المقالات
السياسة
دارفور.. لازالت الدماء تسيل
دارفور.. لازالت الدماء تسيل
07-31-2013 11:18 PM


وكأن جراح دارفور تأبى أن تندمل، ولكنها تصر على التفتق والمتاورة يوماً عقب آخر، ما إن يندمل جرح في الجسد المثخن أصلاً بالجراح حتى يتفتق جرح جديد أكثر دموية في مكان آخر، فكثرت الجراح واعجزت المداوي أن وجد.. أكثر من عشر سنوات مرت على ولايات دارفور الثلاث ومشاهد القتل والدمار والخراب لا تكاد تغيب يوماً عن أعين سكان هذا الإقليم، عشر سنوات اختلط فيها حابل اقتتال التمرد ضد الحكومة بنابل الاقتتال القبلي بين قبائل الإقليم، والأخير كان أكثر الصراعات دموية والحاقاً للأذى والضرر، تستخدم فيه كل أنواع الأسلحة الحربية بعدما باتت متوفرة ومنتشرة على نطاق واسع في الإقليم المضطرب.. ورغم الجهود المتلاحقة من الحكومة والمنظمات الأهلية لأجل الصلح بين القبائل ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن تلك الجهود كانت دائماً ما تقابل بالفشل الذريع بعد عجزها عن مخاطبة جذور الأزمة فلا تلبث أن تتجدد المواجهات الدامية قبل أن يجف الحبر الذي كتب به الاتفاق. لدرجة أن إحصاءات البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور (يوناميد) أكدت أن القتال القبلي هو المصدر الرئيسي للعنف في الإقليم هذا العام، وتسبب في تشريد حوالي (300) ألف شخص.
بالأمس تجددت المواجهات الدامية بين قبيلتي المسيرية والسلامات فحصدت المواجهات حوالي (128) قتيلاً، ليضافوا الى المئات من رجال القبيلتين سبقوهم من قبل الى الآخرة بذات السيناريو. وأعلن أحد زعماء قبيلة المسيرية ويدعى أحمد خيري لوكالة الأنباء الفرنسية، أن رجاله تمكنوا من قتل مائة شخص من قبيلة السلامات، وفي المقابل أكد مقتل (28) مقاتلا وجرح (17) آخرين من قبيلته في نفس المواجهات. متوقعاً المزيد من أعمال العنف، مع احتشاد قوات من الطرفين في مناطق مختلفة. وسبقت هذه المواجهات أحداث أخرى وقعت أمس الأول الاثنين بين القبائل المتناحرة في منطقة غارسيلا الواقعة على بعد 150 كلم شمال منطقة "أبو جرادل" بولاية شرق دارفور والتي شهدت هي الأخرى اعنف المواجهات القبلية قبل شهور، ثم تجددت الجمعة والسبت الأسبوع الماضي وحصدت حوالي (94) شخصا أغلبهم من قبيلة السلامات.
وتأتي هذه المواجهات عقب اتفاق صلح مشهود جرت مراسم توقيعه بحاضرة ولاية شمال دارفور الفاشر الخميس الماضي وحضره كل من النائب الأول لرئيس الجمهورية، علي عثمان محمد طه، ورئيس السلطة الإقليمية لدارفور التجاني السيسي إضافة الى وزير العدل ووزراء أخر، وقعت على الاتفاق قبائل بني حسين والرزيقات، وبعض بطون القبائل الأخرى ويتوقع للاتفاق أن ينتهي أكثر الصراعات دمويةً في تاريخ دارفور الذي شهدته منطقة جبل عامر بمحلية السريف بالولاية والذي راح ضحيته المئات من طرفي الصراع.
وهنالك ثلاثة مناطق بإقليم دارفور كانت مسرحاً للاقتتال القبلي هذا العام، تأتي في مقدمتها منطقة جبل عامر بشمال دارفور، وكان أطراف النزاع فيها قبيلتي الرزيقات الأبالة وبني حسين، ونشب الصراع حول منجم للذهب بجبل عامر واتسع نطاقه ليتحول إلى مواجهات دامية بين قبيلتي الرزيقات الأبالة والبني حسين ما أدى لسقوط عشرات القتلى وتشريد عشرات الآلاف من المدنيين. حيث قالت الأمم المتحدة إن القتال حول المنجم بالمنطقة أجبر عشرات الآلاف على الفرار. توقف النزاع في جبل عامر على الأقل حتى اليوم بسبب الاتفاق المار ذكره. وتضمن الاتفاق بين بني حسين، والرزيقات (12) بنداً، اشتملت على حصر الخسائر، وتحديد التعويضات، والالتزام الفوري بوقف العدائيات، وفضّ التجمعات، وتسليم إدارة جبل عامر للسلطات الرسمية والحكمدارات إدارةً وإشرافاً، وإعادة الأراضي المسلوبة إلى أهلها، وفتح الطرق، وتأمين الأسواق، والمزارع، والمراحيل، وضبط حركة السيارات.
المنطقة الثانية هي منطقة وادي صالح بولاية وسط دارفور التي شهدت أحداث عنف لا تقل عما شهدته منطقة جبل عامر، حيث كانت اطراف النزاع فيها قبيلتي السلامات والمسيرية، وقد أحتوت السلطات بالولاية الخميس الماضي الاشتباكات التي حدثت يومي الاثنين والثلاثاء من ذات الأسبوع، في منطقة قارسيلا بمحلية وادي صالح وأدت إلى مقتل (24) شخصاً، وجرح (17) آخرين. وأعلنت الولاية يومها انها بصدد توقيع اتفاق صلح بين الأطراف المتصارعة، ووقف العدائيات، بعدما قبلت كل الأطراف بالمصالحة وبما جاء في الاتفاق. وحسب والي وسط دارفور يوسف تبن فإن الأحداث بدأت يوم الاثنين الماضي بقتل أحدهم شخصاً آخر في مشاجرة عادية، ليقوم أهل القتيل بالثأر، وقتل أحد أقرباء القاتل، في السوق العام بالمحلية، في اليوم التالي من الحادثة الأولى.
أما المنطقة الثالثة التي كانت عنواناً للاقتتال القبلي في الإقليم المنكوب هذا العام فهي منطقة (كتيلا) بولاية جنوب دارفور، حيث تقود الصراع فيها قبيلتي القمر والبني هلبة، وفي آخر اقتتال نشب بينهما مايو الماضي من هذا العام قتل فيه حوالي (64) شخصاً أضافة الى عشرات الجرحى من الطرفين. وحسب المتحدث باسم قبيلة القمر أبكر التوم فإن الهجوم يعد رقم (15) منذ مارس الماضي من هذا العام، وبلغت حصيلة القتلى حسب التوم (94) من افراد قبيلته وجرح (65) الى جانب احراق (1200) منزل وتحطيم (5) محطات مياه (دوانكي) وحرق (14) قرية. وسارع يومها والي ولاية جنوب دارفور اللواء الركن آدم محمود جار النبي الى اتهام جهات اجنبية بإدارة المعارك ضد قبيلة القمر إنابة عن البني هلبة، وقال إن الطرف الثالث عبارة عن أجانب وفدوا من خارج الحدود للحرب بالوكالة. وكانت ذات القبيلتين وقعت في أبريل الماضي على اتفاق لوقف إطلاق النار والعدائيات بينهما بحضور ولاة جنوب وشرق دارفور آدم محمود جار النبي وعبدالحميد موسى كاشا. ونص الاتفاق الذي وقع عليه (7) اشخاص من كل طرف، على فض التجمعات والحشود على الفور، على أن تباشر السلطات الحكومية دورها في مراقبة الحدود العازلة بين الجانبين. ويعد اتفاق وقف العدائيات ذاك الرابع من نوعه بين الطرفين في فترة وجيزة.
وهناك مناطق أخرى شهدت نزاعات قبلية مسلحة هذا العام منها منطقتي (أم دخن، وأبو جرادل) بولاية وسط دارفور بين قبائل المسيرية والتعايشة ضد قبيلة السلامات، وبدأت تلك الصراعات مطلع أبريل من هذا العام، وأسفرت النزاعات عن مقتل أكثر من (100) شخص وجرح عشرات آخرين، كما أسفرت عن حرق وتدمير ممتلكات، وأدت أيضاً إلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص بحسب هيومن رايتس ووتش. كما تسبب في نزوح أكثر من (30) ألف لاجئ عبروا الحدود نحو تشاد، معظمهم من النساء والأطفال.
الصراعات القبلية بدارفور جعلت رئيس السلطة الإقليمية بالإقليم التجاني السيسي يعتقد أن الاقتتال الدموي سببه الديات، حيث إنها باتت محفزاً للقتل لأن كل صراع ينتهي بصلح يتضمن دفع ديات القتلى والتي تقدر بالملايين. ونبه السيسي الى إمكانية أن تنتقل الصراعات القبلية من دارفور الى بقية مدن وولايات السودان الأخرى ما لم تبسط الدولة هيبتها وتمكن القوات النظامية المتمثلة في الجيش والشرطة والأمن بالإمكانيات الضرورية لبسط هيبة الدولة. وبتطبيق العدالة وسيادة حكم القانون بين جميع المكونات ومحاسبة مرتكبي الفظائع من الجناة. ليس السيسي وحده من بدا مذهولاً مما يجري في دارفور من اقتتال قبلي، بل رئيس الجمهورية، المشير عمر البشير، نفسه قد لحقت به الحيرة مما يجري في دارفور، وذهب الى أن اسباب القتل في الإقليم لا تستاهل ذبح خروف ناهيك عن إزهاق نفس بشرية.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1086

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#734336 [ابو عبد الله]
5.00/5 (1 صوت)

08-01-2013 12:15 AM
يقتلون بعضهم بعضا بسبب الجهل المستشرى فى تلك المنطقة


ردود على ابو عبد الله
United States [الله جابو] 08-01-2013 01:26 PM
بسبب الجهل ولا السلاح الذي مدتهم به الحكومة


أحمد حمدان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة