المقالات
السياسة
أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية
أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية
06-29-2013 11:56 PM

حلم بل هدف استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله في كافة شئونها، من طنجة إلى جاكرتا، ومن غانا إلى فرغانة، ومن الأرز إلى النخيل، ظل يراود كثيرا من المسلمين، خاصة بعد إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا، وفقدان المسلمين لأي مرجعية جامعة، ولو رمزية، مثلما كان حال السلطنة العثمانية في خريف عمرها.

هذا الحلم/الهدف مثّل القاسم المشترك الأكبر بين الحركات الإسلامية جميعا، فمع اختلاف المناهج والمدارس والأساليب والأدوات بين هذه الحركات، إلا أن هدفها بقي واحدا:إقامة الدولة الإسلامية.

ومع أن بعض الحركات الإسلامية ما زالت تنادي لتحقيق هذا الهدف، وجعله في مقدمة الأهداف الأخرى، وأكثرها أولوية، بل شرطا للتقدم نحو أي هدف أو بغية أخرى، مثلما ينادي حزب التحرير بإقامة الخلافة مثلا؛ إلا أن عموم الإسلاميين وأنصارهم، بل السواد الأعظم منهم، قد فترت حماستهم، وخفتت همتهم، وتراجع اندفاعهم، وضعفت عزيمتهم نحو هذا الهدف، وأصبح لديهم أهداف أخرى تسبقه وتتقدم عليه، هذا لو فرضنا أنه ما زال من الأهداف المركزية، وبات حديثهم ينصبّ حول ماهية الدولة المدنية، ومكان الدين فيها، بل انغمس بعضهم في تأويل النصوص، ومحاولة تطويعها لنظرية الدولة "الإسلامية" التي لا تحكم بما أنزل الله، بعكس ما قام عليه التنظير الفكري سنين طويلة، ونلحظ تراجع الإقبال على الأدبيات الحركية والفكرية التي تمجّد هذا الهدف، وتشرح أبعاده، وتبين خطورة الحياد عنه، لا سيما ما قدمه سيد قطب وأبو الأعلى المودودي.. فلماذا هذا الفتور يا ترى؟ ونحن نتحدث عن هدف نبيل، ونعيش عصر تساقط الطغاة؟ وقد كنا دوما نردد قول الله تعالى في سورة المائدة:-
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}،{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ}،{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}

لا شك أن هناك العديد من الأسباب لهذا الفتور؛ وبرأيي فإن أبرز الأسباب وأكثرها تأثيرا على الفرد والجماعة، تتلخص فيما يلي:-

أولا: الإحباط من التجارب وما آلت إليه:-

أواخر سبعينيات القرن العشرين عاشت الأمة بداية الصحوة الإسلامية، وكان الشعور العام أن المارد الإسلامي قد بدأ بالتململ، ورأينا أن الإسلام الذي غيّب عن الساحة، وظل مستبعدا عن إدارة شؤون حياة الناس، بفعل سياسات الأنظمة التابعة للشرق أو الغرب، وحركات المد الماركسي التي انتشرت كالسرطان في جسد الأمة، في أوج تعبها وضعف مناعتها، وكذلك بفعل ما عرف بالمد القومي بشقيه الناصري والبعثي.. فقد عاد الإسلاميون في تلك الفترة بمختلف مدارسهم إلى العمل بحيوية وجدّ ونشاط، يحذوهم الأمل الكبير، بل اليقين بقرب انتصار المشروع الإسلامي، وبدأت المحجبات يظهرن في الشوارع والجامعات، بعد أن كان هذا الأمر شبه مستحيل، ومحل استهجان وسخرية من مجتمعات طال بعدها عن دينها، وامتلأت المساجد بالمصلين، بعد أن كان روّادها فقط كبار السن، وعادت حلقات تعلم القرآن الكريم، وحضر الشريط الإسلامي بقوة بات ينافس بها الأشرطة الأخرى، في زمن كان للشريط(الكاسيت) تأثيره الكبير، وأعفى شباب ورجال لحاهم معلنين أن هذا اقتداء بالسنة المطهرة، وشارك الإسلاميون في العمل النقابي الذي كان حكرا على العلمانيين والماركسيين، وحققوا نتائج جيدة في الانتخابات الطلابية والنقابية، وشمّروا عن سواعدهم لإغاثة الناس خاصة الفقراء، عبر القيام بالأعمال التطوعية والتبرع للمعوزين، وكانت القلوب تخفق فرحة بالتقدم المستمر، وازدياد المنتسبين والمناصرين للصحوة الإسلامية.

ووقعت بالتزامن مع انطلاقة الصحوة (1978-1979م) أحداث أخرى زادتها دفعا، ومن أهمها حدثين كانا وما زالا أحد أهم المؤثرات على المشروع الإسلامي في العالم بأسره؛ وأعني الثورة الإيرانية، واجتياح الجيش الأحمر السوفياتي لأفغانستان وبدء الجهاد الإسلامي المسلح ضده .. يتبع.


-الجزء الثاني-


الثورة الإيرانية أثبتت قدرة الإسلاميين على بناء دولة عصرية، والقدرة على إزاحة أحد أكبر أعوان أمريكا، أي شاه إيران محمد رضا بهلوي، دون أي معونة من السوفييت، مثلما كان يحدث في ظل الحرب الباردة، حين يطاح برجل لواشنطن في أي مكان في العالم تكون موسكو وراء ذلك، والعكس صحيح، إلا في حالة إيران، كما أنه لم يكن للعامل المذهبي والقومي، أي اعتبار في تأييد الجمهور المسلم، العربي والسني للثورة الوليدة وتشجيعها.
أما أفغانستان فهي دولة مسلمة فقيرة، تعرضت لاحتلال قوة عظمى غاشمة، من صلب عقيدتها فكرة (لا إله والحياة مادة) وقد سارع الإسلاميون لنجدة إخوتهم في الدين في أفغانستان بالمال والسلاح والرجال الراغبين في الجهاد بأنفسهم، أو بالتطوع في الأعمال الخيرية، مثل الطبابة والإغاثة وغيرها، ولم ينظر الإسلاميون إلى المسألة الأفغانية من زاوية الصراع الأمريكي-الروسي فحتى لو كان ثمة تقاطع للمصالح؛ فإن الإسلاميين نظروا لأفغانستان على أنها أرض يجب الجهاد ضد الملحدين وعملاؤهم فوقها، ونواة للمشروع الإسلامي الذي سيبدأ من هناك.
وبالتزامن مع التفاعل مع ثورة إيران واجتياح السوفييت لأفغانستان، فإن حدثا كبيرا وقع هذه المرة في مصر؛ حيث اغتال إسلاميون من الجماعة الإسلامية أنور السادات في حادثة المنصة المشهورة، وقد بدا واضحا، أن اليساريين والقوميين عيبوا على السادات كثيرا بسبب كامب ديفيد، وشتموه بالنثر والمنظوم، ولكنهم ظلوا في إطار الكلام والتنظير أما الفعل المباشر المؤثر فهو صنعة الإسلاميين، والحدث دلّ بقوة على أن الإسلاميين يمثلون قوة تستطيع قلب المعادلات وإرباك الحسابات الدولية والإقليمية، وأنهم أهل قدرة على الفعل.
إلا أن التجربتين الإيرانية والأفغانية وغيرهما لم تعيدا للأمة مجدها، ولم يستعد المسلمون رفعة الشأن، ولم يتخلصوا من هيمنة الغرباء، ولم يتحكموا بثرواتهم الوافرة، وقد كان للتجارب المذكورة وغيرها أكبر الأثر في حالة الإحباط التي نراها اليوم في صفوف الإسلاميين، وسأكتفي بالحديث عن ثلاث منها:إيران وأفغانستان والسودان
1) تجربة إيران:بعد فترة وجيزة من نجاح الثورة في إيران، بدأت الأمور تتكشف عن مشروع دولة شعوبية قائمة على تمييز اللغة والثقافة الفارسية، والمذهب الشيعي الجعفري، وظهر ذلك من خلال الدستور الذي صاغه قادة إيران الجدد، مما جعل مسألة الخلاف السني-الشيعي تطفو على السطح؛ صحيح أن الأمريكان، خاصة هنري كيسنجر، قد خططوا وشجعوا على تأجيج هذا الخلاف وإيقاظ الفتنة النائمة، انتقاما لسقوط الشاه، ولكن إيران الجديدة لم تخرج من بوتقة أو فكرة التفوق والتميز الفارسي، والسعي لهيمنة المذهب الشيعي على بقية المذاهب، وهو ما سهل نجاح تلك المخططات، وظهرت إيران مشروعا للفرس أولا ثم الشيعة ثانيا أكثر منها مشروعا للأمة المسلمة؛ ويكفينا دلالة على ذلك الغضب والسعي الدؤوب لتسمية الخليج بـ«الفارسي» ورفض تسميته بالإسلامي أو تركه بلا وصف قومي أو ديني...وقد انـقسمت الحركات الإسلامية فيما بينها في التعاطي مع إيران؛ فهناك من غسل يديه منها، بل اعتبرها عدوّا مركزيا، بسبب العامل المذهبي، وهناك من اعتبرها تجربة ستظهر حقيقتها مع الأيام، ومنهم من رآها أنموذجا يجب أن يحتذى ويطبق، وأخذ الخلاف أحيانا طابعا لا يخلو من العنف، مما زاد من الفتور...كما أن دخول إيران في حرب مع العراق أسفرت عن مليون قتيل على الأقل من الشعبين، لم يكن مقبولا عند جمهور الأمة، خاصة بمرور السنين؛ فلم تعد فكرة معاقبة عراق صدام على الاعتداء على إيران مقبولة، لأن الأولى حقن دماء المسلمين، وبات الناس يرون أنها استنزاف لأرواح ومقدرات جارين مسلمين، وزاد تعنت إيران في الاستجابة لدعوات وقف الحرب من الفتور تجاه ثورتها ودولتها عند قطاعات واسعة من الأمة...إضافة إلى سعي الحجاج الإيرانيين إلى التظاهر والاستنفار في المشاعر المقدسة في مكة المكرمة أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، ومعلوم أنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج؛ وإن كان التبرير الإيراني هو أن الحج مؤتمر للمسلمين يتباحثون فيه أحوالهم إضافة إلى تأديتهم مناسكهم، وهذا صحيح ولكن المؤتمر لا ينعقد أبدا بالاستنفار وتخريب الشعائر، فالأسلوب الإيراني هنا لم يكن سليما البتة...ومع ذلك فإن التجربة الإيرانية بقيت حاضرة في فكر الإسلاميين، وظلت مثالا على أنه يمكن للحركة الإسلامية، أن تقيم دولة عصرية تخوض حربا، وتصمد في وجه عقوبات دولية، وأن تدعم المقاومة ضد الكيان العبري، مثلما فعلت إيران...ولكن بمرور الأيام ازداد الفتور والنفور من التجربة الإيرانية، خاصة بعد أن وقفت موقفا سيئا في التعاطي مع الثورة السورية، في نفس الوقت الذي هللت فيه ورحبت بقيام ثورة في البحرين، مما أظهرها دولة شعوبية تماما، وحرية الشعوب، ومصلحة الأمة المسلمة عندها، هي أمور ثانوية تتقدم عليها مصلحتها الذاتية، وزاد الطين بلة إظهار إيران مطامع في بلاد العرب الخليجية، وهو أمر تستغله أمريكا لإزاحة الأنظار عن الخطر الصهيوني، وللوجود العسكري الدائم في المنطقة، وإبرام صفقات تسلح مع دول الخليج، ما دام خطر إيران قائما!
2) نكبة أفغانستان:كان الإحباط من تجربة أفغانستان كبيرا أيضا؛ فقد انسحب الجيش الأحمر، وبقي عميله محمد نجيب الله بضع سنين في كابول، مع أنه كان يقال أنه لن يصمد سوى شهور قليلة، والسبب يعود إلى الخلافات بين المجاهدين بعضهم مع بعض، وحينما تمكن المجاهدون أخيرا من التغلب على قوات نجيب الله ودخول كابول في 1992م، ما لبثت الخلافات أن انفجرت بين فصائلهم المختلفة، وتحولت إلى حرب أهلية طاحنة سقط خلال السنة الأولى جرّاءها أكثر من 11 ألف قتيل، وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمشردين....ومع أن أمل العديد من الحركات الإسلامية-كما يستوحى من الأدبيات- السنية في البلاد العربية، كان يقوم على أن تكون أفغانستان الأنموذج السني المكافئ لأنموذج إيران الشيعية، إلا أن هذا الحلم تبخر، ولم يعد ثمة مقارنة بين إيران الصاعدة المتقدمة في مجالات علمية وتسليحية شتى وبين أفغانستان النازف جرحها، بل إن الاقتتال الأفغاني عماده كان الفصائل السنية المتناحرة(عددها سبعة) خاصة جماعة غلب الدين حكمتيار مع جماعة برهان الدين رباني وحليفه أحمد شاه سعود، أما الفصائل الشيعية (وعددها ثمانية يمثلها حزب الوحدة) فقد كانت في تحالفات مع بعض المتحاربين السنة وخاضت معارك مع جماعة عبد رب الرسول سيّاف، فالخلاف كان أساسا بين القوى السنية المسلحة، ناهيك عن ظهور النعرات المنبوذة إسلاميا ومنها النعرة القبلية بين مكونات الأفغان مثل البشتون والطاجيك والأوزبك...وتواصلت الحرب والفوضى في تلك البلاد، آخذة معها الأمل في بناء دولة إسلامية مستقرة، أما أن تكون نواة مشروع إسلامي فقد بات الأمر أشبه بنكتة مبكية، ولقد استغلت القوى العلمانية ما جرى للطعن في كل المشروع الإسلامي، وتعيير الإسلاميين بشعاراتهم إبان الجهاد ضد الروس في أفغانستان...وفي 1996م استولت حركة طالبان على مقاليد السلطة في كابول ومعظم المناطق الأفغانية المهمة، ومع أن طالبان قد فرضت الأمن الذي غاب طويلا بسبب أمراء الحرب، وحاربت الكثير من الظواهر السيئة؛ مثل زراعة وتجارة المخدرات، ومنعت إجبار الأرملة على الزواج من شقيق زوجها مثلما كان الحال قبل وصولها إلى الحكم، وأقامت القصاص شنقا على نجيب الله، وهو أمر لم تجرؤ عليه كل قوى المجاهدين الأخرى، بيد أنها انتهجت أسلوبا لا يقوم على الاستحسان، وهو منهج المذهب الحنفي الذي يفترض أنها تتبعه؛ فقد وسعت دائرة الحرام، وضيقت دائرة الحلال، مستندة إلى أدلة نواقضها أقوى منها، وتعاملت بمبدأ التحريم مع كثير من المخترعات العصرية لا سيما التصوير التلفزيوني والفوتوغرافي، ولجأت إلى القوة والبطش لتثبيت مفهومها للإسلام- وهو مفهوم خاضع للجدل من علماء السلف والخلف- بدل اتباع أسلوب النصح والإرشاد، والموعظة الحسنة...وقد وجد من تعاطف وما زال مع حركة طالبان في صفوف الإسلاميين، كما أن مقاومتها الباسلة للغزو الأنجلو-ساكسوني، كانت وستبقى محل تقدير كبير، ولكن كل من تعاطفوا مع طالبان، وعلى المستوى الفردي، لم يكن أي من المناصرين أو المتعاطفين مع طالبان في بلاد العرب على استعداد أن يحكمه نظام مثل نظام طالبان، وجدير بالذكر أن أفغانستان في ظل نظام طالبان ظلت تعيش في توتر وفقر، واعتمد السكان هناك كثيرا على الإغاثات الدولية، وانتهى مشروعها إلى ما انتهى إليه...فكان الإحباط من التجربة الأفغانية التي امتد حلمها أكثر من عقدين من الزمان-بدأ منذ مرحلة الجهاد ضد الروس، وانتهى بحكم طالبان، مرورا باستيلاء المجاهدين على كابول- ضيفا ثقيلا على قلوب كثير من الإسلاميين في العالم. .....يتبع.



الجزء الثالث

3) تجربة السودان: ثورة الإنقاذ الوطني سنة 1989م أطاحت بحكومة الصادق المهدي وتولى مجلس عسكري الحكم، وبعد فترة وجيزة رأينا حالة من الشراكة والتعاون بين الرئيس الفريق عمر البشير والمفكر الإسلامي وزعيم أكبر الحركات الإسلامية السودانية د.حسن الترابي مما أعاد الأمل وبثّ الروح من جديد في استئناف المشروع الإسلامي الذي تعثر، وسادت حالة تأييد وحماسة للوضع السوداني الجديد عند عموم الإسلاميين، وأتذكر كيف كان أئمة مساجد مقربين من الحركة الإسلامية يتحدثون عن السودان، وطعموا حديثهم بما يشبه الخوارق والمعجزات التي تتمتع بها قيادته، القائمة على التقوى والورع، والإدارة السليمة، ومحاربة الفساد وتطبيق الشريعة...إلخ، ومما أنعش الأمل كون السودان سلة غذاء كبيرة، وهو بلد يتمتع بثروات طبيعية هائلة، وهو أكبر بلد عربي من حيث المساحة(2.5 مليون كم2). ولكن تجربة السودان لم تسلم من الخلل؛ فالتعايش بين البشير والترابي انتهى إلى درجة اعتقال الترابي، والأخير أخذ ينسق مع جون جارانج، كما أن العسكر لم يتصرفوا على طريقة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، بحيث يتركون السلطة، ولو تدريجيا، ويسلمونها لحكومة مدنية منتخبة، وأخذت حكومة الإنقاذ تحاول استرضاء الغرب بطرق مختلفة، تارة بإخراج أسامة بن لادن من البلاد، وهو الذي نفذ العديد من المشروعات الحيوية في السودان، خاصة في مجال الشوارع الكبيرة، وتارة أخرى بتسليم كارلوس إلى فرنسا، بل حتى الضغط على حماس للقبول ببرنامج منظمة التحرير، مثلما ينوّه م.إبراهيم غوشة في مذكراته، ولكن الغرب وخاصة أمريكا، وعاملها المخلوع مبارك، كما هي العادة لم يكتفوا، وبقي الابتزاز يمارس ضد الخرطوم، وكلما كان هناك تنازل أتبعوه بآخر، وأخيرا تم فصل جنوب السودان، وهي عملية كان مهندسها عمر سليمان وجاءت إثر تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية عدة.

ومع أن د.حسن الترابي يعتبر أن حدود وخريطة السودان قبل مئتي سنة لم تكن كما كانت عشية التقسيم، ولكن هناك مسئولية أخلاقية ووطنية تتمثل في الحفاظ على الدولة مثلما تسلمتها الإنقاذ، والأدهى والأمر أن مخططات التقسيم لم تتوقف، وهناك أزمة دارفور، وكردفان وغيرها من الأزمات التي توشك أن تحيل السودان إلى مجموعة دول وكيانات على أسس مناطقية أو عرقية.. ولم تتحسن معدلات التنمية في السودان، حتى بعد انتهاء أزمة الجنوب، ولم تحدث في البلد نهضة حقيقية.. فأضيفت تجربة السودان عاملا جديدا من عوامل الإحباط من قيام دولة إسلامية ناجحة.

ثانيا: التسرع وعدم إحسان قراءة الواقع الجيوسياسي:-

ينقص العرب عموما، والإسلاميون خصوصا، مراكز دراسات وأبحاث تعنى بشئون الغرب، وسياساته، ومع أن هناك الكثير من المراكز التي تزعم أنها تختص في هذا المجال، إلا أن الحقيقة أنها عبارة عن مراكز ترجمة ونقل، وما يصدر عنها هو صدى لما يصدر عن مراكز أمريكية أو أوروبية، والقائمين عليها غالبا تحكمهم خلفية ذهنية تؤثر على قراءة واقعية للواقع الجيوسياسي بعيدا عن التهويل أو التهوين، وأحيانا يهمهم التمويل أكثر من منهجية البحث...ويضاف لهذا الفهم المغلوط للتوكل، والإسراف في التفسير الغيبي للواقع، عند عموم الإسلاميين، مع أن الإيمان بالسببية لا يتناقض مع الإيمان بالغيب.

فما معنى أن يكون الحكم على إيران بثنائية الخير المطلق، أو الشر المستطير، بغض النظر عن المنطلق لأي من الحكمين؟ كان يجب أن تكون النظرة لإيران، أنها في ظل الثورة خير من نظام الشاه، ولكنها ليست الأنموذج المرجو، ويفضل عدم العداء معها، ومحاولة التلاقي، والحذر من مطامعها، دون اعتبارها، أشد خطرا من الكيان الصهيوني، وهي تجربة غير قابلة للاستنساخ في مكان آخر نظرا لعدة عوامل. والأهم هو التفكير بما يكيده الغرب وخاصة أمريكا؛ فأمريكا ما كان لها أن تسمح بامتداد التجربة، وتعلمت من درس الشاه، ولهذا نلحظ أن بين سقوط الشاه وسقوط أول دكتاتور عربي 32 سنة، وهي فترة ولد وشب فيها جيل جديد، فكان على المتفائلين ألا يفرطوا بتفاؤلهم حتى لا يصيبهم الإحباط وهم يرون أن إيران دولة فارسية شيعية، أكثر منها دولة إسلامية جامعة.

أما أفغانستان، فيعلم من جاهدوا فيها، وبشرونا أنها نواة المشروع الإسلامي، أن نسبة الأمية فيها أكثر من 85%، وتحكمها عادات وتقاليد أكثر من الدين، والقبلية والعرقية من أسس ثقافة تلك البلد الشعبية، فكيف أقيم مشروعا إسلاميا انطلاقا من بلد هذه أوضاعه الداخلية؟ ناهيك عن موقع الدولة الأفغانية، حيث أنه لا يوجد لها أي منفذ على أي بحر من بحار الأرض، وتحيطها دول مختلفة لها حساباتها وارتباطاتها ومطامعها، وربما كان التعويل على بأس الشعب الأفغاني المشهود له في مقارعة الغزاة، ولكن المشروع الإسلامي ليس مشروعا عسكريا بحتا، وحتى هذه فإننا رأينا أمريكا تتغلغل داخل القبائل بالأوراق الخضراء لتدفع القبائل إلى تسليم من تشتبه بهم أمريكا لا سيما من العرب، وصنعت أمريكا لنفسها عملاء، وأيضا هناك من ليس لها عميلا ولكنه ليس مع طالبان مثلا، وقد رأينا أن الأفغان حينما يرحل الغازي عنهم ينهشون بعضهم.

والسودان بلد أفريقي جار لأكبر عملاء إسرائيل وأمريكا وهو حسني مبارك، ناهيك عن دول فيها قبائل أفريقية مخترقة صهيونيا، ومعلوم الدعم الصهيوني لجارانج، وأيضا من الطبيعي أن من يتسلم السلطة يهمه تثبيت أركان حكمه والحفاظ عليه وهو يعلم يقينا حجم التحديات الخارجية، وهذا يقينا سيكون على حساب أحلام وتطلعات من هم خارج حدود دولته، وأيضا سيلجأ إلى التخلي عن كثير من شعارات آمن بها، أو على الأقل تأجيلها تحت عنوان التكتيك..!

على كل لو أن الواقع جرت قراءته بمنطق أن القوى العظمى وخاصة أمريكا لديها أدوات ضغط كثيرة، ومنها قدرتها على فرض عقوبات مؤلمة(إيران والسودان تخضعان لعقوبات بدعوى دعم الإرهاب) وقدرتها على تجنيد أناس في الداخل، ودول مجاورة تربك المشروع الإسلامي، ولا ينفع هنا اللجوء إلى الطمأنة باستحضار نصوص قرآنية، فحتى رسولنا الكريم وصحبه قد حفروا خندقا استعدادا للغزو.

لقد كان التفكير بأي تجربة إسلامية طفوليا ساذجا، نسي أصحابه أن العالم تحكمه شبكة مصالح تعتبر أن منطقتنا حيوية، وأنه لن يسمح أمريكيا بنجاح مشروع إسلامي حقيقي بسهولة، وأن الأفضل ليس مساومة الغرب، ولا تحديه دون أدوات كافية، بل اللعب بين هذين القطبين حتى انتزاع ما يمكن انتزاعه .. يتبع.
* كاتب فلسطيني- جنين. - [email protected]

دنيا الوطن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 633

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سري سمور
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة