المقالات
السياسة
ياسين الذي أحببت
ياسين الذي أحببت
07-28-2013 08:42 AM


برحيله في الساعات الأولى من صباح الإثنين 22 يوليو2013م يكون قد رحل آخر كبار تلك الأسرة العظيمة التي كانت دارها،وما زالت، مفتوحة لطلاب العلم ولكل قاصديها،يلتئم في رحابها شمل المجتمع بكل أطيافه،ورفدت المجتمع السوداني برجال عظام،أثروا المجتمع في مختلف المجالات، وارتبطت الأسرة بوجدان المواطن السوداني على وجه الخصوص منذ أن بدأت إذاعة أم درمان إرسالها في من ومنها انطلق صوت الشيخ عوض عمر الإمام، طيب الله ثراه، يرتل آيات الله البينات، عام 1939م، ثم يختتم قراءته بالخاتمة التي ستظل محفورة في الذاكرة السودانية "آمنت بالله صدق الله العظيم". آمنت بالله..والموت حق على كل حي وإن طالت سلامته.. كان ياسين الذي غيبه الموت يخشى الله وحده..لم يكن يخشى الموت مثلما لم يكن يخشى أي شيء في دنياه سوى الله واهب الحياة والموت، لم يكن يخاف حتى الذئب على غنمه، فقد توصل منذ عقود طويلة إلى رؤية للدنيا تتساوى فيها خيارات الموت والحياة.
لازم سجون نميري لسنوات طويلة منذ وقوع الانقلاب العسكري في 25 مايو1969م وحتى سبتمير 1977م، تاريخ المصالحة بين نميري وجماعة الإخوان المسلمين، ولم يتركوه ينعم بهواء الحرية إلا لفترات قصيرة متقطعة طوال هذه السنوات، فقد كان عصيا على الإنكسار والإنهزام، ولم يشبه نفسه بسيدنا يوسف في يوم من الأيام،بعد الإنتقال من السجن للحكم،مثلما فعل آخرون، عميت بصيرتهم.نميري كان فيما يبدو معجبا بصلابة الرجل، ويقال أنه قالها صراحة في اجتماع لقيادات إتحاده الإشتراكي، في معرض عن حديثه عن ضعف أداء الأعضاء وعدم إلتزامهم،قال إنه يتمنى أن يكون لديه في الإتحاد الإشتراكي رجال بمثل إخلاص وتفاني وجرأة ياسين عمر الإمام والحاج مضوي.
كنت أزوره على فترات متباعدة حينما كان معتقلا في سجن بورتسودان عام 1971م،حسبما تتيسير الزيارة، وكانت الزيارة تتطلب إذنا كتابيا من وزارة الداخلية في الخرطوم، وكان الأمر فيه الكثير من المشقة لاسرته التي تتكبد مشاق الرحلة من أم درمان لزيارته في بورتسودان متى ما سمحوا لهم بالزيارة.كنت أنا وقتها في بداياتي الأولي في العمل الإداري في بلدية بورتسودان،مساعدا لكبير ضباطها،وهي تجربة لم تستمر طويلا بقرار من جعفر بخيت، الذي كان ملكا غير متوج على عدة عروش في وقت واحد آنذاك، ينفث منها أذاه على من يختار من عباد الله. أتاحت وظيفتي،على صغرها، زيارته خارج النص. سبحان الله، رغم ما هو فيه كان يحرص على أن يستفسرني عن تفاصيل أحوالي وعملي وسكني، وبينما كنت أحاول أن أن أتحدث إليه بما هو أقرب إلى الهمس، ومكان الزيارة لم يكن خاليا في العادة من الممستمعين والمراقبين،كان هو يميل للحديث بصوت جهوري قوي، فيبدي رأيه في كل الأوضاع السياسية والحياتية،غير آبه بالآذان والعيون. ثم يقول لي مازحا:"إنت خايف تجي هنا؟" وفعلا جئت بعد عدة أشهر، ليس زائرا، هذه المرة. كانت مصادفة غريبة أن يكون هو أول من ألتقي،مع فرق القيمة والقامة الشاسع، وأنا أخطو خطواتي الأولى داخل ذلك المكان. كان عائدا من لقاء أحد زواره في مكاتب إدارة السجن. أصابته الدهشة بعض الشيء، ولكن ما لبث أن سارع قائلا، مهونا عليّ:"لا عليك.. السجن مكان عادي، لا يختلف كثيرا عن الخارج، ولن تبقى فيه للأبد". ثم ذهبوا به إلي مقره في السجن، وذهبت أنا إلى حيث كان الرفاق، الذين لم أتشرف إلي يوم الناس هذا بالإنتماء لحزبهم (شرف لا أدعيه)،رغم أنف السجلات الرسمية، وغبائها في كثير من الأحيان. ثم انتقل بعد ذلك إلى سجن كوبر.
في منتصف سنوات السبعين،من القرن الميلادي الماضي،غادر سجن كوبر لسويعات قليلة ليشهد تشييع ابنته التي كانت تعاني من مرض القلب. حرموه من متابعة مرضها وعلاجها.عندما دخل داره المكتظة بالمعزين الذين كانوا في انتظاره لتشييع ابنته لمثواها الأخير, وقف يصلي ركعتين لله تعالى، ثم غلبته الدموع، فغلبت الدموع كل الحاضرين، حتى العسكري الحارس الذي جاء مرافقا له من السجن، شارك الناس في البكاء،فكان يمسك بندقيته بيسراه،ويمسح دموعه بيمناه.مشهد ممعن في تراجيديته،ورباط عاطفي وثيق كان يربطه بسجّانيه، في أزمنة طيبة جميلة كان يغلب عليها التسامح بين الناس. وأنا أعلم أنه ظل يقدم في الصمت والخفاء العون المالي لعدد منهم ولأسرهم لسنين طويلة بعد أن بدل الله حالا بحال، ولم يكن يحمل في قلبه غلا على أحد منهم، ولا على أي احد،فهو قد تربى تربية قرآنية راسخة،وزادته سنواته القليلة مع الرفاق التي سبقت التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين، ارتباطا وإحساسا بالبؤساء والمسحوقين.
قلبه الذي أنهكته سنوات السجون والأدواء،رغم ما حباه الله به من قوة وعزم، أنهكته أيضا خيبة الأمل عندما رأى مشاريعه التي وهبها كل عمره تتداعى كقصور الرمال أمام عينيه، وهو الزاهد دوما في الدنيا والمناصب والأضواء والمغانم.قال متحسرا:(القيم المرفوعة كلها والشعارات انهارت ودفنت، ولم يعد هناك شعار واحد منفّذ منذ قيام الثورة، مثل "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع". لا توجد زراعة ولا تجارة.) وقال بنفس الشجاعة والصراحة:(أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سيء في شعار الإسلام ولا عشم حوله... السودان شلت عليه الفاتحة). وقبل ذلك قال: (أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني بسبب الظلم والفساد الذي اراه، وقلت لهم بأنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للإخوان المسلمين لأنهم يرون الظلم الواقع على اهلهم"فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام في السودان،أنا غايتو بخجل").ولكن لا أظن أن هناك كثيرين غيره يحسون بمثل إحساسه بالخجل بعد أن فتنتهم الدنيا وأسكرتهم السلطة.أورد الدكتور عبدالله جلاب، المحاضر في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، شهادات لياسين لا تنقصها الصراحة في كتابه المنشور باللغة الإنجليزية "الجمهورية الإسلاموية الأولى..تطور وتفكك الإسلاموية في السودان"، عام 2008م.قال إنه استفاد كثيرا من خبرات عمله وسط العمال في الحزب الشيوعي،وقال عن المصالحة الوطنية: "عندما التحقنا بالمصالحة الوطنية مع نميري، كان هدفنا ألا نؤخذ علي حين غرة وندخل السجون من جديد". ولكني أشك إن كانت سنوات المرض الطويلة وجدول حياته المزدحم قد مكنا ياسين من أن ينقل إلى الورق،في انتظار النشر،شيئا من صندوق الأسرار الذي ظل محتفظا به في صدره، ويقيني أن مثل هذه الكتابة كانت ستضيف الكثير للمكتبة السودانية والأكاديميين والباحثين عن الحقيقة.
سنوات غربتي الطويلة حالت دون التواصل المباشر، وإن لم تنل شيئا من التواصل الوجداني الذي يتجاوز الحواجز الجغرافية والزمانية. في آخر زيارة لي له في داره قبل نحو ثلاث سنوات،وهي آخر مرة أجيء فيها لأرض الوطن، كان يتعالى على أوجاعه بشجاعة الفرسان،ويبادر هو بالسؤال عن الحال والأحوال والاسرة والعمل، وغير ذلك من شؤون الدنيا،وهو مستلق على سرير مرضه. نفس عادته الراسخة بالإهتمام بمن حوله، مهما كان حاله. رجل قادم من كوكب آخر ومن دنيا غير دنيانا. في داخل تلك الشخصية الجسورة العملاقة، تكمن شخصية أخرى ودودة، رقيقة، محبة للناس وللحياة، خفيفة الروح.شهادتي فيه مجروحة مثلما شهادتي في كل آل الإمام، ولكنه رجل قد لا تكف عن الإختلاف مع طرحه الفكري أشد الإختلاف،وتبتعد عنه بعد المشرق من المغرب،ولا تعفيه من مسؤولية ما نحن فيه اليوم،وبالقدر نفسه لا تكف عن حبه، تتوسع وتمتد مساحات ذلك الحب كلما ازددت منه قربا.أحمد الله الذي أكرمني بالعيش وسط هذه الأسرة العظيمة التي أنجبت ياسين.
كان ياسين عمر الإمام مدرسة متكاملة للقيم الإنسانية. يرحمنا ويرحمه الله،وجعل الله قبره روضة من رياض الجنة.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 826

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#731739 [AHMEDJALAL]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2013 03:14 PM
ربنايتقبله ويحسن اليه


عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة