات اغلاق الانبوب
06-26-2013 08:38 PM

ستلحق الضائقة بالدولتين، ولكنها ستكون أكثر وقعاً على حكومة الجنوب. هذا الرأي قال به أكثر من خبير اقتصادي، وهو يعلق على قرار منع عبور النفط الجنوبي عبر الأراضي السودانية، تنفيذاً لقرارات الرئيس.

وعلى الرغم من أن القرار الرئاسي وجد له أنصاراً في الحكومة، ومن الشعب، وعدّه البعض من قبيل الانتصار للكرامة السودانية، وفرض هيبة الدولة، فإنّ آثاره الاقتصادية الضارة لا تخفى على أحد.

وبعيداً عن ظلاله السالبة على حكومة الجنوب، التي يعتمد اقتصادها على 98% من عائدات النفط، ومدى النكسة الاقتصادية التي ستمنى بها جراء توقف هذا المورد المهم والوحيد، ومن ثم انعكاساته على مناحي الحياة كافة، على الجارة الجنوبية حديثة التكوين، بعيداً عن ذلك فإن أي حديث، أو تقليل من آثاره المضرة بالاقتصاد السوداني، يبقى حديثاً عاطفياً لا يقوى على الوقوف على ساقي الحكمة، بالنظر إلى أوضاع السودان الاقتصادية هذه الأيام، والتي لا تخفى على أحد.

؛؛؛
الغلاء استحكمت حلقاته، وصار ينمو بمتواليات هندسية قياسية، وأصبح بعبعاً مخيفاً للأسر السودانية، تعايشه ليل نهار، أرهق ميزانيتها الشحيحة أصلاً
؛؛؛بعبع الغلاء المخيف
إنّ الغلاء الذي استحكمت حلقاته، وصار ينمو بمتواليات هندسية قياسية، أصبح بعبعاً مخيفاً للأسر السودانية، تعايشه ليل نهار، أرهق ميزانيتها الشحيحة أصلاً، وقادها لفرض حالات تقشف إجبارية غابت فيها أساسيات عن المائدة، وتراجعت تبعاً لذلك بنود صرف مهمه بأمر التقشف.

أحد الأطباء قال إن ما لا تصرفه الأسرة على الغذاء الصحي بدواعي العوز، تضطر لصرف أضعافه على الصحة والعلاج. في حين تحدث تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية، عن نسب عالية من سوء التغذية وسط الأطفال السودانيين.


إغلاق الأنبوب الجنوبي المدر للنفط، سيفاقم من تلك الأوضاع المأساوية -بحسب محللين اقتصاديين مرموقين- لأن المشكلة في السودان -بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور التجاني الطيب- تكمن في وجود الدولار لضرورات النمو الاقتصادي، وتحسين الأحوال المعيشية، ومحذراً في الوقت ذاته من التوسع في الإنفاق الحكومي، بالنظر لمحدودية الموارد، في ظل خروج عائدات رسوم عبور النفط الجنوبي.


عملة وطنية مترنحة
ونقول إن الدولار هو سيد المعاملات، ولا يستقيم أي استيراد إلا به، مما يخلق صراعاً حاداً بغية الحصول عليه، وبأي ثمن، فتقفز أسعاره بدون أية مقدمات، لتشعل بعود الثقاب كل الأسواق، وكل المعاملات، تاركةً عملتنا الوطنية تترنح سقوطاً وهبوطاً دون أن تقوى على الصمود.


مكابر من يقول إن رسوم العبور لبترول الجنوب لا تؤثر فينا، وقد قال اتحاد أصحاب العمل إن التأثيرات ستكون أكبر في الجانب الجنوبي، في حين أن السودان يحتاج لاستيراد العديد من السلع المهمة، وهاهي الصحف تحمل نبأ تأهب السودان لاستيراد كميات من السكر، مع مقدم شهر رمضان.

الأسواق نفسها تعجُّ بأشكال وألوان من منتجات العالم، حتى التفاح تعددت أسعاره، وتباينت بحسب بلاد المنشأ، إذا كانت جنوب إفريقيا، أو شيلي، أو لبنان.

؛؛؛
الدولار هو سيد المعاملات ولا يستقيم الاستيراد إلا به، مما يخلق صراعاً حاداً بغية الحصول عليه، فتقفز أسعاره لتشعل بعود الثقاب كل الأسواق
؛؛؛تبعات وردود فعل
وإذا افترضنا أن النفط الجنوبي عاد للتدفق عبر أراضى السودان، فإن فائدة السودان ستكون ماديةً، وليست عينية كما يقول الخبير الاقتصادي التجاني الطيب، لكنه عاد وقال إلا إذا فشل الجنوبيون في الإيفاء بالتزاماتهم المادية للسودان.

ففي هذه الحالة قد يضطر السودان للجوء إلى الخيار الآخر المنصوص عليه في الاتفاقية، وأخذ حقه عينياً، لكنه سيكون بحساب 15 دولاراً للبرميل، وإن كان سيكون له مردوده في المساعدة على استقرار سعر الصرف، وإن لم يقطع بمعالجة الخلل الاقتصادي العام.

ورأى أن الحل الجذري يكون بزيادة الايرادات، والإصلاح المالي عبر إنعاش القطاعات الحقيقية للإنتاج، والحدّ من التضخم إلى مستوياتٍ أقل.


على أن القرار القاضي بغلق الأنبوب وجد ردود فعل مرنة نوعاً ما من حكومة الجنوب، التي قالت الأخبار إنها قد تبعث مشار إلى الخرطوم لكفكفة تبعاته السالبة بالاقتصاد الجنوبي الهش.

؛؛؛
القرار القاضي بغلق الأنبوب وجد ردود فعل مرنة نوعاً ما من حكومة الجنوب، التي قالت الأخبار إنها قد تبعث مشار إلى الخرطوم
؛؛؛قلق أميركي
الدولة الوليدة أبدت نبرة معتدلة تنادي بعدم الدخول مع حرب مع السودان، ومحاولتها استمالة الحكومة السودانية عبر تأكيدها المضي قدما في تنفيذ الاتفاقات التي أقرتها مع السودان.

مقروءاً ذلك مع التحركات الدبلوماسية لأميركا، وقلقها من تجدد الصراع السوداني الجنوب سوداني، وهي التصريحات التي رفضتها الخرطوم، وقالت على لسان خارجيتها إنها طالبت الإدارة الأميركية تقديم النصح لأصدقائها، في الجنوب بوقف دعمهم للمتمردين، وإيوائهم.

وضرورة الانسحاب من الأراضي السودانية، قاطعةً بأن نصائح تقدمها أميركا للسودان لن تفيد بغير انسحاب الجنوب من الأراضي السودانية، وذكّر السودان أميركا، بأن قراره بإغلاق أنبوب النفط الجنوبي اتخذ بعد استنفاد كل الجهود الدبلوماسية لإقناع جوبا بكف أذاها عن السودان، وقال بيان الخارجية إن كانت أميركا منشغلة بالآثار السالبة لهذا القرار على حكومة الجنوب، فإن عليها تقديم النصح لأصدقائها الجنوبيين لوقف دعمهم وإيوائهم للمتمردين.

؛؛؛
الدولة الوليدة أبدت نبرة معتدلة تنادي بعدم الدخول مع حرب مع السودان، وحاولت استمالة الحكومة السودانية عبر تأكيدها المضي قدما في تنفيذ الاتفاقات
؛؛؛اقتصاد على جمر
ومع اتهام الخرطوم، وإنكار جوبا، يتقلب اقتصاد الدولتين على الجمر تاركاً أوضاعاً ماساويةً على المواطنين في البلدين، اللذين على ما يبدو قد شقيا بنعمة النفط الذي عده أكثر من مراقب المتسبب الأول في الانفصال، عندما ظنّ الجنوب أنه وبمال النفط يمكنه أن يتحول إلى جنة، مستغنياً بذلك عن الشمال الذي رعى، ونفذ، وبارك استقلال دولته، ورضي أن يكون أول المعترفين بالدولة الجديدة، وتحمل سفارته في جوبا الرقم واحد، بل وعد بوضع كل إمكاناته وخبراته تحت تصرف حكام الجنوب الجدد، وشارك رئيسه البشير في احتفالهم بميلاد دولتهم.


إذن كل هذه المزايا قدمها الشمال عربوناً لجوار آمن، وصداقة ممتدة، وإغراءاً بحلم العودة للسودان موحداً من جديد، ولذلك جاءت خيبة أمله كبيرة، مما اعتبره عضّ اليد التي امتدت لجوبا بإحسان، عبر دعمها لمعارضيه بالمال والإيواء، ومن مال النفط الذي يمر بأراضيه صوب موانئ التصدير.

؛؛؛
الأرقام تتحدث عن استفادة السودان من عائدات نفط الجنوب، ما يصل إلى ستة مليار دولار، خلال الأعوام الثلاثة القادمة، وهي مبالغ تستطيع إسعاف الاقتصاد
؛؛؛آثار سالبة إضافية
رغم ذلك فإن الأرقام تتحدث عن استفادة السودان من عائدات نفط الجنوب، ما يصل إلى ستة مليار دولار، خلال الأعوام الثلاثة القادمة.

وهي بمقاييس الايرادات مبالغ مقدرة، تستطيع إسعاف الاقتصاد السوداني المنهك، وتدر عليه قدراً لا باس به من العملات الحرة، التي يمكن توظيفها في ترقيع الموازنة الهشة، التي اعتمدت كثيراً على البترول، متناسيةً؛ قصداً أو سهواً أن الزراعة هي سيدة الإيرادات الأولى وبلا منازع، طوال تاريخ السودان.

وقبل أن يعرف النفط طريقه للاقتصاد السوداني، ويعمل على تغيير النمط الاستهلاكي للسودانيين.


مهما يكن من أمر فإن تداعيات قفل الأنبوب، بدأت آثاره السالبة على السودان في الظهور، مع تجدد المطالبات برفع الدعم عن المحروقات، وزيادة الضرائب كحل إسعافي لإنقاذ الاقتصاد، الأمر الذي رفضه نواب البرلمان، وعدوه خطاً أحمر، وجهر أكثر من برلماني بعدم إجازة أي مقترح كهذا، إذا عرضته المالية عليهم، مبررين ذلك بأن المواطن لا يمكنه أن يتحمل أكثر مما تحمل، وأن المزيد من الأعباء المعيشية ستولد الانفجار.


؛؛؛
الاسعار ارتفعت إلى أرقام قياسية، وباتت الأسواق كقطعة من جحيم تستطيع أن تحرق ببساطة مداخيل الناس الهشة، التي تنتاشها سهام الغلاء في كل السلع
؛؛؛
الأسواق.. قطعة الجحيم
في وقت ارتفعت فيه الاسعار إلى أرقام قياسية، وباتت الأسواق كقطعة من جحيم تستطيع أن تحرق ببساطة مداخيل الناس الهشة، التي تنتاشها سهام الغلاء في كل السلع والخدمات من كل جانب.


مع كل هذا الوضع الكارثي تنشط دوائر في الاتحاد الإفريقي، والدول ذات المصالح في استمرار عبور النفط الجنوبي عبر الأراضي السودانية في كفكفة الأزمة، واحتوائها عبر الدعوة لإعلاء حسابات المصالح، والحوار، والحكمة المفضيين إلى التوصل إلى حلول مرضية دون الحاجة إلى لغة التعنت والتأزيم.


بيد أن الرئيس البشير -وفي فاتحة أعمال جلسات مؤتمر هيئة شورى الوطني، الذي عقد بقاعة الشهيد الزبير للمؤتمرات- قال: إنّ السودان لن ينفذ المصفوفة إلا دفعة واحدة، رافضاً مطالبة جوبا بتنفيذ بند مرور النفط وحده، مبرراً ذلك بأن عائدات نفطهم ستتحول إلى المتمردين الذين يقاتلون الحكومة.


؛؛؛
الرئيس يعيد الكرة إلى منتصف الميدان مرة أخرى، بما يشيء بأن الرهان على نفط الجنوب في هذه الظروف المحتقنة يعد ضرباً من الخيال
؛؛؛كرة فى المنتصف
وهنا يعيد الرئيس الكرة إلى منتصف الميدان مرة أخرى، بما يشيء بأن الرهان على نفط الجنوب في هذه الظروف المحتقنة يعد ضرباً من الخيال، وليس من العقل الاعتماد عليه على الأقل حالياً، ليسعد الدولار والمضاربون فيه، وليستعدوا لإقامة الأفراح، والليالي الملاح على أنغام آهات المعذبين في الأرض من الموظفين، وذوي الدخل المحدود، ورصفائهم من العاطلين، وفاقدي الدخل.


عوداً على بدء؛ مكابرٌ من يقول بألا آثار سالبة على المواطن السوداني، جراء وقف تصدير النفط السوداني. ومهما قالت الحكومة بعكس ذلك فإن البحر يكذّب الغطاس، والنفسية السودانية الهشة تحبطها الشائعة.

والسوق مرآة الاقتصاد التي لا تكذب ولا تتجمّل. ومع الأيام ستجد وزارة المالية نفسها مطالبة بالإجابة على السؤال الكبير:

إلى أيِّ مدى تستطيع السياسات المالية الصمود في ظل موازنة لا تعتمد على ايرادات حقيقية، بعد خروج الزراعة والصناعة، جناحي الصادر السوداني، اللذين كان يحلق بهما عالياً في البلدان الأوربية والعالمية، حاملاً في ركابهما النقد الأجنبي، الذي أصبح وجوده ضربة لازب لتنمية اقتصادية مستدامة؟


عصام الصولى
صحفى اقتصادى


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1092

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#707706 [واحدة]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2013 12:25 PM
دائما حكومة الجنوب ردود افعالها مرنة ودبلوماسية ومسئولة ما زي البلم ليه تلاتة نفر في اي حوش وينطط والهاشمية تشيلو ويصدر قرار وبعد داك يرجع يسف التراب وهاك يا جري وسطاء وجيران عشان يطلع منها


#707562 [osama dai elnaiem]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2013 10:32 AM
مربط الفرس في تعامل راس الدولة مع اتفاقيات اقتصادية مشهودة ويتم نقضها بسهولة ودون ان يرمش له جفن او التفكير في العبء علي موارد السودان في تحمل مصروفات اهلاك انابيب النفط وصيانتها وهي تكلفة تتحملها حكومة السودان-- ثم تحريك البدائل لدولة الجنوب للتفكير في دول عبور للنفط والمونئ بعيدا عن شمال السودان --- علاقة الدولتين في مجالات اقتصادية اخري خلاف النفط ستتاثر--- ربط دولة الجنوب داخليا بسكك حديدية كان من الممكن ان تكون نواته خط السكة حديد في واو ولكن التعنت من جانب السودان سيفتح التفكير في استبعاد هذا الخيار----- هذه وغيرها تشكل عبء اقتصادي كبير علي مستقبل السودان الشمالي يصعب اجراء معالجات له وهو خطا لا يقل عن الاخطاء التي ارتكبناها في التعامل مع مشكلة جنوب السودان منذ 1953 الي حين الانفصال حيث ذات العقلية تتحدث بذات الادبيات والنظريات الاقتصادية الضعيفة المدي.


عصام الصولى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة