السودان..حردان..!ا
12-08-2010 12:44 PM

رأي

السودان .... حردان!

د.حسن عابدين

فلنحذر الإرتداد إلى مربع العزلة وثقافة الشعارات في سياستنا الخارجية وفي إدارة وعلاقات السودان الدولية.
جاء في محكم التنزيل « سورة القلم» ( وغدوا على حَردٍ قادرين) أي على غيظ وغضب شديد وحقد .
وفي لسان العرب وردت كلمة الحرَد بمعنى التحدي والإعتزال وفي هذا قال جرير :
نبني على سنن العدو بيوتنا لا نستجير ولاَ تَحُلُ حريدا
بمعنى نظهر القوة والتحدي لا الضعف والذلة.
والحرد سلوك فردي احتجاجي يبدأ مع الطفل منذ نعومة الأظافر ولكنه يبقى في القلوب حتى أواخر العمر.
فالصبايا والأمهات يحردن والصبية والآباء كذلك ، بل وكبار السن وإن بلغوا من العمر والخرف مبلغاً فهم يحردون.
الحرد سلوك إنساني وممارسة اجتماعية متجزرة في القلب والوجدان وفي التراث السوداني .. الطفل يحرد الطعام تعبيراً عن غضب ، أو عن أو حزن لظلم أو حرمان وقع عليه أو عقاب لحقه لجريرة صغيرة أو كبيرة ارتكبها ، وقد يحرد المدرسة أو يعتزل الأسرة لحين . وهكذا الشباب والشيب . ولكن الأمة وإن غضبتْ فالدولة لا تغضب ولا تحرد وإن غضب الفرد فيها رئيساً كان أو وزيراً أو مديراً أو مواطناً فرداً.
فمؤسسات الدولة والهيئات الاجتماعية والسياسية والكيانات الإدارية والأجهزة ..... لا تغضب ولا تنفعل لأنها لا تعرف مشاعر الحزن أو الفرح فهي منزهة عن العواطف والأحاسيس ومجردة من المشاعر الإنسانية.
أذكر قبل ثلاثين عاماً ونيف وقف الدكتور الوزير جعفر محمد علي بخيت خطيباً في منبر البرلمان السوداني ( مجلس الشعب المايوي كما كان يسمى آنذاك ) ، وقد احتدم الاختلاف والجدل حول إحدى مواد دستور 1973 : هل يكون دستوراً علمانياً أم إسلامياً...؟ نادى « الإسلاميون « واقترحوا النص في صدر الدستور أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ! إنتقد الدكتور جعفر - رحمه الله - وقد ملك في زمانه وبين أنداده ناصية الحجة والمنطق وطلاقة اللسان ، انتقد ذلك النص قائلاً:
إن الدولة كيان اعتباري وشخصية اعتبارية لا دين لها: فهي لا تصلي ولا تصوم ولا تزكي ... ولا تحج..!! وقال من يفعل هذا وذاك هو المواطن الفرد المسلم الذي يُؤْجر ويثاب إن فعل ويطاله الحساب والعقاب إن لم يفعل.
ساد وغلب رأي الدكتور جعفر ( ولولا المشقة ساد الناس كلهم ) رغم حدة الاختلاف والجدل فتم تعديل المادة لتنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأهم للتشريع والقوانين في الدولة إلى جانب الأديان السماوية الأخرى وكريم المعتقدات.
وقياساً على هذا المنطق وهذه الحجة التي ساقها جعفر ( حذو العقل على العقل) بأن الدولة كائن اعتباري لا وجود مادي له وإنما تتجلى هذه الكينونة في المؤسسات الجماعية وفي السياسات والأجهزة الاقتصادية والأمنية والعسكرية ...... الخ وفي القيادات التي تتحدث نيابة عن هذا الحاضر الغائب : الدولة .
فكل هؤلاء الأشخاص والمؤسسات والسياسيات إنما هم محض ظلال وأحياناً سراب لهذا الكيان.
إن التصريحات الغاضبة التي نسبتها الصحف مؤخراً لوزير خارجيتنا الأستاذ علي كرتي في الرد على موقف دول الاتحاد الأوربي من مشاركة السيد رئيس الجمهورية في قمة الاتحادين : الاتحاد الأوربي والأفريقي في ليبيا .... هذه التصريحات تنطوي على إحياء وتجديد الأزمة النائمة في العلاقات الثنائية بين السودان وأوربا دولاً ومنظمات وهيئات ، وبلا مبرر.
الدولة لا تحرد وتغاضب وتخاصم وإنما تحاور وتفاوض لتأخذ وتعطي ولمصلحة وقد ترفض وتمانع وتحبس...ولمصلحة أيضاً.
كل ذلك في عالم معاصر أضحت فيه الدبلوماسية الأنجح والأكثر جدوى وفاعلية في جلب المصالح ودرء المخاطر، من المخاصمة والمقاطعة والتهديد بقطع المصالح والأرزاق ، ولم يعد في عالم اليوم وفي الثقافة السياسية والعلاقات الدولية مكان لما قال به أبو الطيب المتنبئ قبل ألف عام:
السيف أصدق أنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
وإنما هي الدبلوماسية الأصدق إنباءً من السيف . فلا يجدينا ولا ينفعنا أسلوب التهديد والوعيد لمعاقبة الدول الأوربية لموقف سياسي اتخذته وإن كان خاطئاً وظالماً سيما وأن السودان أعلن في حينه آنذاك رأياً وموقفاً صحيحاً وصريحاً يستنكر ويرفض ولاية المحكمة الجنائية الدولية وحاكميتها على رئيسه أو أي من مواطنيه ، صغر أو كبر شأنه أو موقعه أو مقامه ويؤكد سيادة القانون والقضاء السوداني.
وظل السودان ثابتاً على هذا الموقف المبدئي إلى يومنا هذا فيما ظلت دول الاتحاد الأوربي بدورها على رأيها وموقفها المساند للجنائية خلال العامين الماضيين وحتى البارحة في ليبيا.
إذن ماهو الجديد في الموقف الأوربي وقد تعايش السودان معه من موقع الرفض والإدانة والثبات لأكثر من عامين؟! ماهو الجديد الذي يدعو وزير خارجيتنا ليعلن أن السودان ( الدولة التي يلزم أن لا تحرد) سوف يعيد النظر في علاقاته مع الاتحاد الأوربي وفي دور وسطائه ومبعوثيه للسلام وفي علاقاته الثنائية مع بعض الدول الأوربية باتجاه القطيعة والعداء والمقاطعة؟
وعجبت أن نُسِبَ للسيد الوزير القول إن بعض الشخصيات الأوربية المناوئة والمعادية أصلاً للسودان قد تسربت في الأونة الأخيرة إلى بعض الحكومات الأوربية وإلى مواقع اتخاذ القرار لتسمم العلاقات مع السودان وثبت روح العداء له واستهدافه مجدداً !! أربأ بالسيد الوزير أن يكون قد قال بهذا القول الساذج لتفسير الموقف الليبي في الاعتذار للسيد رئيس الجمهورية عن عدم الترحيب به في قمة سرت الأفريقية الأوربية.
إن مثل هذا القول - إن صح - ليس سوى تبرير مهين مُذِلْ للسودان يدفع به عن ليبيا الشبهات.
وفي الواقع يلزم أن تلام ليبيا في المقام الأول إذ هي الداعية للقمة والمضيفة لها وليس الاتحاد الأوربي.
إذً لا جديد كما أشرنا في موقف الاتحاد الأوربي يثير حفيظة وزير خارجيتنا ويدعوه لإعادة النظر في علاقات السودان بأوربا؟
ويعجب المرء مرة ثانية إنه بالرغم من تمسك الطرفين بموقفيهما من المحكمة الجنائية وولايتها : الأوربيون داعمون لها ومؤيدون لإجراءاتها ، والسودان رافض وثابت على رفضه - إلا أن العلاقات الثنائية بين السودان ومعظم دول الاتحاد الأوربي شهدت خلال العامين الماضيين استقراراً نسبياً محموداً وتواصلاً ديبلوماسياً ملحوظاً في شأن تنفيذ اتفاقية السلام وفي مباحثات الدوحة حول دارفور ... بل إن بريطانيا وجهت دعوة رسمية قبل قرابة أربعة أسابيع للسيد نائب رئيس الجمهورية لزيارة لندن وكان قد تحدد لتمام هذه الزيارة اليوم السادس من هذا الشهر ، كما أن الوزير البريطاني الذي حمل هذه الدعوة للخرطوم صرح بأن بريطانيا ترغب في تنشيط وتطوير التبادل التجاري والاقتصادي مع السودان ولكن وربما تأجلت هذه الزيارة الآن أو ألغيت في أتون المناخ الذي جاءت به قمة سرت وتصريحات السيد الوزير النارية !
إذن ماهو الجديد الشديد الآن الذي يحمل بلادنا وقد وصلت أو كادت إلى نقطة اللاعودة ( الانفصال) ، إلى سودان الزمن الجميل ، سودان المليون ميل مربع . ولفتح جبهة عداء واستعداء جديدة مع أوروبا والتهديد بالإضرار بمصالح بعض دولها في السودان وفي المنطقة ؟ لماذا ؟ ولماذا الآن؟
وقد عجبت مرة ثالثة عندما ارتفعت أصوات بعض نواب برلماننا الأجلاء مطالبين بحرمان بعض الدول الأوربية وشركاتها وشراكاتها من الاستثمار في السودان عقاباً لهم جراء الضغوط التي مارسوها على ليبيا لتحول بين الرئيس وحضور قمة سرت ، ومصدر العجب : من هو المتضرر؟ الاستثمار والمستثمر المطرود أم السودان الطارد لكليهما؟! وختاماً ( مالكم كيف تحكمون ، أم لكم كتاباً فيه تدرسون)..... صدق الله العظيم.

[email protected]


الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1529

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#55899 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2010 05:58 PM
الحديد يا دكتور انو الناس ديل كشوك قلت احسن اشتغلم . وهي بقت علي وزير خارجتك ما كل الجماعة ديل نفس العينة عينة تحت جزمتي بالله في رئيس عاقل بخاف علي بلده بقول الكلام ده .


#55327 [الظاهر ]
0.00/5 (0 صوت)

12-08-2010 10:30 PM
قرينات عجبتنى وما خليت كلمة وراك تتقال .
انت عارف يا قرينات يا اخوى اى انغاذى معفن اختلف مع جماعتو فى طريقة تقسيم الغنيمة وشاف نفسو اتظلم واتغلب عليهم ينتقد ويشتم متخيل بى بساطة كدى انو الناس ح تغفر ليهو الفات ونسو انو الغفور الرحيم دة اللة سبحانة وتعالى ما الشعب السودانى !
نحن فى قانون حياتنا لو غلطة تتحاسب ومن غير رحمة
وليكم يوم يالانغاذيين الفى السلطة والانسلخو منها


#55122 [قرينات]
0.00/5 (0 صوت)

12-08-2010 03:14 PM
الدكتور / حسن عـابدين .. بوق مـن ابواق نظـام البطـش والقمـع والظلم وااللصوصيه والـدجـل .. سـفير نظام البلطجه والفهـلوه والاسـتهبال والاسـتغـفال ، ببريطانيا .. شـاهـده الشـعـب السـوداني ، في الفضائيات مـدافعـا بإسـتماته عـن نـظام القهـر وبيوت الاشـباح .. مسـخرا دكتوراه التي لاتسـاوي أكثر مـن ورقه كناسه ملقاة فـي مكب نفايات ملوثه ، للدفاع عـن الـذين تسببوا في مـذبحـة مئات الالاف مـن المواطنيين السـودانيين الاقحـاح ، المؤهلين أكثر منه ، إلي قـارعة الطـريق في مجـازر الاحـاله للصـالح العـام ، وبصحبتهم الملايين مـن الابرياء مـن أفـراد أسـرهم ، دكتور الشـر الذي دافـع بإستماته عـن نظام بيوت الاشـباح ، دكتور السـوء الـذي لـم ينهاه عـلمـه الـذي دفـع الغـبش كل مليم منه حينما كان التعـليم مجانا ، والسكن الداخلي مجانا ، وأشهي المأكولات تقـدم بالقسم الداخلي علي حسـاب الجوعي والمرضي ذوي العـروق النافـره ، إقتطـع الشعـب السـوداني مـن مرضه وجهله وفقـره ليعـلم أبنائه ، بكل تجـرد وبكل عـظمـه وبكل شـموخ ، ودون مـن ، لـولا هـذا لكان مثل هـذا العـاق حتي اليوم حـاملا خـرج ماء عـلي ظهر حمـار ، مهنة أبائه وأجـداده ، الذين يعـتاشون مـن عـرق جبينهم وكد يمينهم ، وليس لعـق أحـذية القتله وزعـماء العـصابات الاجـراميه .
الغـريب في أمـر مطـرودي هـذه العـصابه المـارقه .. بمجـرد طـردهم ، وإستهلاكهم ، واستنفاد الحوجه لتعـرصتهم ، يعـود اليهـم رشـدهم ، يتبرعـون بالنصـح والارشـاد والثعـلبيه ، وكأننا بلا عـقول وبلاذاكره . عـن أي حـرد تتحـدث !! هـذا غـباء حمـار ( مكادي ) أسـوأ أنواع الحمـير قاطبه ( مـع إحـترامي للحمير ودورها الريادي لاداء المهام التي سـاعـدت الانسان عـبر القـرون ) غـباء دمـر وطـن وهلك مـواطـن ، نتاج حب مـرضي للسلطه ، والمـال ، اسـتخدمت فيه كـل الوسأئل اللااخلاقيه ، واللادينيه ، بل لـم يتورعـوا عـن لبـس عـباءة الـدين ، والاسـائه للديانات السماويه ، وكـريم المعـتقدات . دكتور حسـن عابدين .. سفير البلطجيه في لندن ( سـابقا ) ألعـب غـيرا .


د.حسن عابدين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة