المقالات
السياسة
بأي حق حزب سياسي يمول نفسه من المال العام
بأي حق حزب سياسي يمول نفسه من المال العام
07-03-2013 09:56 PM


لماذا يجمع مسئول بين أكثر من وظيفة ومرتبه عن الوظيفة الواحدة يكفى تعيين مائة عاطل أكفأ منه


فساد النظام المالي اشد خطرا من الفساد الشخصي


المنظمات الخيرية هي مساهمة أهلية للعمل العام كيف تدعم من الخزينة العامة


الجزء الرابع من الحلقة الأخيرة


تناولت في الأجزاء السابقة من الحلقة الأخيرة موضوع الإجراءات التي تتطلبها المرحلة كإجراءات عاجلة لرد الاعتبار للجنيه السوداني في مواجهة الدولار باعتباره أول معيار للانحياز للمواطن السوداني والذي سينعكس تلقائيا في تحسن أوضاعه الحياتية وان كان ذلك خصما على مظاهر البهرجة التي ستتأثر بتراجع قيمة الدولار وهو ما يؤثر سلبا على الطبقة التي ميزت نفسها وأثرت ثراء فاحشا وتعيش حياة سافرة في الترف على حساب المواطن الذي دفع ثمن ثرائها معاناة في كل أوجه حياته.

كما تناولت النشأة التاريخية للقوى السياسية السودانية من أحزاب طائفية وعقائدية وكيف إنها بحكم تكوينها الدكتاتوري ستحول دون أي حكم مؤسسي ديمقراطي الأمر الذي سيبقى السودان في نفس النفق المظلم متنازعا بين دكتاتورية مدنية حزبية أو عسكرية أو كلاهما عبر التحالف بينهما كما حدث أكثر من مرة.وسوف يحدث ثانية بل ومرات عديدة ما بقيت القوى السياسية على نفس نمطها الحالي وما لم ينشأ حكم مؤسسي ديمقراطي قوامه أحزاب سياسية غير طائفية وغير عقائدية سواء كانت يسارية أو دينية

وفى هذه الحلقة أتناول قضية المال العام وهى من أهم القضايا التي لها تأثير مباشر على المواطن العادي ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة إن تسميته بالمال بالعام هي في الواقع تعنى مال المواطن والذي يفترض أن يكون موظفا وموجها لصالحه دون تمييز أو تميز قلة على حساب الأغلبية العظمى

ولعلها مفارقة غريبة ففي الوقت الذي اعد هذا الجزء من الحلقة الأخيرة عن متطلبات المرحلة فيما يتعلق بالمال العام خرجت الصحف تحمل خبرا بالبنط العريض يقول إن مجلس الشورى يبحث مقترحا برفع الدعم عن السلع والتي تبلغ –50%من جملة الميزانية والمبرر لذلك. كما جاء في الخبر إن دعم السلع تستفيد منه طبقة الأثرياء وليس عامة المواطنين وهو مبرر غريب لان الوضع الطبيعي إذا كان المواطن العادي لا يستفيد من الدعم فهل هذا يدعو لرفع الدعم أم دراسة الأسباب لمعرفة الأسباب التي تحرم المواطن من الدعم المعنى به وبالتالي تصحيح الأوضاع بما يؤمن على وصول الدعم له بدلا من رفع الدعم ليبقى المواطن هو المتضرر الأكبر طالما إن السلع يتم استيرادها تحت ارتفاع الدولار وانخفاض الجنيه السوداني خاصة وان المواطن السوداني يتكسب دخله إن وجد عملا بالجنيه السوداني والذي سيترتب عليه في حالة رفع الدعم انه سيدفع أضعاف ما كان يدفعه تحت الدعم والمفارقة إن طبقة الأثرياء ستبقى هي الرابحة كما هو الحال لأنها قابضة على الدولار ولن تعانى من انخفاض الجنيه السوداني كما يعانى المواطن العادي.

حقيقة إن طبقة الأثرياء هي التي تستفيد من الدعم لأنها تمتصه من خلال الأسعار المجحفة التحى تفرضها على المواطن بسبب استغلال الدولار والاتجار فيه وغياب أي ضوابط على الاستيراد وأسعار البيع للسلع لتحكم وصول الدعم للمعنيين به لهذا فان العلاج لا يكون في رفع الدعم ومضاعفة معاناة المواطن وإنما بالسيطرة على انفلات الدولار والحد من فوضى الاستيراد حتى يصل الدعم للمعنيين به كما إن استغلال طبقة الأثرياء للمواطن الغلبان لا تقف على امتصاص الدعم عن المواطن بالتحكم في أسعار السلع بل ما تتمتع به هذه الطبقة من إعفاءات جمركية وضريبية تحت مسمى الاستثمار يذهب بطريقة غير مباشرة لجيوب الأثرياء طالما إن الدولة لا تتبع سياسة رشيدة في التحكم فئ الاستيراد وأسعار السلع والسيطرة على سعر الدولار بعد أن تراجعت الدولة عن السيطرة عليه لدرجة أن يعدم من يخالف القانون لان تصرح بالقانون الصرافات للاتجار فيه وهذا هو بيت القصيد لهذا فان مجلس الشورى يجب إلا يعمل بنظرية(عينه في الفيل ويطعن في الضل)

فمن يريد أن يرفع العبء عن المواطن العادي وان يضمن وصول الدعم له عليه أن يحجم الدولار ويرد الاعتبار للجنيه السوداني وذلك بإعادة رقابة النقد الأجنبي والحد من حرية التجارة التي تفتح المجال لاستيراد السلع الهامشية والكمالية التي ترفع قيمة الدولار وتثرى الطبقة المميزة فهذا وحده هو الذي يحقق للمواطن الاستفادة من دعم السلع الضرورية لان أسعارها ستنخفض بانخفاض قيمة الدولار وارتفاع قيمة الجنيه السوداني.

وإذا كنت اخص هذه الحلقة بالمال العام وهو الذي يترجم في النهاية لحقوق للمواطن فبلا شك إن هيمنة الدولار على احتياجات المواطن يجعل منه سببا رئيسيا في استنزاف المال العام لصالح المستفيدين من ارتفاع الدولار ويكفى إن الخبر الذي أشرت إليه حول مقترح رفع الدعم حدد في ذات الوقت إن 50% من عائد الدولة ( أي المال العام ) يذهب لدعم السلع فهل كانت الدولة بحاجة لصرف هذه النسبة التي تصل نصف المتاح من المال العام على دعم السلع لولا إن أسعار هذه السلع نفسها ارتفع بمعدلات تفوق قدرة المواطن بسبب الدولار طالما انه المصدر لتوفير احتياجات المواطن من السلع الضرورية.فلوان سعر القمح او الدقيق على سبيل المثال لا يستنزف هذه المبالغ الضخمة من الجنيه السوداني ولو إن هذا الجنيه كان يساوى ثلاثة دولاركما كان فهل كانت الدولة بحاجة لان تستنزف هذه النسبة من المال العام لدعم السلع..

الأمر الذي يؤكد إن بلوغ الدعم هذه النسبة العالية من المال العام إنما يرجع لقرار الدولة بإلغاء قانون رقابة النقد وتحرير الاقتصاد مما يؤدى لسوء توظيف المال العام.

كذلك من غير المعقول أن يستنزف الفصل الأول 50% من الميزانية والفصل الأول هو مرتبات ومخصصات وحوافز العاملين في جهاز الدولة مع إن هذه البنود لو تخطت خمسة عشر في المائة والأفضل آلا تتعدى العشرة في المائة فان معنى هذا إن المال العام مستنزف من الجهاز الإداري في الدولة وهذه هي الحقيقة.

إذن نحن أمام واقع غريب حيث انه وحسبما ورد في الخبر فان المال العام نصفه مستنزف في الدعم ويذهب لحساب طبقة الأثرياء والنصف الثاني يذهب مرتبات ومخصصات وأشياء أخرى والضحية المواطن صاحب المال العام أو الذي يفترض أن يكون صاحبه.

ولنكن أمينين مع أنفسنا فالفساد في المال العام لهو اشد واخطر من الفساد الشخصي لان الأخير يمكن محاسبته لأنه مخالف القانون ولكن الفساد في النظام المالي محمى بالقانون كما عبر عنه الخبر بان 50% منه لدعم السلع التي تصب لصالح أثرياء الدولار والنصف الثاني للمخصصات والمرتبات وكلاهما تحت ظل القانون..

ولعل هذا يبقى مدخلي للحديث عن المال العام والذي اعتبره من أهم واخطر القضايا التي تتطلب معالجات عاجلة وجادة الأمر الذي يفترض أن يدعو مجلس الشورى لان يبحث أسباب ضياع المال العام إن كان عينه على المواطن وحادب على مصالحه وليس رفع الدعم لمضاعفة معاناة المواطن.

حقيقة المال العام وهو مفتاح القضية وحقوق المواطنة فهو سائب بكل ما تحمل الكلمة.

المال العام وهو كما قلت مال المواطن هو مفتاح القضية كلها لان كونه مال المواطن لابد أن يعم خيره المواطن صاحبه.ولكن هل حقا انه مال المواطن وانه يصب لصالحه هذا هو إذن موضوع هذه الحلقة:

المال العام أو مال المواطن هو بالتفسير المبسط يتمثل في إيرادات الدولة من المال وأوجه صرف هذا المال كما انه بالمفهوم القانوني ملك الشعب كله بلا استثناء لذا عرف بمال المواطن في نفس الوقت والحكومة ليست إلا وكيل عن الشعب لتوجيه هذا المال لصالح المواطن.

من هنا فلقد كان الانجليز وبحكم انهم من رحم دولة ديمقراطية الكلمة فيها للشعب وللمواطن والحكومة ليست إلا خادم له ويملك محاسبتها إن تغولت على حقوقه فلقد أسس الانجليز نظاما للمال يتحكم أولا في إيرادات الدولة منه يقوم على إن أي إيراد للدولة مكانه الخزينة العامة ويحظر النظام على أي جهة أن تحجب عن الخزينة العامة أي مصدر من مصادر الإيرادات لهذا فان أجهزة الدولة التي تتولى مسئولية جمع الإيرادات فإنها ملزمة بتوريد كلما تتحصل عليه من مال للخزينة العامة ولا يحق لها أن تتصرف في جنيه واحد منه.

ثانيا أسس الانجليز نظاما محكما للمنصرفات أي للتصرف في المال العام عبر ميزانية سنوية تحدد أوجه صرف المال العام وبموجب هذا النظام المحكم يستحيل لأي جنيه من إيرادات الدولة أن يودع خارج الخزينة العامة كما انه يستحيل لأي جهة أن تصرف جنيها منه إلا وفق الميزانية السنوية المعتمدة للتصرف في المال العام حسب الأولويات التي تقرها أجهزة الدولة.

لهذا أنشأ الانجليز وزارة خاصة بالخزينة يتبع لها مباشرة كل محاسبي الوزارات والمؤسسات الحكومية لتشرف على منصرفات أي هيئة حكومية وفق الميزانية.دون أن يكون لأي مسئول أي سلطة لتعدى ما هو مضمن في الميزانية والمجازة من أعلى سلطة تشريعية .

هذا النظام المحكم للمال العام لا تقف فوائده على سلامة استخدامه بما يعود للمواطنين كافة دون تميز بينهم فاهم من هذا فانه يساعد على استقرار قيمة الجنيه السوداني لأنه يمثل ركنا هاما في استيراد السلع الحكومية وفق سياسة الاستيراد التي تخضع لبنك السودان ووزارة الاقتصاد والتجارة.

ولقد ظلت الحاكمية على هذا النظام إلا انه وتحت ظل الحكم الوطني بدأ في التآكل إلا أن تلقى الضربة القاضية اليوم حيث إن المال العام أصبح أكثره خارج الخزينة العام ويتم التصرف فيه خارج الميزانية المعتمدة وبعيدا عن أي سلطة رقابية بل وفى أكثر الأحيان دون مستندات مالية سواء لأسباب سياسية أو أمنية وبهذا لم تعد الخزينة هي ذات الخزينة كما لم تعد شروط التصرف في المال العام هي ذات الشروط لهذا يحق لنا أن نسمى هذا بفساد النظام في المال العام ولا أغالى إذا قلت انه بهذا اشد خطرا من الفساد الشخصي لان فساد أي مسئول يسئ التصرف في المال العام في غير ما سخر له أو بمخالفة أسس صرفه القانونية فان هذا المسئول يقع تحت طائلة القانون وينال العقاب وفق القانون اما ما يصرف تحت النظام المالي الفاسد فانه يصبح شرعيا بالرغم من انه يتم خارج نطاق النظام المالي ولا يجوز المحاسبة فيه لأنه لا يخضع لأي مراجعة قانونية ومستندية ومن هنا كان من الطبيعي أن تذهب أكثرية المال العام لعير مصلحة المواطن عامة وإنما لمصالح هيئات أو شخصيات خاصة ولهذا ليس غريبا أن تستنزف الدولة في إدارة شئونها ما يصل نصف المتاح من المال العام كما جاء في تصريحات المسئولين..

ولعل اكبر مظاهر استنزاف المال العام في غير موضعه وفى شان لا يمكن ان يكون عاما ولمصلحة كل المواطنين هو ما يستنزف سياسيا من قبل الحزب الحاكم.

ولعلكم تذكرون ما أوردته في حلقة سابقة من إن النظم الأحادية عقائدية أو دينية تمول قبضتها على الحكم من المال العام بعكس الأحزاب السياسية في النظم اللبرالية القائمة على مؤسسية ديمقراطية لان الأحزاب لا تمول من المال العام ولا يحق لها أن تفعل ذلك لهذا فان الأحزاب الشيوعية عندما حكمت المعسكر الشيوعي كان الحزب والهيئات التابعة له والقابضة على السلطة تمول من المال العام بل وتستأثر بالجزء الأكبر منه لهذا لم يكن غريبا أن تثور الطبقة العاملة نفسها على الأنظمة التي استولت على السلطة من اجلها وهكذا الحال في العراق وسوريا حيث ساد حكم أحزاب البعث وإيران اليوم الحكم الإسلامي وهكذا أصبح الحال في السودان حيث إن حزب المؤتمر الوطني وهو الحزب الحاكم والقابض على الحكم نتيجة انقلاب عسكري والذي تدل كل مؤشراته انه يتمتع بإمكانات مالية لم يحدث أن تمتع بها حزب سياسي تحت ظل حكم ديمقراطي فان مؤسساته تعيش حالة من الترف المادي على كل مستوياته حتى الدنيا منها من حيث الدور التي يمتلكها والهيئات التابعة له والأنشطة التي يشرف عليها والكوادر المتفرغة فيه والتي يتوفر لها من المال ما لا يتوافق مع أي مصادر دخل ذاتي للحزب لعدم امتلاكه لأي مصادر أصلاً ولهذا لم يكن غريبا عليه أن يستقطب الأحزاب الهامشية التي تحالفت معه الذين يستهدفون المال المتاح فيه بلا حدود لأغراض شخصية.

ولعل هذا اكبر مصدر لاستنزاف المال العام وفى غير موقعه وبعيدا عن مكوناته الطبيعة كمصلحة عامة يتساوى فيها المواطنون ومن يرد أن يكون شريكا فيه ليس له غير طريق واحد أن ينخرط في مؤسساته حتى أصبحت أغلبية قاعدته أجيرة قبل أن تكون بقناعة سياسية ولا أدرى هل يملك الحزب أن يكشف عن كل منصرفاته المالية العلنية والسرية منها ومصادرها وهل يقبل أن يطبق عليه ( من أين لك هذا ) إذا كان يملك أن يبرر مصادر شرعية لمنصرفاته ومنصرفات المؤسسات التابعة له من منظمات جماهيرية عمالية وطلاب ونسائية وبعضها منح الحق في أن ينوب عن الدولة في تحصيل موارد رسمية لتمويل منصرفاته وغيرها من مكونات الحزب تماما كما كان يحدث في الأحزاب الشيوعية والبعثية والناصرية وحاليا كما يحدث في إيران وغيرها من أنظمة الحكم الأحادية ولو إن ما صرف وسخر للحزب ومؤسساته وأنشطته منذ هيمنته على الحكم لو انه صرف على توفير الضروريات للمواطنين لما كان حجم المعاناة في العلاج والتعليم ولقمة العيس لعامة المواطنين على هذا النحو الذي يعيشه المواطن اليوم.

لم يقف استنزاف المال العام تحت النظام المالي الفاسد على استئثار أنشطة الحزب التي لا يحق له أن يحمل وزرها للمواطن فان الأمر تعدى ذلك لاستنزاف المال لمصلحة كوادر الحزب شرعيا بما ابتدعه الحكم من العقودات الخاصة في التوظيف.

رحل الانجليز وبالمناسبة ما كان لهم أن يرحلوا لولا إنهم حسبوا الاتجاه العام لدى أغلبية الشعب الوحدة مع مصر وهو ما يرفضونه تمام لهذا سهلوا توجه الدولة للاستقلال وإعلانه دون الرجوع للاستفتاء لعلمهم يومها برأي الأغلبية في الوحدة مع مصر لهذا رحلوا على غير موعد ولكنهم خلفوا نظاما ماليا لو حرص عليه الحكم الوطني لكان الحال غير الحال وعلى رأس هذا النظام إنهم وضعوا كادر وظيفي يحكم كل تعيينات الموظفين على كل المستويات بدرجات وظيفية محدد حيث ان موقع الموظف ودرجته الوظيفية تحدد مرتبه تلقائيا ولا يشذ أي موظف عن هذا الكادر الوظيفي وكل موظفي الدولة متساوين في شروط الخدمة فوكيل الوزارة في كل مؤسسات الدولة يتقاضون نفس المرتب وبنفس الشروط وكل هذا يتم مركزيا تحت قبضة ديوان شئون الموظفين التابع لوزارة المالية والقابض على كل مصادر المال العام الوظيفية بحيث يستحيل أن يخصص جنيها لأي مسئول بعيدا عن لوائح الخدمة التي يتساوى أمامها الجميع ولكن الوضع الآن أباح ما سمى بالعقود الخاصة بحيث تم تميز الكوادر السياسية الموالية للحكم في أن تتقاضى مرتبات ومخصصات تبلغ مئات إن لم يكن آلاف الأضعاف لنفس الوظيفة لا لسبب إلا الآن هذه الكوادر تعين وظيفيا بعقد خاص لا يخضع للوائح الخدمة التي يخضع لها سائر الموظفين بل والكثير منها عقود بالدولار ولا تخضع التعيينات فيها لسن المعاش وبهذا أصبحت هذه الكوادر سياسية أكثر من إنها كادر خدمة مدنية وبجانب هذا فان أكثريتهم يجمعون أكثر من وظيفة في ذات الوقت وعضوية العديد من مجالس الإدارات بينما هناك كفاءات أعلى منهم بلا عمل وكلها بالعائد المادي المميز ليصبح هذا البند القائم على العقود الخاصة من اكبر مصادر استنزاف المال العام ولا أدرى إن كان ما يتردد صحيحا والذي يشير إلى إن نسبة من مرتبات العقود الخاصة تذهب للحزب لهذا فإنها وقف على كوادر الحزب الملتزمة سياسيا ولا أدرى ماذا يكون الموقف لو إن إحصاءات مالية كشفت عن أصحاب العقود الخاصة وعدد الوظائف التي يجمعونها وكم صرف عليهم أظن الإحصاءات هنا ستصاب نفسها بالذهول لهول ما ستفاجأ به ولعل واحدة من الحالات التي تداولها الصحف في فترة ماضية حول العقد الخاص لواحد من مديري المؤسسات الرسمية الهامة بلغ المليار شهريا كما جاء في الصحف من مرتب ومخصصات والزى لم يتم نفيه بل ابرز صاحبه العقد الذي يؤكده لهو دليل على حجم هذا العقودات الشخصية.وترى كم يكون الفرق بين جملة ما صرف على العقودات الخاصة مقارنة بما كان سيكون الحال لو خضع أصحاب العقودات الخاصة للكادر الوظيفي الموحد وكم كان سيوفر هذا الفرق الذي ذهب لمصالح مواطنين أصحاب حق من غسيل لمريض بالفشل الكلوي أو لتعليم من أقعده المال عن مواصلة تعليمه وان يوفر العمل لعاطل سدت في وجهه أبواب العمل لشح المال. وغير هذا كثير.

ثالثا لم يكن النظام المالي الذي أحكم به الانجليز قبضة الدولة على المال العام لم يكن يسمح لأي مسئول مهما كان أن يتبرع منه بأي مبلغ لأي جهة أيا كانت فالميزانيات لا تتضمن بندا اسمه التبرعات ويحق للمسئول إن كان هناك مبرر لذلك أن يقترح تخصيص المبلغ في الميزانية ليس بصفة تبرع وإنما مبلغ مصدق لغرض بعينه لا يخرج عن أوجه صرف المال العام وأغراضه أما أن يتصرف مسؤول في أي جزء من المال العام ولأي جهة كانت مهما كانت المبررات فانه أمر لا تسمح به النظم المالية في دولة مؤسسات ديمقراطية لان التصرف على هذا المنوال بتقديم ما يسمى تبرعا فانه يفتقد المعايير كما انه لا تصدر بموجبه مستندات ولا يخضع لمراجعة أو مراقبة الجهات المسئولة عن المال العام حيث إن كلمة تبرع تسقط المسئولية القانونية التي يتطلبها التصرف في المال العام كما انه يتيح للمسئول أن يتصرف في المال العام وفق معاييره الخاصة دون مساءلة أو محاسبة وهذا يجعل المسئول فوق المال العام مع إن المال العام هو حق المواطن ولا يجوز التصرف فيه إلا وفق الأسس التي يحددها المواطن عبر نظمه وتشريعاته ويكون المال خاضعا للمراجعة والمساءلة وهو ما لا يحكم التبرعات ولكن الثابت إن هذا البند المفتوح أصبح ممارسة عادية لدى كثير من المسئولين على مستويات مختلفة على مستوى المركز والولايات وبديهي إن الذي يسهل التصرف في المال العام على هذا النحو هو نظام التجنيب الذي ابتدع في المال العام حيث يكون المال المجنب خارج دائرة التحكم في المال العام لهذا إذا أرادت أي جهة أن تحدد حجم ما يصرف تحت بند التبرعات المفتوح دون ضوابط و مستندات بل وفى كثير من الأحيان يدفع نقدا دون أن يقابله مستند بالاستلام مما يصعب الوقوف على حجم المال المستنزف في هذا البند غير المؤسس والذي تحكمه المزاجية والنظرة الذاتية الضيقة والذي يفتح الباب للمجاملات بعيدا عن أي أسس رسمية.

رابعا وكما هو الحال مع بند التبرعات فهناك بند لا يقل خطورة عنه وهو ما يقدم من دعم من الخزينة العامة لما تسمى بالمنظمات الخيرية والتي انتشرت ظاهرتها في السنوات الأخيرة بعد أن تفشت ظاهرة دعم هذه المنظمات من الخزينة العامة وهو ما لم يعرف عبر تاريخ العمل الخيري حيث إن المنظمات الخيرية تستهدف المساعدات فيما لا تحققه الخزينة العامة فكيف إذن تدعم من الخزينة. لقد ظل العمل الخيري عبر التاريخ من أصحاب المال الذين يعلنون عن مساهماتهم خيريا عبر تخصيص بعض أموالهم للعمل الخيري كما إن المنظمات الخيرية التي تبادر بها مجموعات خيرية إنما تعتمد على استقطاب الدعم من أصحاب المال الخاص وليس بمساهمات الخزينة العامة عبر مسمى التبرعات فما معنى إن تتبرع الخزينة لعمل خيري وهى مسؤولة عن تخصيص المبلغ لنفس العمل عبر المؤسسات الرسمية لهذا أصبحت المنظمات الخيرية مدخلا عرفت كيف تستغله شخصيات ذات نفوذ تتخذ منها وسيلة للحصول على المال العام عبر المساهمات لدعم المنظمات الخيرية لتصبح هذه المنظمات وسيلة للمال العام لأغراض خاصة تخت غطاء العمل الطوعي يؤكد ذلك كثرة المنظمات الخيرية التي تقف وراء تأسيسها شخصيات ذات وزن والتي لا يلمس لها وجود فعلى في ساحة العمل الخيري الذي يتخذ وسيلة لاستقطاب الدعم صوريا من الخزينة العامة مع إن هذه المنظمات هي التي يفترض أن تدعم الخزينة من خلال ما تقدمه من دعم للمواطن وليس العكس لأنها في هذه الحالة تصبح تحايل للاستيلاء على المال العام وهذا هو حال الكثير منها.

خامسا ظاهرة الشركات الحكومية التي يبلغ عددها المئات والتي ليست في نهاية الأمر إلا وسائل لاستيلاء القائمين عليها دون جدوى اقتصادية وبوسائل شرعية عبر العقودات الخاصة والمخصصات إما الجانب الأكثر استنزافا للمال العام إنما يتمثل في الإعفاءات الضريبية والجمركية تحت ما يسمى الاستثمار حيث إن هذه الإعفاءات إنما هي خصما على إيرادات المال العام لهذا لابد من أن يكون لهذه الإعفاءات مردود للمال العام وللاقتصاد السوداني بما يعوض ويبرر هذه الإعفاءات إلا إن الكثير منها هي المستفيدة من الإعفاءات وليس لها أي إسهامات تعوض ما تخسره الخزينة العامة لهذا فان أي دراسة لما فقدته الخزينة العامة من الإعفاءات مقارنة بما تحقق منها سوف يبين العجز الذي لحق بالخزينة العامة حيث إن أصحاب المال عرفوا كيف يستغلوا الاستثمار من اجل الإعفاءات كوسيلة للتحايل دون مقابل يبرر ما تفقده الخزينة في المال العام. من اجل جني الإرباح المضاعفة

وتأتى أخيرا خسائر الخزينة العامة وإهدار المال العام في المنشئات وسد الاحتياجات بعد أن تم إلغاء كل المؤسسات الحكومية التي أسسها الانجليز لتقوم بهذا الدور حرصا على المال العام وعلى رأسها مصلحة المخازن والمهمات والنقل الميكانيكي والأشغال وغيره حيث أصبح الباب مفتوحا لصرف المال العام في المنشئات الحكومية دون ضوابط مالية ورقابية حيث أصبح لكل جهة أن تتصرف وفق إرادة القابضين عليها بعيدا عن رقابة المركز على ما يستنزف من مال في هذه المنشئات واستيراد احتياجات هذه المؤسسات الحكومية التي ما كان لها مطلق التصرف في النظام المالي الذي أسسه الانجليز.

حقيقة الحديث يطول عن المال العام ولعل هذه نماذج من وسائل استنزاف المال العام ولو إن رصدا أحصى ما تستنزفه هذه النماذج من المال العام لأدرك الأسباب الحقيقية لمعاناة صاحب الحق المواطن صاحب هذا المال الذي يصرف في غير موقعه وليس لصالحه لأنه لم يعد تحت دائرة اختصاصاته واحتياجاته

لكل هذا فان السلطة ممثلة في الحكم الوطني ولما سبق توضيحه إنما هي عبء على المواطن ولا أغالى إذا قلت إن القوى السياسية كلها شريكة في هذا الواقع مع الاختلاف النسبي خاصة تحت مظلة النظام الحالي ولكن حتى القوى التي ترتدي ثوب المعارضة فان غالبية قياداتها ومؤسساتها لم تغيب نفسها عن هذا الواقع عبر مشاركاتها المختلفة فيه سرا وعلانية بمسميات مختلفة مباشرة أو بطريق غير مباشر وليس هناك ما اختتم به الحديث عن المال العام غير انه إذا كان المواطن هو الهدف للقوى السياسية حاكمة ومعارضة لابد من إعادة الوضع لما كان عليه تحت ظل الحكم الانجليزي للسيطرة على مصادر المال العام وصرفه وفق أولوياته وليس أولويات السلطة أيا كان نوعها.

والى الحلقة القادمة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1336

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#713330 [osama dai elnaiem]
0.00/5 (0 صوت)

07-04-2013 11:45 AM
المنظمات الخيرية سند وغيرها هي عنوان فاضح لتجنيب المال العام لصرفه بمعرفة شخص واحد يتحكم فيه بعيدا عن الانظمة المحاسبية لمصلحة اهله وذويه وبعض الفتات لفقراء يعرفهم من باب ذر الرماد في العيون وثالثة الاثافي هي اموال الزكاة التي توزع في غير مصارفها الشرعية والقائمون عليها من امناء( تجاوزا) وموظفون ينالون منها اكبر من ما يناله المستحق شرعا ----- في فترة الديمقراطية الثالثة كتبت موضوع عن الزكاة وجمعها والجهات التي يناط بها توزيعها وطلبت ان تكون امانة الزكاة والقائمون علي جمعها عاملون عليها بالانتخاب من اهل الحي او اهل القرية وبالتداول سنويا وتجمع وتوزع بمعرفة لصيقة من الاهالي لتخفيف اعباء الدراسات الاجتماعية التي لا تكون صحيحة في احيان كثيرة ----- امانة الزكاة في السودان هي اداة تمويل لجماعة الاخوان المسلمين ويجب تفكيكها واعادة رسمها بحيث نضمن الا يسحوذ القائمون عليها علي غلتهاولتحقيق التكافل الاسلامي في ظل قصير لصاحب الحاجة


النعمان حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة