المقالات
السياسة
والليل إذا عسعس
والليل إذا عسعس
08-04-2013 10:34 AM

بعد شهور من الإفلاس الجماعي وتهافت الحشود على جانبي الوطن المهزوم، ومحاولات إنقاذ بائسة مطعون في نزاهتها، يتقدم الوطن حثيثا نحو شفا مجهول لا يعلم إلا الله منتهاه. ورغم اقترابنا الوشيك من هلاك محقق، لا زالت الحشود مرابطة في مكانها حتى تمام الهزيمة، وكل يفرج بين سبابته ووسطاه ملوحا بخرق بائسة وموزعا بسمات بلهاء حول سرير وطن يحتضر.
وفي سكرة البؤس المقيم، يتعالى الصخب وترتفع الجلبة داخل الميادين وخلف الميكروفونات، ويرفع حجيج الميادين أكفهم نحو سماء لم يعودوا يرونها وآفاق محدودة للغاية، وخيارات تزداد تقلصا كلما أشرقت شمس أو مالت نحو مغربها. والكل مزهو بانتفاخات العروق حول الحناجر وتقدم الخطا نحو السقوط الأخير.
نعلم يا رب أنك غاضب منا، ونعلم أن ينابيع غضبك تتفجر اليوم تحت أقدامنا أنهارا، وأنك تبتلينا اليوم بما ابتليت به بني إسرائيل ذات معصية حين جعلت بأسهم بينهم شديدا وجعلت قلوبهم شتى. ونعلم أننا نستحق عقابك بما أسرفنا من اقتتال على دنيا نصيبها أو نساء ننكحها، ونقر أننا اتخذنا القرآن مهجورا، وتركنا ما حُملنا من أمانة وراء ظهورنا، وتخلينا عن خيريتنا المشروعة ووسطيتنا المفترضة، وتفرغنا في شهر الصوم للدعاء على غرمائنا السياسيين وشيوخنا المتقاعسين، وحولنا حلق الذكر إلى ندوات سياسية وبرامج حوارية، ونسينا أن ندعوك لتلم شعثنا وتنقذنا من شعاب التيه التي ضل فيها بنو إسرائيل أربعين سنة كاملة حتى آبوا إليك متضرعين.
ندعوك ونحن ننزلق نحو قاع المهانة مسرعين دون بارقة أمل أو نبتة يقين نلف حولها أكفنا المعروقة وسيقاننا المتعبة من طول ركض في البرية أن تكف بأسنا عن إخواننا وتكف بأسهم عنا لا لأننا نستحق الرحمة، بل لأنك أهل لكل رحمة. فيا رحمن السموات والأرض ألف بين قلوبنا التي خاست بنبضاتها وخاصمت ضلوعها وخانت مواثيق الأخوة في الله والوطن والتاريخ.
لقد صرنا يا ربنا غثاء كغثاء سيل جارف، ومُضَغا تلوكها أفواه السباع من كل ملة ونحلة، ولم يعد ضعفنا على عدو خافيا، ونعرف أن الشرق الماكر والغرب الفاجر ينتظرون مواسم سقوطنا الربيعية في حمأة الخلاف، وأن نسماتنا الربيعية لم تكن وليدة مواسم إزهار، بل حصاد مكر الليل والنهار، وأن أمريكا تسوقنا كالقطيع نحو هاوية الخلاف لا سدة الخلافة، وأن ساستها الماكرون ينظرون إلينا اليوم من طرف خفي يتحينون مواسم تأبيننا الخريفية.
ندرك اليوم أن عرافة البيت الأبيض السوداء التي بشرتنا بفوضاها الخلاقة كانت نبية غدر، وأن آنا باترسون لم تكن تهذي حين لوحت بأصابعها المعروقة في وجوهنا متوعدة بسقوط مدو في حجر بني صهيون، وأقسمت أن عامنا هذا آخر مواسم الرجولة، وخاتمة صراع تاريخي بين حقنا المختطف وباطل صهيون المحقق. ونعلم يا ربنا أن حكماء بني صهيون قد أشرفوا على تنحية المخلوع وأنهم دعموا خيار التمكين للإسلام السياسي، وأنهم الذين تمردوا على خيارهم وقاموا بوأد ديمقراطيتنا المزعومة، وأنهم اليوم ينقلبون على قادة التمرد ليتركونا للتيه في ساحاتنا اليباب في انتظار دعم من هنا أو قرض من هناك، أو وسيط من شرق أو فاعل خير من غرب. وبعد أن تضع حروب الميادين أوزارها، سيدرك المتقاتلون باسم الشرعية أو الشريعة أو الأمن أو الديمقراطية حتما أنهم قد غرر بهم وأن لا ملجأ من اليأس إلا إليه، ولات حين مندم.
اليوم نتهارج يا ربنا كما تتهارج الحمر في البرية، فيركل المرء أخاه بين عينيه أو يرفسه بين أضلاعه، دون أن ينتصر أحدنا على أحد، لأننا جميعا على قارعة التاريخ مهزومون ضعفاء مسحوقون. اليوم لا يسلم من همزنا ولمزنا وضربات سيوفنا وألسنتنا الحداد شيخ ولا ولي، ولا يبرأ من اتهاماتنا مفكر ولا سياسي، فالكل في ميادين صراعنا الغبي متهم وإن ثبتت براءته، والكل مدان وإن برأه تاريخه وتقواه. فالظن في عرفنا سيد الأدلة، والخلاف سيد القرائن.
نعترف يا إلهنا أننا متعبون للغاية، ومنهكون حتى النخاع، وأننا لم نعد نرى في فضاءات السياسة أبعد من أرانب أنوفنا، فالكل يكذب ويبرر الأباطيل بالأعاليل، والكل يغدر ويشرع الخيانة بالدجل. فلكل جريمة في عرفنا السياسي مبرر، ولكل خطأ أسباب. ولا أحد من صفوتنا المزعومة يعترف بزلة أو يقر بذنب، بينما يرى القذى في عيون معارضيه خشبا بارزا. لكننا ندرك أن لا مندوحة عن سقوط سجادة الوطن تحت نعال الطغاة إلا بحولك وقوتك. فالمصر مصرك، قدره منك ابتلاء، وفتنته بإذنك تمحيص، وأنك قادر على تنقيتنا من قواسم الأنانية المشتركة كما ينقى الثوب الأبيض من الروث، وأنك على كل شيء قدير. فوحد اللهم مليونياتنا، واجمع على طريق الحق أحذيتنا، واعصمنا من فتنة الميادين التي لم تترك رطبا ولا يابسا إلا وأفسدته، ولا ضميرا مستقيما إلا ولوثته، ولا قلما منصفا إلا ودنسته. وباعد بيننا يا ربنا وبين التحزب المقيت كما باعدت بين رسالتنا وأفعالنا، واجعلنا اللهم من الواعين الذين يعرفون الناس بالحق ويدرءون الظنون بالشبهات. اللهم آمين.
عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 764

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة