المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
التباين في معنى المفاهيم عند النخب في الجنوب وفي الشمال
التباين في معنى المفاهيم عند النخب في الجنوب وفي الشمال
06-08-2010 03:32 PM

قراءة في المشهد السياسي

التباين في معنى المفاهيم عند النخب في الجنوب وفي الشمال

د.الشفيع خضر سعيد

مدخل
مفاهيم عديدة، ذات صلة بالعلاقة بين شمال الوطن وجنوبه ولاحقا ذات صلة بقضية الوحدة والانفصال، ظلت تنعكس، في معناها ومغذاها وجوهرها، بشكل متباين، ولفترة طويلة ربما حتى اليوم، عند النخب في الجنوب وفي الشمال. والنظرة المتأنية لهذه الإشكالية سترى فيها أبعادا متعددة: فهذه المفاهيم إما أهمل الحوار حولها، أو أهملها الحوار حين تأتى، في حين الإتفاق حولها كان ممكنا. وهذا يكشف عن ضعف لا تخطئه العين ظل يعاني منه الحوار والتفاعل النشط بين نخب الشمال ونخب الجنوب لتقريب وجهات النظر حول هذه المفاهيم. ولعل من المرات النادرة التي شهدت مثل هذا الحوار وهذا التفاعل، كانت تجربة التجمع الوطني الديمقراطي الذي رعى حوارا واسعا وعميقا، وتفاعلا نشطا وبناءً بين النخب السياسية الشمالية والجنوبية حول قضايا بناء الدولة السودانية، مما أسفر عن إنجاز تاريخي تمثل في التمسك بوحدة السودان القائمة على أسس جديدة. والحقيقة الثانية أن هذه المفاهيم، والتي برزت كتعبير عن أزمة العلاقة بين الشمال والجنوب، قديمة قدم الأزمة نفسها، ومنذ فترة ما قبل استقلال السودان. لكن، المأساة أن هذه المفاهيم والإجابات المتولدة، تتعامل معها النخب السودانية في كل منعطف جديد، وكأنها، أي النخب، لم تتقاطع معها من قبل. فيأتي التعامل بدون ذاكرة أو مخزون تجربة، وكأنه في كل مرة، يبدأ من نقطة البداية. إن ضعف الذاكرة السياسية يعيق التأسيس لجيل اليوم وللأجيال القادمة. وقبل بضعة أيام قرأت لصاحب صحيفة يومية كبيرة مقالا ينفي فيه أن يكون المؤتمر الوطني هو المبادر بقبول حق تقرير المصير، وأن الذي بادر هو التجمع الوطني الديمقراطي في مؤتمر أسمرا 1995! وقد جاء قوله في سياق الدفاع عن المؤتمر الوطني وكأنّ قبول حق تقرير المصير جريمة! ومن الواضح أن الذاكرة السياسية لصاحب الصحيفة خانته مرتين: مرة بمنعه من إبصار حقيقة أن تقرير المصير ليس جريمة ولا يستوجب الخجل، وإنما هو حق إنساني ديمقراطي أساسي للشعوب، يحق لأي شعب ممارسته في أي وقت. ثم أنه لا يتطابق والإنفصال لأن في داخله تكمن الوحدة أيضا. ويظل وقف الحرب أكبر إنجاز يرتبط به. والمرة الثانية عندما فات عليه أن تقرير المصير لم يبدأ مشواره مع التجمع الوطني الديمقراطي، وإنما جذوره تمتد إلى مذكرة مؤتمر الخريجين في العام 1942، مرورا بمؤتمر المائدة المستديرة في 1965، وما تلى ذلك من محطات في فرانكفورت 1992، وواشنطن 1993...الخ. أعتقد من الصعوبة تجاهل حقيقة أن الدعوة لكي يمارس الجنوبيون حق تقرير المصير تخلقت بسبب فقدان الجنوب الثقة في الشمال، هذا الفقدان الناتج من نقض العهود والمواثيق ومحاولة فرض الأسلمة والتعريب على الجنوب وعدم إشراك الجنوبيين مشاركة حقيقية وفعالة في ممارسة السلطة وتوزيع الثروة. إن حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة الإنفصال. فالبنسبة للجنوبيين هو فرصة أخيرة للسودانيين للإتفاق على شروط جديدة لوحدة السودان يشعر فيها المواطن الجنوبي أنه جزء من السودان يمارس حقوقه الإجتماعية والإقتصادية والسياسية كغيره من المواطنين، وأن ثقافته وهويته يعبر عنها بحرية تامة على قدم المساواة مع الثقافات والهويات الأخرى في البلاد. هذا هو المعني الحقيقي لمصطلح \"الوحدة الطوعية\". في غياب هذا الإتفاق قد يختار الجنوبيون خيار الإنفصال، وفي هذه الحالة لا يمكن لمنصف أن يلقي اللوم عليهم لأن مطلبهم الوحيد هو العدالة والمساواة. وتتحمل المسؤولية كاملة النخب الشمالية التي ظلت تستأثر بالسلطة والثروة، وفي نفس الوقت تنادي بالوحدة.
الوحدة
تحاجج النخب الجنوبية، الوحدوية، بأن مفهوم وحدة السودان عندها يختلف عنه عند النخب الشمالية. في مقال له في أواخر التسعينات في جريدة الأهرام المصرية، كتب د. لام أكول: \"الذين تعاقبوا على حكم السودان منذ الإستقلال (وهم بالطبع شماليون) ظل إعتقادهم الجازم أن التباين الثقافي والديني والعرقي يمكن إزالته بفرض الهوية العربية الإسلامية على غير العرب والمسلمين وخاصة في جنوب السودان. أي أن هؤلاء يعملون على تحقيق التكامل السوداني عن طريق استبدال الثقافات والأديان في الجنوب ومناطق أخرى من السودان بالهوية العربية الإسلامية. في مقابل هذا التوجه الاستبدالي يصر الجنوبيون على الحفاظ على هويتهم الثقافية داعين إلى تحقيق التكامل السوداني بقيام وحدة البلاد على التنوع، أي الإعتراف بالأجزاء المختلفة التي تكون في مجملها السودان الذي يسع الجميع\". لهذا الاختلاف البيّن في التصور نشبت الحرب وزاد أوارها تشبث الحكام بالسلطة. وبالرغم من أن مفهوم \"الوحدة في تنوع\" يبدو من البدهي بمكان ويطرح نفسه للتطبيق في السودان إلا أن هذا المفهوم يصطدم بجدار سميك من عناد دعاة الوحدة بالإستبدال والذين يشكلون دون غيرهم العقبة الحقيقية أمام إستقرار السودان.
من زاوية أخرى، يشير العديد من كتاب النخبة الجنوبية إلى أنه في خلال فترة الحكم الإقليمي للجنوب (مارس 1972- يونيو 1983م) أثبت الجنوبيون وقوفهم المطلق مع وحدة السودان. تجلى ذلك في مواقف عدة أهمها أنه في يوليو عام 1976م عندما غزت قوات المعارضة الشمالية (الجبهة الوطنية) الخرطوم من خارج الحدود واستولت على إذاعة أمدرمان لمدة ثلاثة أيام كانت إذاعة جوبا تذيع باسم إذاعة أمدرمان. لو كان الجنوبيون إنفصاليين لأعلنوا الإنفصال في ذلك الوقت عندما كانت الخرطوم بلا حكومة طوال هذه المدة. السبب في هذا الموقف الجنوبي يرجع إلى شعورهم في ذلك الوقت بمشاركة حقيقية في السلطة واحترام تباينهم الديني والثقافي وعدم فرض وصاية عليهم من الشمال في إدارة شئونهم.
المناطق المقفولة
كتابات بعض نخب الشمال تتحدث عن أن الحرب ما كانت أن تقوم لولا أن الإستعمار حال دون انتشار الإسلام واللغة العربية في جنوب السودان، ثم عمل بعد ذلك على محاباة الجنوب وسعى لإنفصاله وضمه إلى شرق إفريقيا. أي أن الإستعمار هو الذي حال دون استبدال هوية المواطنين في جنوب السودان بالهوية العربية الإسلامية، فارضا جدارا عازلا عبر قانون المناطق المقفولة في الجنوب. لكن نخب الجنوب تعترض على هذه الفرضية بقراءة مختلفة للتاريخ. في عام 1981، كتب باسمور ساندرسون في كتاب \"التعليم والدين والسياسة في جنوب السودان\"، أن الإستعمار هو الذي أوقف تقدم القبائل الجنوبية شمالاً، مشيرا إلى أن قبيلة الشلك كانت تقطن الجزء الشمالي من جنوب السودان على ضفتي النيل الأبيض، الطريق الوحيد حينها لتقدم الاستعمار جنوبا. وقبيلة الشلك، عند دخول الأتراك والمصريين إلى السودان عام 1821م (عند انتقال السلطة من الرث يور كوديت أكون إلى ابنه أنيي يور)، كانت تسيطر على النيل حتى خط العرض 16. وتدلل القراءة بأن كلمة \"الخرطوم\" نفسها مشتقة من كلمة شلكاوية تعني ملتقى نيلين (كيرأتوم). وفي مفارقة واضحة لما هو سائد وسط أغلبية نخب الشمال، تخلص القراءة إلى أن القوة الإستعمارية التي أزاحت الشلك جنوباً كانت تدين بالإسلام وتتبنى اللغة العربية فقامت بنشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية في المناطق التي احتلتها. بمعنى آخر فإن الإستعمار توغل جنوباً ومعه انتشار الثقافة الإسلامية العربية على عكس ما يدعي دعاة الوحدة بالإستبدال. وتدعم القراءة فرضيتها باستنتاج أن الإنجليز تحت الحكم الثنائي لم يكونوا حريصين على نشر اللغة الإنجليزية والمسيحية في الجنوب بقدر ما كانوا مهتمين بتثبيت وتعزيز قبضتهم على البلاد. وأن الحاكم العام للسودان، السير ونجت، بذل قصارى جهده لإرضاء المسلمين السودانيين من منطلق خوفه من قيام مهدية جديدة. وفي سبيل ذلك اتخذ كثيراً من التدابير من بينها عدم السماح بعمل جمعيات التبشير المسيحية في شمال السودان، وعندما اتجهت جنوباً لم تجد الدعم من الحكم الثنائي. وفي مقابل هذا الوضع فتح المستعمر المدارس في الشمال وتلقى عدد كبير من الشماليين قدراً واسعاً من التعليم وصل إلى مستوى التعليم العالي في كلية غردون التذكارية وجامعات مصر. هؤلاء كانوا نواة النهضة السياسية في شمال السودان، نخب الشمال الذين شكلوا الأحزاب السياسية الشمالية. وفي منحىً آخر، يقول د. لام أكول في مقالته المذكورة أعلاه، إن الكيانات الإثنية الثقافية في جنوب السودان وجبال النوبة قد خضعت لسياسات المناطق المقفولة والتي يختلف حولها السودانيون. فالجماعات الإسلامية العربية تدينها إدانة مطلقة، بينما تنظر إليها الكيانات التي خضعت لهذه السياسات على أنها ساعدت على المحافظة على هوياتها وشخصياتها الثقافية في وجه صراع غير متكافئ. فهي نبعت أساساً في إطار قيام الاستعمار الإنجليزي بإلغاء مؤسسة الرق في السودان.
الأسلمة والتعريب
النخبة العربية الإسلامية في الشمال ترى أن رسالتها المقدسة هي نشر الإسلام واللغة العربية وثقافتهما في جنوب السودان وفي العمق الإفريقي. وبالتأكيد، لا أعتقد أن في هذا ما يعيب مادام الأمر يتم وفق مبادئ التفاعل والتلاقح والندية، ومادام المقدس هنا ليس الرسالة نفسها، بل هو الحفاظ على التنوع والتعدد. لكن يبدو أن الأمر وسط النخب الشمالية لم يكن كذلك، حيث لم تراع الحساسية الملازمة له، وظل مفهوم السودان الجسر بين العروبة والأفريقانية وكأنه مصمم على أساس شارع ذي اتجاه واحد: من الشمال إلى الجنوب. بالمقابل تتهم النخب الجنوبية دعاة الوحدة من نخب الشمال المتنكرين لمفهوم التعدد والتنوع، تتهمهم بالنظر إلى قبائل الجنوب وكأنها بلا ثقافة (أو على أحسن الأحوال ثقافة متدنية)، وعليه فإن الوحدة يجب أن تتم بسوقهم على اعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية قسراً إذا دعا الحال! وتواصل طرح صحيفة اتهامها قائلة إن الجهل، أو نسج الخيال، دفع ببعض نخب الشمال إلى الادّعاء بأن اللغة العربية أو لهجة \"عربي جوبا\" هي لغة التخاطب بين قبائل الجنوب المختلفة. وتفند هذا الطرح بالإشارة إلى أن لهجة \"عربي جوبا\" لا تتعدى حدود المدينة التي سميت عليها إذ أن أفراد قبيلة الباري الذين يقطنون حول المدينة لا ينطقون بها ناهيك عن قبائل الجنوب الأخرى. فالقبائل المتجاورة في الجنوب إما أن تتعلم لغات بعضها البعض وتتخاطب بها أو تكتفي بمن يجيد التحدث بلغة القبيلة الأخرى ويكون مترجماً للآخرين من قبيلته. ويحضرني في هذا الصدد ما كتبه الدكتور موسى الخليفة في مجلة الخرطوم عام 1981، حين قال: \"إذا كانت ثقافة قد افترضت أن لغتها هي الأحسن، ودينها هو الأحسن، وعنصرها هو الأحسن فإنها تربي مواطنها بالإسقاط، بإن الثقافات الأخرى أقل منزلة. عند النظر للمشاكل العنصرية نجد أنها ناجمة عن هيمنة ثقافة معينة، والنظر إليها على أنها متقدمة ومختارة وهذا يتأسس على مفهوم أن هناك ثقافة أعلى (Superior)، وثقافة أدنى (Inferior) \".
أعتقد من العدل الإقرار بأن النخب الشمالية التي تولت حكم البلاد بعد الإستقلال، مضت بحماس منقطع النظير، وباسم \"الوطنية\" في تطبيق سياسة أسلمة وتعريب الجنوب كحل وحيد لقضية الحرب التي انفجرت في توريت في أغسطس عام 1955م. ولم يتم الإعتراف بالتباين الثقافي والديني والعرقي بين الجنوب والشمال إلا بعد ثورة أكتوبر، في عهد حكومة سر الختم الخليفة الأنتقالية عام 1964. ولقد كان هذا اختراقا ايجابيا في جدار نخب الشمال. والإختراق الإيجابي لم يكتف بالإعتراف بالتباين بين شطري القطر فقط، بل توسع لينعقد بموجبه مؤتمر المائدة المستديرة، مارس 1965، والذي حضرته كل القوى السياسية من الشمال والجنوب ومندوبو سبع دول إفريقية كمراقبين (مصر، الجزائر، يوغندا، كينيا، نيجريا، تنزانيا وغانا). توصل المؤتمرون إلى إتفاق حول كل النقاط ماعدا نقطتين فقط. الأولى هي عن وضعية الجنوب في ظل الحكم الإقليمي المتفق عليه: هل يكون إقليماً واحداً أو ثلاثة أقاليم؟ الموقف الموحد للأحزاب الشمالية هو أن يكون الجنوب ثلاثة أقاليم بينما أصرّ الجنوبيون أن يكونوا في إقليم واحد. النقطة الثانية تتعلق بإختيار رئيس إقليم الجنوب (أو رؤساء أقاليم الجنوب حسب الحال) هل ينتخب من قبل الجنوبيين أم يعينه رئيس الجمهورية ؟ كان رأي الجنوبيين أن يتم اختيار رئيسهم بالإنتخاب تمشياً مع مبدأ الحكم اللامركزي وضمان اختيار من يتمتع بثقة الجنوبيين. إلا أن الأحزاب الشمالية أصرت على أن يعين رئيس الجمهورية رئيس الجنوب. النخبة الجنوبية فهمت هذا الموقف الشمالي الموحد على أن الأحزاب الشمالية لا ترغب في مشاركة حقيقية لهم في حكم البلاد، وأن هذه الأحزاب تريد فرض القيادات على الجنوبيين. يقول د. لام أكول، في نفس المصدر، \"وهكذا فشل مؤتمر المائدة المستديرة ومن بعده مؤتمر الأحزاب ولجنة الإثني عشر في الحصول على اتفاق سوداني لحل المشكلة بسبب الخلاف حول النقطتين أعلاه. حسم نظام جعفر نميري هاتين النقطتين لصالح موقف الجنوبيين مما أدي إلى توقيع إتفاقية أديس أبابا في فبراير 1972م تمتع السودان بعدها بسلام شامل دام إحدى عشرة سنة. وما كانت الحرب لتنفجر من جديد لولا أن نميري نقض غزله بنفسه بعد المصالحة في عام1977م مع الأحزاب الشمالية التي كانت تعارضه وحاربته وظلت تعارض إتفاقية أديس أبابا ، بل وادّعت بوجود بنود سرية فيها\".
اعتقدت أن الوقوف عند هذه المفاهيم، المتباينة الرؤى حولها، مهم وأساسي، خاصة من وجهة نظر النخبة الجنوبية، قبل المضي قدما في سبر غور كل الاحتمالات خلال المئتي يوم القادمة قبل الإستفتاء، وصولا إلى خارطة طريق واضحة المعالم يتبناها ويعمل على تنفيذها دعاة وحدة السودان على أسس جديدة. وهذا سيكون موضوع مقالنا القادم.

الأحداث


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2052

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.الشفيع خضر سعيد
د.الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة