المقالات
السياسة
ثمن قتل وتعذيب الماوماو حفنة جنيهات إسترلينية
ثمن قتل وتعذيب الماوماو حفنة جنيهات إسترلينية
07-02-2013 11:52 AM



سيذكر التاريخ أن انتفاضة مزارعى قبائل الكيكويو الكينية فى 1952 والتى عرفت بثورة الماو ماو على أنها أعظم الثورات فى افريقيا ضد الاستعمار البريطاني الذى هيمن على افريقيا خلال الربع الاخير من القرن التاسع عشر الى منتصف القرن العشرين. هذه الانتفاضة، التى استمرت حتى 1956 مع تمدد ذيولها حتى بداية ستينات القرن العشرين، كان قوامها المزارعين الذين استولى المستعمر على أراضيهم عنوة؛ وفيها فقد أكثر من 90,000 كينى أرواحهم فى مجرى الانتفاضة وأحتجز 160,000 وعذبوا بوحشية شوهت اجسامهم وافقدتهم عقولهم مما جعل معتقلات التعذيب تتحول الى ما يشبه المصحات العقلية. كان البريطانى إيان ستيوارت هندرسون العقل المدبر لاساليب التعذيب الشيطانية وهو الذى خطط ونفذ فى 1954 إعتقال زعيم حركة الماوماو الأسطورى ديدان كيماثي الذى أعدم فى عام 1957،( مُنح هندرسون وسام جورج وهو أعلى ميدالية تمنح لغير العسكريين من قبل الحكومة البريطانية لدوره في قمع انتفاضة الماوماو في كينيا؛ وعمل خلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين مديراً عاما لجهاز الأمن في البحرين ومستشاراً لوزير الداخلية حيث لعب دوراً بارزاً فى تعذيب معارضين بحرينيين.)

لم يعان الماو ماو من بطش الانجليز فقط، بل من خيانة بعض بنى جلدتهم الذين مدوا يد العون للمستعمر فى سعيه لتحطيم حركتهم. وعرضاً نذكر، على غير ما هو شائع، أن جومو كنياتا لم يكن يتعاطف مع حركة الماو ماو، ومنذ وقت مبكر نفى أى علاقة تجمعه بها. بالطبع لم يكن كنياتا مخبراً لدى الانجليز، وفى واقع الأمر أنه سجن لبضع سنوات بتهمة ملفقة بالإنتماء للماو ماو لمعارضته للإنجليز من منطلق إجتماعى يختلف عن منطلق المزارعيين فى حركة الماو ماو. كما أن حركة الما ماو لم تُرفع عنها صفة الارهاب خلال عهدى كنياتا ودانيال أراب موى.

قبل بضع سنوات وبمساندة بعض المحاميين البريطانيين قاضى ثلاثة من الكينيين المسنيين الحكومة البريطانية مطالبين باعتذار من المملكة المتحدة وتعويض مالى. وبعد نزاع قانونى استمر عدة سنوات توصلت الحكومة البريطانية فى السادس من شهر يونيو الماضى لتسوية مع رافعى الدعوة الثلاثة الذين يمثلون اكثر من خمسة الاف من ضحايا التعذيب الاحياء. وتبلغ التسوية 30 مليون دولار توزع بعد خصم التكاليف القانونية (10 مليون دولار) بواقع 3,825 دولار على 5,228 من ضحايا التعذيب.

بريطانيا أبدت اسفها ولكنها لم تقدم إعتذارا رسميا صريحا. وجاء هذا التاسف مضمناً فى تصريح لوزير الخارجية البريطانية ويليام هيغ أمام البرلمان فى السادس من يونيو عنوانه " تسوية مطالب الماوماو"- settlement of Mau Mau claims- الذى ذكر فيه ” أن الحكومة البريطانية تعترف بتعرض الكينيين للتعذيب ولأشكال أخرى من المعاملة السيئة على يد الإدارة الاستعمارية. وتأسف الحكومة بشدة على حصول هذه الاعتداءات وعلى عرقلتها لتقدم كينيا نحو الاستقلال.“ وبالحرف وبلغته (verbatim):

“The British government recognizes that Kenyans were subject to torture and other forms of ill-treatment at the hands of the colonial administration. The British Government sincerely regrets that these abuses took place and that they marred Kenya’s progress towards independence.”

كان وزير خارجية بريطانيا مُسليا عندما أشار فى تصريحه الى أنه لا يمكن اعفاء الماو ماو من ارتكاب جرائم تتعلق بقتل جنود انجليز والكينيين المتعاونيين معهم!! والأهم فى خطاب وزير الخارجية هو ما ذكره حول أن بريطانيا لا تتحمل أى مسئولية قانونية عن أفعال الادارة الاستعمارية فى كينيا، وإجراءات المحكمة (قبل التسوية) تمت على أساس النظر فى الدعوى على أسس أخرى، وأن التسوية لا تشكل سابقة قانونية تتعلق بأى إدارة إستعمارية سابقة. والإقتطاف التالى ما ذكره الوزير بلغته:

“ In 2011 the High Court rejected the claimants’ argument that the liabilities of the colonial administration transferred to the British Government on independence, but allowed the claims to proceed on the basis of other argument........... And we do not believe that this settlement establishes a precedent in relation to any other former British colonial administration. ”
وهكذا أرادت بريطانيا بتاكيدها عدم تحمل المسئولية القانونية عن ممارسات الادارات الاستعمارية السابقة التحسب لمطالبات قد تأتى من خصوم آخرين. فبريطانيا إرتكبت جرائم كثيرة حيال الشعوب التى إستعمرتها وخاصة فى فترة اضمحلال امبراطوريتها، ومن المتوقع أن يرفع ماليزيون دعاوى ضد بريطانيا التى ذبحت ذويهم فى مذبحة باتانج كالي فى 1948. كما قد تأتى شكاوى تتعلق بتعذيب وقتل القبارصة اليونانيين الذين تمردوا على الحكم البريطانى فى خمسينات القرن العشرين. ولا يستبعد أن تشمل قائمة المتضررين آخرين كاليمنيين الذين عُذبوا و انتُهكت آدميتهم أثناء ثورتهم على الحكم الانجليزى فى عدن فى ستينات القرن العشرين.

ولمزيد من التدبير الوقائى أجازت الحكومة البريطانية فى 2013 " قانون العدالة والأمن" الذى يمنع كشف الوثائق بموجب أوامر محكمة متى ما رأت السلطات انه لايجوز افشاؤها لأنها تمس الأمن القومى.

التسوية التى تمت خارج المحكمة لم تأت فى إطار إعتذار واضح لضحايا التعذيب خاصة وللشعب الكينى عامة، وجاء التعويض ضئيلاً حاز مكتب المحاماة البريطانى " لي داي- Leigh Day& Co" الذى تولى الدفاع فى القضية على حوالى الثلث من المبلغ الكلى للتعويض. كما أن الوصول السريع للتسوية جعل "جمعية القانون الكينية" ترفع قضية لدى المحكمة العليا لإِجبار محامو الدفاع الكشف عن اسماء المستفيدين من التعويض الذين لم يؤخذ برايهم حول التسوية.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2123

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة