المقالات
السياسة
في ذكرى شهداء الأرض والإنسان والتاريخ
في ذكرى شهداء الأرض والإنسان والتاريخ
07-16-2013 01:54 PM



محمد الدرة، طفل فلسطيني اغتاله اليهود وهو في حضن والده، وعاد منتشياً في كجبار، وذلك عندما اختاروا صبياً في التاسعة عشر ضمن من اختاروا فأردوه قتيلاً!! تسعة عشر ربيعاً خرج لتوه من طفولة فقيرة لا يعلم شيئاً عن العطاءات، ولا السمسرة الملتحية، ولا عن الشركات الوهمية، ولا المصالح المصيرية، لم يكن يدري ان صرخته، بمأساة عبود لن تعود ستهد اركان شهوات تربت بآلاف الدولارات، ولم يكن يعلم ان استحقاقات العمولة وضعته في مصاف اخطر المعارضين، ولان الامر كذلك، اطلقوا النار في رأس «فقيري» فاردوه قتيلاً!! ويا لها من عودة، فقد عادت سيرته، وعاد الدرة حاملاً نجمة داؤود، معتذراً لليهود في سفوح جبل كجبار.. كدن تكار!! هذه الفقرة منقولة من كتاب «قريتي تتهدم» للكاتب النوبي الجريء.. فكري ابو القاسم، وهو من جيل الاقتلاع والازاحة بالتهجير القسري لاهالي حلفا، لذلك تجده مشحوناً بالغضب والحسرة بما يجيش في صدره من آلام، وذلك بنبرة غليان، غليانه ليس غلياناً شخصياً بقدر ما هو غليان جمعي مخزون بتراكم خيبة بعد خيبة، انه يتحدث بنبرة الغضب المتقد لمن يحاول ان يفتح ثغرة في الريح ليصب فيها بركان غضبه المخزون منذ الحملات على الارض النوبية، ومنذ ان مزق النسيج النوبي الموحد، كذلك اغراق الامكنة بغرض افراغها من الاقدام النوبية، تم الاقتلاع والقذف بهم بعيداً هناك في دياجير مستنقعات البطانة، والآن المتهددون من بني جلدته بتكرار مأساة عبود!! والتي اصبحت غصة في الحلق.
اعتاد كاتب كجبار يا غصة في الحلق في كل اصداراته النوبية رصد حركة الانسان النوبي المغيب والمنتهر في القرى والمدن، فكأن شخوصه يقفون على خشبة المسرح يروون حكاياتهم حضارة ومأساة، وذلك مؤرخاً وموثقاً عملية حق الوجود النوبي واستمراره، رافضاً محاولات المحو والموات المتدرج بذرائع سحرية وعوراء، كذلك ملاحقاً الواقع وانسيابه في جدلية استمرار الوجود وكبحه، جدلية مستحية لاستولاد البعث الجديد لكي لا يفعل رواح المكان بالازاحة الضعف في الانسان والخلخلة في الكيان نفسه بالتشتيت والتذويب المفروض وليس بالارادة، ذلك لاتمام وتحقيق لعبة الافناء المتدرج بإطفاء جذوة عناق الارض والانسان والتاريخ.
كتاب.. قريتي تتهدم يضع الاصبع على الغصة في الحلق، تشده عبقرية المكان الى الجذور لان في جوفها مخزون ثقافي ونفسي على شكل لغة فهي عبقرية مستعذبة لتجليها في قدرة المكان على صياغة خطوط انفجار الصحوة والانتباه على ما يدور في المنطقة النوبية من تنازلات وتخلي دون مشورة اهلها، والذي نسميه اضطهادا وتبليهاً، ثم انكساراً امام الاطماع الخارجية، هذه السياسة التي تجفف الصبر وتضيق الينابيع فتستولد الزلزلة والانفجار، وتفادياً لهذا يقول كاتب «قريتي تتهدم»: ذهاب عبقرية المكان بطريقة متدرجة كان يمكن ان يوجد لها علاجا، ولكن الذي لا حل له هو اغتيال اجيال كاملة بضربة واحدة، هو اخراج المكان تماماً بصورة مأساوية مفاجئة من المعادلة التاريخية بمثل تلك الطريقة التي بها تم تهجير اهالي حلفا!!
ومن هنا كانت ضرورة استدعاء تجربة مأساة عبود واتخاذ قرار، لا لسد كجبار، ولا للدراسات، سوف لا يقوم السد الا فوق اجسادنا، وهتفوا مرددين «مأساة عبود لن تعود» كان هذا في الثالث عشر من يونيو 7002م، فأطلقت القوات الحكومية الرصاص على صبية ضمن المتظاهرين واردتهم قتلى، وقد كانوا في مظاهرة سلمية رفضا واحتجاجاً على الاعمال التي كانت تجري في سد كجبار، هكذا فالجماهير تحمل شعار «مأساة عبود لن تعود» خشية من ان يعيد التاريخ نفسه في كجبار، وغير كجبار والوعود السحرية لم تنفذ، ولن تنفذ، لان البرنامج اللا معقولي ما زال باقياً، التهجير بالقوة، والاستبداد السياسي، تنفيذ مؤامرة الطامعين والضعف الفني، وجماهير مغلوبة على امرها، وفي هذه تكمن مأساة عبود.
وهكذا بقيت كجبار غصة في الحلق في ذكرى شهدائها وفي ذلك يقول الاستاذ مرتضى عبد الرحيم: هكذا بقيت كجبار كجباراً.. وايقظت الهمة في الشباب البار، والكل يغني كجبار يا غصة في الحلق، وبينما الحال كذلك، ونحن النوبيين نضع الاصبع على الغصة، فإذا بدهاء وحنكة السياسة المصرية تداوم في تنصيب الفخوخ لايقاع حكوماتنا لتمرير اوراقها، حكوماتنا التي لا هم لها غير الاتكاء على ارصفة الحكومات المصرية خشية الترنح والسقوط، فهذه هي المفارقة بين سياساتنا والسياسة المصرية الداهية التي شعارها مصر اولا برفاهية شعبها، وتأمين مستقبله، مفارقة تستحق منا جميعاً ان نلعق رحيق هذه المواجع الحنظل.
قال المصريون لا بد ان يبنى السد العالي، وقال هؤلاء تقدموا ببركة الله. قال المصريون السد سيغرق بلاد النوبة، قال هؤلاء في ستين داهية، هي بلاد النوبة فيها حاجة نخاف عليها. قال المصريون ان السودان ليس في حاجة الى نسبة اكبر من النسبة التي يستهلكها الآن من مياه النيل، وقال هؤلاء ده كلام مضبوووط، واحنا ما قادرين نستهلك النسبة الحالية علشان نطلب زيادة كمان «فهكذا تحول الدم الى ثقافة في كجبار، فها هو محمد الدرة يحمل منديله المصبوغ بالدم الفلسطيني ويتكيء علي جبل «كدن تكار».
الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 567

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبده دهب شيبون
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة