البساط
07-03-2013 05:04 AM


في نهاية دكتاتورية نميري. كان صديقي عبدالمنعم لا يزال يدافع عن النظام, خاصة عندما أعلن النميري الشريعة الاسلامية. وعبدالمنعم لم يكن متشددا ولكن موضوع الشريعة كان يدغدغ احساس اغلب المسلمين. وعندما كنت التقي به في الامارت. كنت استمتع باثارته والتحدث عن سليبات امير المسلمين الجديد. وعبدالمنعم يندفع مدافعا عن النظام قائلا أن اعلان الشريعة يجعله يغفر للنظام والدكتاتور كل ما صدر منهم من قبل.
وبعد فترة صار عبدالمنعم اقل حماسا وفي بعض الاحيان ينتقد الشريعة المطبقة في السودان التي كانت تتعارض مع ما انزل في القرآن. كما كان في بعض الاوقات يسخر من تسلط الدجاليين وسيطرتهم علي نميري ونظامه. واخيرا عرفت السبب.
عندما تكامل منزل عبدالمنعم في السودان قام بشراء بعض الاثاث ومكيفين من النوع الذي عرف بالصحراوي حتي يضع احدهم في صالونه والاخر في غرفة نومه. فالسودان كان يمر بظروف بائسة.. فبجانب اختفاء البنزين كانت الكهرباء تنقطع لأيام عديدة. وبسبب انقطاع الكهرباء كان ضخ المياه الي مواسير المنازل يتوقف. والجفاف الذي استمر لسنيين كان يجعل من العواصف الترابية نشاطا يوميا. فيختفي الناس تحت الغبار. ويستيقظون في الصباح. ويجدوا انفسهم مرسومين بالغبار علي أسرتهم. لأن الجميع ينامون في العراء بسبب انقطاع الكهرباء والحر. ولا يتواجد الماء ويذهب الناس الي اعمالهم وهم يبدون كالأشباح.
النصيحة التي قدمت لعبدالمنعم هو ان يحل كل مشاكله الدنيوية. وهي أن يتحصل علي مولد كهربائي . ومكيف, وفنطاظا لكي يمتلئ بالماء ومضخة مياه رافعة. وأن يشتري سيارة تعمل بالديزل لأن الديزل متوفر واذا لم يتوفر في محطات الطاقة فهو معروض في السوق بواسطة الموظفين والسواقين الذين يسرقونه من الدولة.
وعندما أتت اغراض عبدالمنعم ومعها مئتان متر مربع من السجاد الفاخر لكي تغطي أرض الصالون وغرف النوم, اكتشف ان الجحيم قد فتح ابوابه . فلقد طالبوه برخصة استيراد وصار الموظفون يتلاعبون به. والمخلصون يطالبون باتعاب خرافية. واخيرا اقترح احد الاصدقاء بان يستعين بابن اخته ووصفه بانه شيطان لا يشق له غبار ويستطيع ان يخلص اي بضاعة.
عندما تسلم مؤمن ابن اخت الصديق الاوراق وعد بأن يخلص الشغلانة في ايام. وما حير عبدالمنعم انه لم يتحدث ابدا عن الأتعاب. بل أخذه لزيارة احد الشيوخ في بلدة خارج الخرطوم. وبالرغم من ان الخلفاء والمساعدين كانوا يطالبون مئات الزوار بالانتظار وبعض الزوار كان مصحوبا بمعوقين ومرضي . الا أن مؤمن وجد طريقه مباشرة الي الشيخ وجلس بجانبه وكان يتبسط مع الشيخ ويمازحه والشيخ يضحك. ثم اخرج مؤمن اوراقا كثيرة قام الشيخ بالتوقيع عليها. وخرج مؤمن واستاذن عبدالمنعم ثم دخل لتحية زوجة الشيخ وابنائها وكان يبدو وكأنه احد اهل الدار.
وبعد ايام قليلة طلب مؤمن من عبد المنعم ان يأتي بشاحنة لكي يأخذ اغراضه. وعبدالمنعم كان لا يزال ممتلئا شكا ويحسب ان مؤمن سيخدعه بالرغم من تطمين صديقه بأن مؤمن شيطان الا انه لم يخدع ابدا اصدقائه او معارفهم. وعندما اصر مؤمن ان يدخل بالشاحنة لوحده لاحضار الاغراض, احس عبدالمنعم وكانما هنالك عصافيرتتحرك في بطنه . ولكن لم يكن هنالك مخرج آخر.
خرجت الشاحنة ومؤمن يجلس بجانب السائق. وفجأة انحرفت الشاحنة واتجهت لخارج الخرطوم. وعندما غير عبد المنعم خط السير وحاول اللحاق بالشاحنة كانت قد اختفت. فرجع هائجا الي صديقه وقال له ان ابن اخته لص, وانه قد هرب بالبساط والأغراض. ولم ينجح صديقه في تطمينه.واجبر صديقه علي ترك عمله والذهاب معه بحثا عن ابن الاخت الهارب.واخيرا عندما وجدوا المجرم الهارب. كان مستلقيا. وكأنه ليس هنالك اي شيء يشغل باله, ويقرأ بعض الصحف والمجلات التي تكومت بجانبه. وبالاستفسار عن الأغراض كان الرد بسهولة,( انها في منزلك وتنتظرك. وحارسك الأعور يقوم بحراستها). وبدأ وكأن مؤمن متأكد جدا مما يقول. ورافقهم الي المنزل. وكانت الأشياء بكاملها في انتظارهم. والشيء الغريب ان الحارس الأعور الذي هو عادة متجهم الوجه, كان يبدو هاشا باشا في وجه عبدالمنعم. وينفذ طلباته في تحريك الاشياء ونقلها, بطاعة عمياء لم يحسها عبدالمنعم من قبل من حارسه. ويبدو وكأن مؤمن قد سحره.
عندما سأل عبدالمنعم مؤمن عن اتعابه وكم سيدفع له. رفض مؤمن اخذ اي مليم. ولكن بعد الحاح واستفسار, ضحك مؤمن وابرز الاوراق. فلقد اخذ مؤمن الاورق للشيخ الذي كان يعتمد عليه رئيس الدولة في تثبيت دعائم حكمه. فعندها صار الحاكم يثق بالشيوخ والدجاليين اكثر من جيشه. وطلب من الشيخ ان يكتب جوابا لاحد رجال الدولة المقربين من امام المسلمين ورئيس الدولة, حتي يتحصلوا علي اعفاء لادخال اغراض لبعض الجوامع. الا ان القائمة والطلب قد حدثت فيها تغييرات طفيفة. فالمئتان متر مربع قد صاروا اثنين الف متر مربع. والمكيفان قد صارا عشرين مكيفا. والمولد الكهربائي قد صار عشرة مولدات كهربائية. فلقد اضاف مؤمن صفرا لكل الاعداد. وكان قد كتب القائمة بطريقة يسهل اضافة صفر فيما بعد.
مؤمن كان يلوم عبدالمنعم ضاحكا ويقول له هل كنت تظنني سأفر بمكيفين ومولد كهربائي وبساطا صغيرا. لقد انحرفت لانني لاحظت ان سيارة امن كانت تتبعنا, منذ خروجنا من المطار. فالأمن يكره رجال الجمارك ويراقبهم. وانا متأكد جدا انك لم تلاحظهم. ولكن انا اشتم رائحتهم من علي بعد. واعرف سياراتهم واميزها. واذا كنت قد ذهبت الي منزلك مباشرة لكانوا قد صادروا كل الاشياء. ويمكنك ان تشكرني باستضافتي في الامارات فأنا ساحضر لأبتاع بقية المولدات والمكيفات والبساط. وانا قد اتصلت ببعض الاخوة هناك. وهم بدورهم سيسهلون المهمة. وقد نحصل علي الاشياء من منظمات تبرعا. فألامر يخص جامع, والان عندنا شريعة في البلد.
واكتملت القصة عندما شرح لهم مؤمن ارتباطه بالشيخ. وكان يقول لهم ان الشيخ يحب النكات والحديث عن الجنس وهو رجل طيب . ويستمتع بنكاتي ومغامراتي. بل انه يرسل في طلبي لكي اؤآنسه. وزوجته كانت جارتنا وانا السبب في زواجه منها.
عندما كان مؤمن صبيا صغيرا كان الجميع يضجون بالشكوي منه. الا انه كان يتمتع بخفة الدم والمقدرة علي التملص. وفي احد مآتم الحي ظهر رجل في الاربعين من عمره وكان يقرا القرآن بصوت جميل ويتحدث عن الدين والجميع يستمعون اليه. ويبدو انه كان يمت بصلة القرابة الي اهل المتوفي. ومؤمن كان من صبية الحي الذين كانوا يقدمون الطعام ويملاؤون الاباريق بالماء. ويطوفون باكواب الشاي طيلة اليوم. وفي المساء كانوا ينامون علي البروش. استعدادا لمواصلة خدمة المعزين في الصباح.
استيقظ مؤمن قبل الفجر وذهب الي المرحاض الذي كان بدون باب. ويكتفي الداخل بالنحنحة. واذا لم ياتيه صوت من الداخل يواصل مشواره. ومؤمن كان قد تقدم نحو المرحاض وعيونه نصف مغمضة. وهمه ان يفرغ مثانته بسرعة. لكي يعود للنوم. في الغرفة التي طرد البرد منها اكداس من اجساد الصبيان والشباب. فتلك كانت بداية الشتاء. وعندما سقط البول محدثا صوتا مختلفا عن صوت الارض. فتح مؤمن عينيه. وكان الشيخ لا يزال مغمضا عينيه وهو يستمتع باللحظات الاخيرة من عملية الاستمناء, وهو جالس. وافاق مؤمن علي صفعة قوية علي خده الايسر. واحس بشيء لزج يلتصق بشعره واذنه. وعلي صوت الهرج استيقظ البعض.
الجميع وصفوا مؤمن بالجنون وقلة الادب وعدم الاهتمام. وان كان البعض يكتم ضحكته. فالصبيان لا يبولون علي الشيوخ كل يوم. واصر الشيخ بان مؤمن يجب ان يغتسل لانه قد سب الدين وانه سيكون معهم في صلاة الفجر.
وتحمل مؤمن الماء البارد وبدأ منصاعا. والشيخ كذلك اغتسل لانه قد صار نجس بالبول. وكل ايام المأتم كان مؤمن يجلس بجانب الشيخ. وصارت بينهم الفة ومودة. بل ان الشيخ كان في بعض الاوقات يضحك بمرح وهو يستمع الي قصص مؤمن. وعندما رحل الشيخ, ذهب مؤمن بطريقة مكثفة الي السينما. وعمر جيبه بالحلوى.
بعد فترة من المأتم حضر الشيخ وتقدم بطلب الزواج من زوجته الحالية, والتي كانت علي وشك ان تدخل في ما يسمي بسن العنوسة. وعندما انتهي العرس كانت العروس قد دست جنيها كاملا في يد مؤمن. اما العريس فلقد اشتري دراجة لمؤمن لم تكن جديدة ولكنها جيدة. مؤمن بذكائه كان يلاحظ ان الشيخ يراقب المرأة التي تقوم بالطبخ واغلب العمل. ولم يفت عليه ان المرأة كانت تسأل عن الشيخ وابدت اهتماما به بعد ان علمت ان زوجته قد ماتت منذ سنيين وانه لم يتزوج بعدها وليس له اطفال. وتلك كانت فرصة لمؤمن لكي يتنقل بين الشيخ والمرأة. وهو يحس بان الشيخ يخشي ان يتقدم الي فتاة من المدينة ذهبت الي المدرسة لفترة فترفضه وتزدريه. والفتاة كانت تعرف ان قطار الزواج لا يتوقف. وقد تكون تلك الفرصة الاخيرة.
وانتهي الامر بالزواج ونعم الشيخ بثلاثة من الاولاد وبنت.
بعد رحلة الي الامارات, صار مؤمن كثير الاختفاء من منزله. وحتي خاله كان يجد صعوبة في مقابلته كل ما احتاج لخدمة. واخيرا عرف بالصدفة اين يجده. لقد كان يتواجد كثيرا في منزل صديقه عبدالمنعم . مستمتعا بالمكيف الكهربائي والماء الذي لا يتوقف وصار عنده ما عرف قديما (مطار). ومكانا لخلواته ومغامراته النسائية. ففي زمن شريعة نميري كان كل شيء يمارس خاصة اذا كان هنالك (مطارا) يختفي فيه الانسان من عيون الآخرين. والحارس الأعور اطوع لمؤمن من بنانه. فمن اليوم الاول الذي اتي مؤمن بالبساط والمعدات لاحظ ان الحارس يقوم ببيع الخمور. فليس هنالك ما يجمع الحارس باصحاب السيارات الفارهة. ففي ذلك الحي الراقي لم يكن في استطاعة السكان ان يخاطروا باحضار الخمور والا تعرضوا للقبض والجلد. الا ان الحارس وفر لهم كل شيء. وظهرت طبقة جديدة مستفيدة من الحظر والمنع. ثم توسعت الدائرة لتشمل كل شيء حتي البنوك والوزارات.

شوقي,,
[email protected]



تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2510

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#714281 [حلومر]
0.00/5 (0 صوت)

07-05-2013 01:59 PM
نعم أنه شوقى بدرى الوحيد القادر على هذا السرد الممتع - نرفع لك القبعة تحية و تقديرا - Salute .


#712810 [مواطن حر]
0.00/5 (0 صوت)

07-03-2013 09:28 PM
روعه ... أنت راجل فنان كالعاده


#712695 [ود الباشا]
0.00/5 (0 صوت)

07-03-2013 05:45 PM
متعك الله يا ود البدرى اصبحنا ننتظر كتابانك بفارق الصبر اطلق عنان قلمك وافرغ مخزون السنين لتجلب الانس والراحة والناس فى اشد الحوجة اليها والاسباب معروفه وتحياتى


#712515 [Abdelmoniem]
0.00/5 (0 صوت)

07-03-2013 02:12 PM
امتعك الله بالصحه والعافيه قصه قريبه من الخيال لكن كل شيء ممكن في السودان خاصة الان ونقول ما خفي اعظم


#712455 [الحلم الجميل]
0.00/5 (0 صوت)

07-03-2013 01:07 PM
أضحك الله سنك يا أستاذ شوقي كما أضحكتني على هذه السرد الرائعةمتعك الله بالعافية وزدنا من هذه القصص فقد تمخض أيامنا من المقالات المملة


شوقى بدرى
شوقى بدرى

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة