المقالات
السياسة
الفترة الانتقالية، مزايا الطول والقصر
الفترة الانتقالية، مزايا الطول والقصر
06-29-2013 06:27 PM

طفح إلي سطح الحراك السياسي هذه الأيام،مرةً أخري، موضوع الفترة الانتقالية لما بعد حكومة البشير وعصبته المجرمة ذات البأس، وكانت وثيقة الفجر الجديد التي وقّع عليها معظم الأحزاب والتنظمات السياسية السودانية في كمبالا بداية العام2013م قد حددت الفترة الانتقالية بأربعة أعوام. ولم يكن هناك إجماع حول الفترة الانتقالية لما بعد النظام الهالك بين قوي الإجماع الوطني(الداخل) والجبهة الثورية السودانية(الخارج) حول الفترة الإنتقالية. فقد جاء في وثيقة "إعادة هيكلة الدولة السودانية" (الجبهة الثورية السودانية) أن تكون الفترة الانتقالية (6) سنوات، بينما في وثيقة "البديل الديمقراطي" (قوي الإجماع الوطني بالداخل) الفترة الانتقالية(3) سنوات. وبعد المداولة وسماع وجهات نظر الطرفين ومبرراتهما، تم الإتفاق علي موقف وسط بأن تكون الفترة الانتقالية(4) سنوات وهي الفترة الواردة في "ميثاق الفجر الجديد" يناير 2013م.. وأرغب في إيراد ملاحظات في موضوع الفترة الانتقالية والمحاذير والمخاطر المرتبطة بها علي النحو التالي:
1) لماذا الإختلاف،المستمر، علي مدة الفترة الانتقالية بين مجموعات الداخل والخارج، وما هي إيجابياتها وسلبياتها ومخاطرها من حيث الطول والقِصَر؟ ويُلاحظ بوضوح أن قوي الهامش(الجبهة الثورية السودانية) يقترحون فترة انتقالية أطول نسبياً(6) سنوات كحد أدني، بينما قوي المركز وعموم الأحزاب السياسية بالداخل يقترحون فترة انتقالية أقصر (3-4) سنوات كحد أقصي.
فبينما يعتقد قوي المركز والأحزاب السياسية بالداخل أنها جاهزة ومنظمة ومستعدة للتحول القادم من خلال الانتخابات التي ستجري نهاية الفترة الانتقالية، وأنها قد اكملت العمل الداخلي التنظيمي بحكم وجودها بالداخل وجاهزيتها لخوض الانتخابات التي ستتمخض عن حكومة منتخبة تضع الدستور الدائم للبلاد، تري القوي الثورية المسلحة خطل التعجٌّل و(الكلفتة) والإنتهازية السياسية، وما يعرف في السودان بـ(دفن الليل أب كراعاً برَّة)!
وبمناسبة الفترة الإنتقالية أزعم أنّ إنفصال جنوب السودان يظل نموذج حي وماثل ومُحزِن لمسألة الإعداد المتعجل والتنافس الغير متكافئ بين قوي مستعدة بحكم تواجدها في الداخل ومتاح امامها ممارسة النشاط السياسي وتنظيم صفوفها وعرض بضاعتها السياسية ببراح وأريحية، وبين قوي جديدة بفكر ورؤي وبرامج ونظم إدارة وحركة جديدة لم يعهدها المواطن السوداني طوال تاريخ تعاطيه مع التنظيمات السياسية، وظلت هذه القوي المسلحة تقاتل، لعقود، نظام مركزي مجرم ومتمرس ومتمترس ومهيمن علي أجهزة اعلام الدولة يستغلها لتزييف الحقائق وتشويه وإهانة صورة الخصوم السياسيين والتنكيل بهم، نظام متخصص في التزييف والكذب والنفاق والفساد والمتاجرة بالدين. نظام ظل يصور حركات الكفاح المسلح (الجبهة الثورية السودانية) بالدخلاء والعمالة والإرتزاق والعنصرية والإستقواء بالأجنبي وكل الصفات الذميمة التي لا يمكن أن تلصق بالثوار الذين يبذلون الغالي والنفيس لأجل هوية حقيقية وحرية وعدالة وديمقراطية ومواطنة متساوية، ومعايير عادلة في إدارة الحكم وجهاز الدولة.
2) لا لوم علي هذه التنظيمات لإصرارهم علي قِصَر الفترة الانتقالية فذلك امر يخصهم رُغم ما فيه من إنكفاء علي مصالح ذاتية ضيقة، مُتخيَّلة ومتوهمة، ولكن يجب أن تُقرع لهم نواقيس الخطر الناجم من تلك المطالبة التي لا توحي بحسن النية وسلامتها، فالأعمال بالنيات و"النية زاملة سيدها".. ولا تردد في تقرير أنَّ جنوب السودان قد ذهب بسبب النيات السيئة لعموم أهل المركز تجاههم، وقصر الفترة الانتقالية المليئة بإنعدام الثقة والمناكفة والمَطَل من الطرف الحكومي الممثِل للمركز، وقد صاحب ذلك إعلام سالب منظم ومغالي في إثارة الكراهية والتحقير والإزدراء ضد الأشقاء في جنوب الوطن(الإنتباهة ومنبر السلام العادل للخال الرئاسي سيئ الذكر نموذجاً، وبتاع الحُقنة إسمو منو؟؟ كمال عبيد.).
وقد دفع ذلك الواقع الوخيم الحركة الشعبية لتحرير السودان لممارسة أقصي درجات المسئولية والوعي والحرص علي سلامة شعب جنوب السودان في نفسه وهويته وكرامته وسلامته الشخصية وعرضه وأرضه وموارده المادية من تلك الحملة الشرسة، والفرز العنصري والديني الخطير.. وعليه، قرر شعب جنوب السودان، مُكرَهَا، مصيره وحفظ آدميته وهويته وكرامته الإنسانية وسلامته الشخصية ودينه، وذلك بالإنفصال والتحرر من الذين يريدون له أن يبدل هويته ولون بشرته ودينه وقيمه ولغاته وطوله وعرضه ليرضي عنه اللئيم(الطيب)مصطفي خال رئيس الجمهورية.
وعليه، عندما أسمع وأري إصرار أحزاب وتنظيمات المركز علي ضرورة قِصَر الفترة الانتقالية لتكرار ما حدث في الجنوب وهي لا تعني أي شيئ غير الرغبة في "الخم" السياسي وتدويخ القوي الموجودة في الخارج والتي تقدم المُهج والأرواح والجراح الغائرات وتعاني أسرهم الدماء والدموع ليل نهار بلا مساعدة أو حتي مجرد الإحساس بهم من احزاب الداخل. ورغم ذلك يجتهد أحزاب الداخل لتقصير الفترة الانتقالية حتي لا تتمكن الجبهة الثورية ومكوناتها من تنظيم نفسها بعد التحرير وانجاز المهام العامة بالإضافة إلي المهام الخاصة بها في التنظيم ونشر الفكر والبرنامج السياسي وإنجاز الإجراءات الإدارية والتنظيمية والإعداد للفترة المقبلة (الانتخابات). فإن هذا النزوع من تنظيمات الداخل في مواجهة الجبهة الثورية السودانية، سيؤدي لتكرار تجربة جنوب السودان. وعمل تنظيمات الداخل واحزابها هذا، مخالف للمبدأ القانوني الإنجليزي القائل “He who comes into equity must come with clean hands” أو، "يجب علي الشخص الذي يأتي إلي العدالة أن يأتِ بأيادٍ نظيفة".
ونقول للقوي السياسية في الداخل التي تريد أن تنخرط بحق في مشروع التغيير الوشيك، أن تاتِ إلي الساحة بأيادٍ نظيفة وقلوب نظيفة، ليس فيها إنتهازية أو محاولة أستغلال فرصة غير متاحة لأحد الأطراف.. وكان فقهاء القانون العام يزدرون عدم التقيُّد بقواعد الفرسان في أي نزاع أو معركة، ويؤسسون عليها أحكامهم، في معني، أنهم لا يقبلون من احد أطراف الصراع أو المعركة أن يستغل ظرفاً غير متاح لخصمه أو غريمه، أو أن يسلك تجاه خصمه مسلكاً قاسياً أو غير ضروري، فلا يقبل من أحد اطراف الصراع أن يستخدم سلاحاً غير متاح لخصمه بحجة أنه كان يدافع عن نفسه (مدفع أر بي جي مقابل عكاز مثلاً) أو أن يصيب خصمه بعدد طعنات غير لازمة فبعضها كافٍ لأغراض حسم المعركة. أو أن يصيب خصمه بعد أن فقد القدرة علي مواصلة الصراع بسبب إصابة بالغة حيدته أو أنه قرر الإنسحاب من المعركة وأعلن ذلك قولاً أو فعلاً. وفي السياسة أيضاً قواعد الفرسان مهمة وإلا فإنَّ محاكم شعوب السودان ستصدر احكاماً ضد قوي المركز وأحزابه لمخالفتها قواعد الفرسان في الممارسة السياسية. شعوب الهامش السوداني الرازحة تحت نير القتل والإبادة ونيران القصف الجوي اليومي من ممثل تنظيمات المركز، حزب المؤتمر الوطني.
دعونا، للمصلحة العامة، أن نتحدث بشفافية إن كنّا نريد أن نؤسس البنيان علي أساس متين يمنع تكرار الماضي المؤلم، والوصول إلي نهايات منصفة وعادلة وسليمة ومنطقية للأشياء: عمر البشير وحزبه المؤتمر الوطني يمثلون الشمال النيلي والمركز ولجميع تنظيمات الداخل والمركز، فهم حاضنته الهووية(من هوية) والسياسية والإجتماعية والعرقية والثقافية والتأريخية وهو يعمل لمصلحتهم وهم يجنون ثمار ما يفعل ويجدون منه الدعم والسند(الصادق المهدي والمرغني أولادهم مساعدو البشير، وشيعتهم وحوارييهم نموذجاً)..أقول هذا للوصول بسرعة إلي نتيجة مهمة هي: علي جميع أهل المركز، بدلاً من الإنصراف حول طول الفترة الانتقالية القادمة، أن يوجهوا كافة جهودهم لإقناع البشير(إبنهم)وشيعته أن يوقفوا، اليوم قبل الغد، حملتهم المسعورة المستمرة لعقد من الزمان في قتل أهل الهامش لأنهم سود وغير عرب وغير مسلمين وما بسمعوا الكلام، والفيديو الأخير لأبناء الشمالية من المؤتمر الوطني بعد معارك أم كرشولا وهم يعبثون ويحتقرون ويسيئون لجثث شهداء أبناء الهامش، وإطلاق هؤلاء المخنثون الشواذ لعبارات عنصرية، ثم وضعهم أرجلهم علي جثامين شهداء الجبهة الثورية.
هذا الفعل قد أبعد أي تقارب محتمل بين أبناء الهامش في الجبهة والثورية، وبين هؤلاء، وهذا العمل يجب أن لا ينسبه أهل الهامش للمؤتمر الوطني وحده، ولكن يجب نسبه لعموم المركز والشمال النيلي علي وجه الخصوص ممن يدّعون العروبة والإسلام ويريدون تحرير أرض السودان من السود والأفارقة القدامي (indigenous) إذاً، المركز بجميع احزابه وتنظيماته ومكوناته الإجتماعية والشمال النيلي العروبي الإسلامي مسئول مباشرةَ عن أي فعل إرتكبه البشير والفئة الباغية، إلي أن يثبت العكس.
إذاً، فالأمر ليس لعباً ولا نزهة ولا علاقات عامة كما يظن ساسة المركز والشمال عندما يجلسون للحديث النرجسي أمام الكاميرات ليدلوا للناس بأمانيهم المريضة الموغلة في الوهم وهي التي ما قتلت يوماً بعوضة.. المسئولية كبيرة ولا نري أي ضوء داخل هذا النفق أو في نهايته. فليكن معلوماً لأحزاب وتنظيمات المركز أن أهل الهامش ما عادوا مستعدون للإستمرار في هذه المتاهة إلي الأبد.
3) لا يستساغ لأحزاب وتنظيمات الداخل أن يبتزو مكونات الجبهة الثورية التي في الأساس لا تثق في تنظيمات المركز التي تعتقد أنها الأحق بالحكم والمقعد الوثير بإعتباره legacy وهذا وجدان سقيم رسي وتعمق في عقول أهل المركز، والحزبان الطائفيان نموذجاً لذلك المرض العضال. فالتغيير القادم يحتاج إلي تغيير في كل شئ، الوجدان والعقل والإعتقاد والتصورات عن الذات والأنا قبل السياسات والبرامج. ويحتاج ذلك أن يردد الجميع كل يوم ألف مرة عبارة مهمة هي: "المواطنة المتساوية" فهذه العبارة والإيمان بها سيكفل ضمان السودان المتبقي دولة واحدة قابلة للحياة viable.. وكنتُ قد اوردت في سلسلة "عربان السودان وإشكال الهوية" هذا الأمر وطلبت من الذين ما زالوا لا يؤمنون بهذه الضرورة، ضرورة الإعتراف ثم إعتماد ثم العمل بمبدأ المواطنة المتساوية لكل السودانين. والشخص الذي لا يستشعر في نفسه القدرة علي الإيمان ثم العمل بحتمية المواطنة المتساوية أن يقضي بقية حياته في مصحات العلاج النفسي فهو مريض.. وأقترح أن تتولي الدولة الجديدة من خلال تشريعات الفترة الانتقالية تحمل نفقات علاج هؤلاء البؤساء. وتجدر الإشارة إلي أنَّ مجانية العلاح لفترة لاتقل عن عقد من الزمان هو مبدأ مهم في دولة مرت بظروف عصيبة كالسودان، وذلك حتي يتساوي السودانيون ليس في الحقوق والواجبات فحسب، ولكن في المداخيل أيضاً، لذلك أعجب لحركات الكفاح المسلح التي تتبني سياسة اقتصادية تقوم علي إقتصاد السوق الحر الذي سيسحق المتبقي من الذين سحقتهم حروب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والإغتصاب الذين قبعوا في معسكرات الذل في الداخل والخارج عِقدٌ من الزمان(10 سنوات) وما زال العرض مستمر!! فماذا يعني لهؤلاء وأولئك إقتصاد السوق الحر غير إزهاق أرواحهم تماماً في السنة الأولي من الفترة الانتقالية.
4) لا نريد للأحزاب السياسية وتنظيمات المركز وعموم الداخل أن ينكفئوا في تفاصيل نرجسية غير واقعية من شاكلة تقصير الفترة الانتقالية لأن ذلك لن يحقق لهم إقتناء البقرة الحلوب التي يتوقون لإمتلاكها، فأي الخيارين أفضل لأحزاب المركز: فترة انتقالية(إنشاء الله عشرة سنوات) يستعد فيها الجميع ويجهزوا للإنتخابات التي سوف تقرر وحدة السودان أو تمزيقه اكثر وضياعه، أم فترة قصيرة يقضيها الناس في المناكفة والتشاكس وبذر المزيد من الكراهية وعدم الثقة ثم تكرار تجربة جنوب السودان، لذلك فإذا أصرت احزاب المركز علي قصر الفترة الانتقالية سوف يوافق عليها اهل الهامش ولكن علي أن تضاف فقرة أخري اسفله بالعبارة التالية: (بنهاية الفترة الانتقالية وفور قيام الانتخابات العامة ينظم استفتاء عام لكل أقاليم السودان، كلٍ علي حدة، ليقرر من خلاله أهل كل إقليم رغبتهم في العيش ضمن دولة السودان الموحدة، أو الانفصال وتأسيس دولتهم المستقلة في إقليمهم.) مع العلم بأنِّ في العجلة الندامة وفي التأني السلامة، وتجربة (اتفاق السلام الشامل 2005م) ماثلة.
فلتعلم احزاب المركز ان الجميع قد شبُّوا عن الطوق فلا مجال بعد اليوم للإستهبال السياسي والإستغفال، والشعب السوداني ما عاد يؤمن بأن أحزاب المركز بمستوي الحصافة والحكمة المطلوبان لإخراج السودان من هذه المحنة الجاثمة، فأعلموا أفادكم الله.
(سأواصل إذا رأيت أن في المواصلة مصلحة عامة لأن الموضوع مهم ومحتاج إلي تناول شفاف)




عبد العزيز عثمان سام
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 817

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة