المقالات
السياسة
التغيير وبادئة "خطرت لى فكرة"
التغيير وبادئة "خطرت لى فكرة"
07-30-2013 08:39 PM

أذكر عندما كنت فى زمن ولى وفات أعمل بالبنك الصناعى السودانى السابق الذى كانت مهمته تمويل الصناعات الصغيرة والمتوسطة، جاءنا طلب من أحد المواطنيين لتقديم المساعدة المالية لإنشاء وحدة صناعية وبما أن المشروع المقترح لم تكن فكرته ومعطيات الواقع الاقتصادية لا تعطى مؤشراً ينبئ بجدواه وصاحبه يفتقر للملاءة المالية المطلوبة، أعتذر البنك عن تمويله. وإعتقدنا أن الموضوع بلغ نهايته بذهاب المستثمر المزعوم الى حال سبيله. لكن كانت المفاجأة حيث حضر نفس الرجل للبنك فى أقل من إسبوع يحمل رزمة من الاوراق لمشروع آخر مُتخيَّل ومقرونة بطلب لتمويله بدأه قائلاً ” خطرت لى فكرة أخرى ...... “ وضحك عليه الافندية (المناعيل) وصاروا يطلقون الجملة الأخيرة للتهكم والسخرية من مَنْ ينزعون فى كلامهم على اختلاق أحداث لا تتصل بواقع الحياة.

ظللت اتذكر واقعة صاحبنا المستثمر المُتوهم، من حين لآخر، كلما اطلعت على طوفان المقالات الالكترونية والورقية التى يسعفنا بها الكثير من الكتاب التى تتحدث عن التغيير المنشود للسودان فى المرحلة القادمة. مقالات متعددة والافكار فيها متباينة ورغم حسن النوايا وسمو المقاصد ونبلها إلا أن أغلبها بدلاً من كشف تناقضات الواقع الملموس وتبيان حقيقتها وطبيعتها للناس، اتجه كل واحد من كتابها يغنى على ليلاه غناءً تأتى فيها الرؤى على حسب تصوراته الشخصية وتقديراته الذاتية. ومن أهم الفرص الضائعة فى هذا المناخ هى غياب ، فى ما نقرأه ، ربط الديمقراطية برفع وعى الناس، وعوضاً ميل الكتاب لوقف الحديث عن الديمقراطية على مظاهرها. وهكذا اختفى الاجتهاد لرفع الوعى السياسى للفئات الاجتماعية المختلفة والمجتمعات المحلية الذى يجعلها تدرك بوضوح جذور أزمة البلاد الاجتماعية والاقتصادية.

التغيير ليس مسألة هينة ويسيرة فهو يقتضى، كمتطلب رئيسى، ترقية العمل السياسى الهادف لتوعية الشعب؛ ولهذا فالتغيير سباحة أفكار جديدة طازجة وطرية ضد تيار مدافعٍ عن تكوينات اجتماعية وأنساق ثقافية بالية يجرى ترسيخها بشتى أشكال الدجل والخرافة والاعراف الطائفية لحبس الناس فى قفص من العلاقات الاقتصادية يُعزى لها بؤسهم وحرمانهم. كما أن موضوع التغيير يستدعى وضع برنامج كاستراتيجية واضحة محددة المعالم يحقق أهدافها تكتيك يستمد طرقه وأساليبية منها؛ فالتكتيك لا يمكن أن يكون وحى الخاطر أو وليد فكرة عابرة. وأود أن لا يغيب عنا أن التغيير يحدده التطور الاجتماعى والاقتصادى للمجتمع، ورفع وعى الناس يساعد على تهيأتهم لادراك ضرورة وضع الخطط والبرامج التى تدعو إليها الحاجة الى تغيير حياتهم للأحسن.

___________________

مؤخرا اطلعت على مقال لجون آدمز عن ثورة الاستقلال الامريكية كتبه فى 1818 بعد تقاعده وأُعيد نشره فى أحد المواقع الإلكترونية بمناسبة إحتفال أميركا بعيد استقلالها الـ237 في الرابع من يوليو 2013. وآدمز كان الرئيس الثانى لأمريكا ومن الذين يسمونهم الآباء المؤسسين للولايات المتدحدة الأمريكية وأحد قادة الثورة الامريكية. ولعلاقة المقال بموضوعنا نتطرق هنا لبعض ما ورد فيه. وأود أن أشير الى أن معطيات ثورة الاستقلال الامريكية، التى سبقت الثورة الفرنسية، والتى تأثر بعض كبار قادتها بافكار عصر الأنوار، جديرة بالدراسة؛ ومع أن افكار قادتها لا تخلو من تناقضات (تفهم بالنظر لواقع الظروف التاريخية التي حدثت فيها)، الا أن توحيدها للمستعمرات الامريكية، التى لم تكن بينها قواسم مشتركة، فى مقاومة نير إستعمار الإمبراطورية البريطانية، يجعل معانيها تستحق التأمل.

جون آدمز اعتبر أن حرب الإستقلال الأمريكية كانت إمتداداً لثورة سياسية امتدت لعدة سنوات حيث كتب قائلاً ” ماذا تعنى الثورة الامريكي؟ هل تعنى الحرب الامريكية؟ الثورة بدأ حدوثها قبل وقوع الحرب. الثورة كانت فى افئدة وعقول الشعب ...التغيير الجذرى (الذى حدث للناس) فى الافكاروالمبادئ والميول هو الثورة الامريكية الحقيقية.“ ويمضى آدمز ويقول أن من يريد الوقوف على التطور الحقيقى للثورة والوعى الذى لازمها عليه الرجوع للصحف والمنشورات والكتيبات التى وزعت منها عشرات الآلاف من النسخ على المستعمرات الامريكية القديمة. ولا يفوتنا أن نشير الى أن التغيير الذى عناه آدمز أدى الى الوعى الثاقب الذى كُتبت به فى 1776 وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي (لجفرسون) وفى وقت لاحق صياغة الدستور ووثيقة الحقوق فى 1789.

ومضى آدمز وذكر فى مقالته ان التمعن فى تاريخ الثورة الامريكية يمكن أن تستقى منه البشرية دروساً كبيرة، فالمستعمرات الامريكية التى كان عددها آنذاك ثلاث عشرة ” حكمتها دساتير متبايِنة وكانت منعزلة عن بعضها ودياناتها مختلفة وبها قوميات متعددة غير متجانسة عاداتها وتقاليدها. وبما إن الاتصال بينها كان مفقوداً وبالتالى معرفة بعضها البعض ناقصة، فإن توحيدها كان مهمة صعبة....جَعْل دقات ثلاثة عشر ساعة تحصل فى وقت واحد يعتبر انجاز لم يبلغه أى فنى مقتدرمن قبل..“ وفى فقرة أخرى يقول ” فى دراسة تاريخ الثورة الامريكية فإن التركيز على خلق هالات (glorioles) حول أفراد وولايات معينة لا فائدة من ورائه. (يجب تعليم الاجيال القادمة) أن الثورات ليست أموراً يمكن الإستهانة بها، فالقيام بها لايتم بعجالة وطيش وبدون اناس يتمتعون بذكاء وثبات واستقامة كافية تجعلهم يصمدون حيال المحاكمات الساخنة والكوارث التى قد تواجههم.“


د. محمود محمد ياسين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 697

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة