«الحكومة فرنبت»
07-18-2013 02:22 PM


حين أزالت الحكومة في أوائل تسعينيات القرن الماضي عشش فلاتة وأقسرت ساكنيها على الرحيل إلى المكان البديل الذي منحتهم له ووجدوه مريحاً ومميزاً وامتلكت كل أسرة مساحة (300) متر لكل منزل بدلاً من الضيق الشديد الذي كانوا فيه، أطلقوا عبارتهم التي جرت مثلاً «الحكومة دقست»، فالحي الجديد الذي نُقلوا إليه وسمته الحكومة «الانقاذ» بينما ينطقونه هم «الإنخاذ» حسب لهجتهم العربية، كان أفضل حالاً من حيث الخدمات والسكنى والتخطيط من «الكمبو» السابق الذي تشبه بيوته الأوكار من شدة ضيقها، ولكن إذا كانت الحكومة قد «دقست» بقرار ترحيلها لسكان العشش الذي رفضه سكانها وقاوموه في البداية خوفاً من المجهول، ثم بعد أن لم يجدوا مناصاً من «الرحول» وراق لهم الموطن البديل وزالت مخاوفهم من الإزالة التي ظنوا أن الحكومة قد أضمرت لهم بها شراً يبعدهم إلى أرض بلقع قاصية، فأطلقوا عبارتهم تلك، فإن الحكومة بما ظلت تفعله بالحكم الفيدرالي، استحقت أن يطلق عليها «الحكومة فرنبت»، والفرنبة في العامية السودانية تعني أن يتعهد الشخص بشيء ثم لا يلتزم بفعله، هكذا كان موقف الحكومة مع نظام الحكم المعروف عالمياً بالحكم الفيدرالي، فقد سارعت منذ سنينها الأولى إلى إعلان تبنيها وتطبيقها لهذا النظام الذي يناسب السودان تماماً، وشرعت فعلياً في التطبيق بعد أن قننته أولاً في المراسيم الجمهورية ومن بعد في الدستور، ولكن أي تطبيق، لقد أطبقت يديها على خناقه حتى كادت أن تفطسه هذا ان كانت فيه بقية روح، لقد جعلت الحكومة من الفيدرالية شيئاً أشبه بصنم العجوة الذي كان يتعبد به سيدنا عمر «رضي الله عنه» على أيام الجاهلية، كلما جاع قضم منه عضواً، فالحكومة آمنت بالفيدرالية منهجاً للحكم، ولكن عند المحك اتضح أنه كان إيماناً مثل إيمان الأعراب الذين قال فيهم القرآن «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا»، فقد كانت الحكومة كل مرة تخرقه وتخترقه وتنحرف به نحو ما يناسب حالتها المزاجية ووضعها السياسي.
الأمثلة كثيرة على تلاعب الحكومة بالصيغة الفيدرالية للحكم التي باتت نهباً للهوى السياسي والغرض الحزبي والرغبة القبلية، حتى أن الساخرين قالوا لو اجتمع سكان خمسة قطاطي وثلاثة درادر وراكوبتين وأبدوا رغبتهم في اقامة محلية وصادفت هذه الرغبة هوىً في نفس السلطة وتساوقت مع تكتيكات الحزب لنالوا مرادهم، ولم تكن التعيينات الأخيرة لولاة ولايات كردفان الثلاث إلا حلقة انضافت إلى سلسلة الحلقات السابقة من التعديات التي وقعت على الحكم الفيدرالي، بل أن ولاية مثل غرب كردفان صار حالها أشبه بالشبح «أبو لمبة» تختفي مرة وتظهر مرة، فهل هناك من دليل على التخبط في تطبيق الفيدرالية ووضعها رهينة تحت يد الحكومة المركزية وطوع اشارتها أكثر من هذا، وما يزيد من الأسف أن هذا الوضع «المشلهت» الذي تعانيه الفيدرالية يحدث لها رغم أنف الدستور، ولكن الحكومة «تفرنب» حتى من الدستور الذي هو أيضاً من صنع يديها، وهذه حالة مرضية لابد من علاجها، فالفيدرالية الآن في حالة موت سريري وفي حدٍ فاصل بين أن تكون أو لا تكون، إما فيدرالية بحقها ومستحقها، أو مركزية قابضة، وعلى الحكومة أن تختار بدلاً من هذه «اللهوجة» التي جعلت من الحكم الفيدرالي مسخاً لا يحمل من الفيدرالية إلا اسمها...

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2510

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#724780 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

07-19-2013 02:12 AM
فدرالية؟ الحكومة قسمت السودان لمناطق ولت عليها منسوبي التنظيم الحاكم حتى يسهل شكم هذه الاقاليم و اخضاعها لسيطرة التنظيم الحاكم و تنفيذ سياسات فرق تسد، ما زال الولاة و المعتمدين يصرون على ان دورهم هو امني و سياسي .... نظام الحكم الذي اقامته الانقاذ فتح لها الباب لخلق الاف الوظائف الدستورية لمنسوبيها لنهب خيرات البلاد بمخصصاتهم الاسطورية، و صار الحكم الفدرالي الخاضع تماما لسيطرة المركز عبارة عن ترهل اداري فاشل و عاجز يمتص كل موارد الاقاليم و الولايات لمقابلة النفقات الادارية الباهظة و اصبح عبئا على المواطن و خصما على التنمية و الخدمات


#724549 [ابو عدن]
0.00/5 (0 صوت)

07-18-2013 05:05 PM
الشبح ابو لمبة زاتو يتحير فبها


#724502 [ابوالفياض]
5.00/5 (1 صوت)

07-18-2013 04:10 PM
ارى ان الانسب الآن وبعد تجربة فاشلة للفدرالية افرزت امراض اجتماعية (عرقية وفساد وموت الاحساس بالوطنية) ارى ان نرجع لمركزية قابضة ويعود لجهاز الخدمة المدنية سطوته ودوره المنوط به وكفاية ناس العمم والحلاقيم ...يمشوا الزراعة ولا يمشوا الدهب ويخلوا خزن الدوله تاخذ نفس شويه


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة